الثلاثاء, 07 أكتوبر 2014 12:49

المشروع الإيراني في المنطقة العربية والإسلامية

كتب أ. د. عبدالله النفيسي
قيم الموضوع
(4 أصوات)
إيران التاريخية والمعاصرة تعاني من معضلة إستراتيجية، تنعكس على سياساتها تجاه الجوار العربي

عبر تاريخها البعيد والقريب، كانت بلاد فارس في حالة تدافع دائم مع الساحل الغربي المقابل، ومن خلال فحص العلاقات العربية الإيرانية، يلاحظ أن إيران التاريخية والمعاصرة تعاني من معضلة إستراتيجية، تنعكس على سياساتها تجاه الجوار العربي، وتتمثل هذه المعضلة الإستراتيجية في ثلاث نقاط:

 أولاً: الإحساس بالتفوق العسكري على الجوار العربي.

ثانياً: الإحساس بالعزلة الثقافية عن الجوار العربي بفعل اختلاف اللغة والدين (التشيُّع).

ثالثاً: الإحساس بالكراهية وعقدة المخالفة للعرب بالذات، وتنعكس هذه الكراهية بل والاحتقار في كتاب «الشاهنامه» للفردوسي (أبو القومية الفارسية).

فالتفوق العسكري على الجوار العربي أدى بالسياسة الإيرانية - التاريخية والمعاصرة - إلى نزعة التوسُّع والاحتلال، فإيران تحتل حالياً إقليم «الأحواز» العربي منذ عام 1924م، وهو إقليم يتركز فيه عرب إيران الذين يتحدثون اللغة العربية، ويبلغ عددهم حوالي 8 ملايين نسمة، علماً بأن مساحة الأحواز كإقليم 324 ألف كيلومتر مربع (يعادل 16 ضعفاً لفلسطين؛ لأن الأخيرة مساحتها 20 ألف كيلومتر مربع؛ يعني إيران تحتل أراضي عربية أكثر بكثير مما تحتله «إسرائيل»)، كما أن إيران تحتل جزر الإمارات العربية المتحدة (أبو موسى، طنب الكبرى، طنب الصغرى) منذ عام 1975م، هذه النزعة في التوسع والاحتلال للأراضي العربية إنما هي نتيجة طبيعية لإحساس إيران بالتفوق العسكري على الجوار العربي.

والعزلة الثقافية التي تشعر بها إيران إزاء جوارها العربي بفعل اختلاف اللغة والدين، يتفرع عنها العديد من المعيقات والمعضلات التي تُسهم في توتير العلاقات بين إيران وجوارها، هذا الاختلاف في اللغة والدين صار يُشكِّل حاضنة عفوية لجهل الجوار العربي؛ لغةً وديناً، كما أنه بات حاضنة لبروز «القومية الفارسية» كهوية ثقافية وكنهج سياسي وإستراتيجي، وبروز «التشيُّع الصفوي» كمعتقد يناقض كُنه «التوحيد الإسلامي» ويعمل على هدمه، ومن يراجع ويتنفّس فضاءات فردوسي في «الشاهنامه» لا يستطيع أن يخطئ الكراهية المَرَضية pathological hate التي يحملها فردوسي الأب الروحي للقومية الفارسية (الشعوبية) للعرب، بل حتى اللغة العربية وعشقه لكل ما هو فارسي والإيغال في ذلك.

هذه المعضلة الإستراتيجية التي تعاني منها إيران (التفوق العسكري، والعزلة الثقافية، والكراهية التاريخية) هي نفسها التي تعاني منها «إسرائيل»، فإحساس وإدراك «إسرائيل» بأنها تتفوق عسكرياً على جوارها العربي حرّضها على التوسُّع والاحتلال والإفراط في استعمال القوة حتى مع العربي المنزوع السلاح، طالباً كان أم مزارعاً أم راعياً للغنم أم أماً ترضع طفلها.

هذا التشابه بين إيران و«إسرائيل» (تفوق عسكري، وعزلة ثقافية، وكراهية تاريخية) يرشح الطرفين للقاء إستراتيجي ضد العدو المشترك (العرب)، وهو ما تعمل على تحقيقه - على نار هادئة للغاية - الولايات المتحدة صاحبة المصالح الحيوية الجسيمة في المنطقة، وهذا ما طرحه «تريتا بارسي» TritaParsi، رجل الأعمال الإيراني حامل الجنسية الأمريكية في كتابه «التحالف الخفيّ» (The Treacherous Alliance)، وقد طبعته جامعة «ييل» Yale ذائعة الصيت، هذا الكتاب الضخم (361 صفحة) عبارة عن خلاصة 130 مقابلة بين «بارسي» (المؤلف) ومجموعة من المسؤولين في الدول الثلاث: الولايات المتحدة، وإيران، و«إسرائيل»، الفكرة المحورية في الكتاب هي أن الجمهورية الإيرانية منذ عام 1979م أخضعت «الأيديولوجيا» للمصالح القومية الإيرانية، ورغم الشعارات العقائدية التي رفعتها الثورة الإيرانية والخطاب الشيعي المتشنج الذي تبثه الجمهورية الإيرانية، يؤكد «بارسي» بناء على لقاءاته مع المسؤولين الإيرانيين أن الهدف الإستراتيجي للجمهورية هو تحقيق المصالح القومية الفارسية العاجلة بغض النظر عن الإعلانات العقائدية للخطاب الرسمي.

استخدام التشيُّع في السياسة:

نحن نعلم أن استخدام التشيُّع في السياسة الخارجية الإيرانية قديم، يعود إلى الدولة الصفوية عام 1501م، لكن نلاحظ أنه بعد سقوط بغداد عام 2003م دخل التشيُّع في عملية إنتاج للسلطة السياسية في العراق، وهذه نقلة تاريخية خطيرة ما كان من الممكن أن تحدث لولا رعاية إيران لها، اللافت في هذا الأمر أن توظيف الشيعة والتشيُّع بشكل فاقع كما حصل ويحصل في مصر والبحرين والمملكة العربية السعودية واليمن كمثال يتحرك أيضاً نحو الصين شرقاً والمحيط الهندي جنوباً والخليج العربي غرباً والقوقاز والبحر المتوسط شمالاً، في هذه «الحوزة» الجغرافية سنلاحظ أن الثقافة الفارسية تحظى بأهمية خاصة، لكن إخضاع الشيعة والتشيُّع لأهداف إيران الجيوستراتيجية من شأنه في نهاية المطاف أن يضر بمصلحة الشيعة، خصوصاً على المدى البعيد، لذلك لا يتردد صبحي الطُّفيلي، الأمين العام السابق لـ«حزب الله» الشيعي أن يقول: إن إيران - في نهاية المطاف - تشكل خطراً على الشيعة والتشيُّع مستقبلاً (مقابلة مع الطفيلي في جريدة «الشرق الأوسط» اللبنانية الصادرة 7/2/2004م).

أن يصدر كلام من هذا العيار ومن شخص بهذا الوزن - شيعياً - لا شك أنه يعكس حالة من القلق داخل الطائفة إزاء هذا التوظيف السياسي الإيراني للشيعة والتشيُّع؛ لتحقيق أهداف جيوستراتيجية لإيران في المنطقة والعالم ليس بالضرورة تكون لصالح الطائفة على المدى البعيد، إذ من المعلوم ألا يكون النظام الإيراني الحالي دائم الوجود قياساً بديمومة واستمرارية الطائفة، ومن المحتمل في عالم السياسة أن يسقط أي نظام سياسي وتسقط معه كل المرئيات الجيوستراتيجية التي رافقت وجوده (كما حصل في العديد من البلدان مثل الاتحاد السوفييتي الذي انهار عام 1992م وتحول إلى 25 جمهورية)، فماذا ستفعل الطائفة حال سقوط النظام الحالي في إيران الذي ربط الطائفة ربطاً وثيقاً بمرئياته الجيوستراتيجية، وما يتفرع عنها من مؤسسات وآليات عمل وقيادة وسيطرة إيرانية مباشرة؟ أحسب أن فوضى مدمّرة ستشيع داخل الطائفة، وأحسب أن هذا ما كان يقصده الطفيلي عندما أكد أن إيران تشكِّل خطراً مباشراً على مستقبل الشيعة في المنطقة.

خديعة إيران

في الجوهر، وخاصة في مجال السياسة الخارجية، لا فرق بين «دولة الشاه» و«دولة خميني»، الإستراتيجية واحدة: قومية فارسية، توسُّع، هيمنة، فرق واحد فقط هو أن «خميني» أضاف العامل الأيديولوجي الطائفي الشيعي إلى الإستراتيجية الإيرانية، فأمدّها بزخم معنوي لن يلبث طويلاً من جهة تاريخية، سيخبو قريباً، فلا إيران تطيق ذلك، ولا الطائفة تتحمل ذلك، خاصة كونها أقلية في بحر سُني متلاطم حولها.

وبالرغم من الخطاب الإعلامي المتشنج ضد الولايات المتحدة و«إسرائيل» منذ عام 1979م، فإن المتتبّع للاتصالات الإيرانية في ظل النظام الجديد إثر الثورة مع الولايات المتحدة و«إسرائيل» يتوصل إلى محاصيل سياسية تفيد بأن إيران حريصة على العلاقة بالطرفين.

ولعل المقترح الإيراني الشامل (The Grand Deal) الذي طرحه الإيرانيون عشية الاحتلال الأمريكي للعراق عام 2003م يكشف حقيقة الموقف الإيراني من الولايات المتحدة و«إسرائيل»، يقول المقترح: إن الصفقة التي نعرض تتضمن البنود التالية:

أولاً: تعترف إيران أن «أسلحة الدمار الشامل» و«مسألة الإرهاب» قضيتان مهمتان بالنسبة لها، وأنها على استعداد للتفاوض عليها.

ثانياً: تعمل إيران على وقف دعم «حماس» و«الجهاد الإسلامي» في صراعهما مع «إسرائيل»، والضغط على المجموعتين لكي توقفا هجماتهما على «إسرائيل».

ثالثاً: دعم إيران لعملية نزع سلاح «حزب الله» وتحويله إلى حزب سياسي.

رابعاً: فتح البرنامج النووي الإيراني بالكامل أمام عمليات تفتيش دولية غير مقيدة؛ من أجل إزالة أي مخاوف من برنامج التسلح الإيراني.

خامساً: لا مانع لدى إيران من التوقيع على البروتوكول الإضافي بمعاهدة عدم الانتشار (NPT)، وأن إيران مستعدة للمشاركة الكثيفة في البرنامج كضمانة إضافية في موضوع الإرهاب.

سادساً: تتعاون إيران بصورة كاملة لمواجهة كافة المنظمات الإرهابية وأهمها «القاعدة».

سابعاً: اعتراف إيران رسمياً بالحل القائم على دولتين؛ فلسطينية و«إسرائيلية».

ثامناً: تعمل إيران بنشاط مع الولايات المتحدة على دعم الاستقرار السياسي، وإقامة مؤسسات ديمقراطية، وتشكيل حكومة غير دينية في العراق.

مقابل ذلك؛ تطلب إيران من الولايات المتحدة و«إسرائيل» أن تعترفا بشرعية النفوذ الإيراني في الشرق الأوسط، (والنفوذ يعني ممارسة كل أشكال السياسات التي تحقق أهداف إيران في المنطقة، وفق قاعدة التوافق مع الولايات المتحدة)، ولكن عندما عرضت إيران المقترح على الولايات المتحدة أدركت الأخيرة أن إيران متهافتة على التفاهم، وبسرعة فتثاقلت إدارة «بوش» الابن على قبولها، خاصة بند «الاعتراف بشرعية النفوذ الإيراني»؛ لما يترتب عليه من التزامات أمريكية تجاه إيران، لكن الصفقة الشاملة كشفت إيران، وأصبح الأمريكيون يتعاملون معها على ضوء ما كشفت، واطمأنت «إسرائيل» أن خط التفاهم مع إيران بات مفتوحاً على مصراعيه؛ لذلك لا تبدي قلقاً من الوجود العسكري الإيراني الحالي في سورية.

عدد المشاهدات 5642 آخر تعديل على السبت, 11 أكتوبر 2014 12:24
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top