أوراقنا المتساقطة! (قصة قصيرة)

16:59 10 يوليو 2019 الكاتب :   إيمان مغازي الشرقاوي (*)

 

نظرت من نافذة غرفتها المطلة على الشارع القريب من بيتها، فهالها ما رأت.. لقد تعرّت معظم الأشجار المحيطة به من أوراقها تَعَرياً شبه كامل، وتساقطت الأوراق على الأرض.. تمنّت لو كان بوسعها أن تُرجِع هذه الأوراق المتساقطة إلى أمّها الشجرة، لكن هيهات هيهات.. إنه أمر مستحيل، أن يرجع اللبن إلى الضرع بعد خروجه، هذا مُحال!

 

نظرت إلى تلك الأوراق المتساقطة على الأرض فرأتها صفراء ذابلة بعد أن فُصِلتْ عن جذورها وفروعها فذبلت واصفرت ونُزِعَتْ منها الحياة.. ونظرت إلى الشجرة الأمّ فرأتها تحتضن بعض الأوراق الصفراء الصغيرة التي تدلّت وأوشكت أن تقع هي الأخرى لتلحق بمن سبقها من أخواتها!

قرأت في عيون تلك الشجرة الكثير من الكلمات التي لو كانت تتكلم لنطقت بها، ورأت في هذه الأوراق وهي تتناثر وتتطاير فتذروها الرياح قصة الحياة التي تتكرر، ودورتها التي تتتابع، وكثير من الناس عنها في غفلة ولهْو وإعراض، رغم أنها تحاكي حالهم وتسرد أحداثهم!

(وَكَأَيِّن مِّن آيَةٍ فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ يَمُرُّونَ عَلَيْهَا وَهُمْ عَنْهَا مُعْرِضُونَ {105}) (يوسف).

رأت في ذلك معجزة الخَلق تتكرر أمامها وتعلن عن نفسها كل موسم من مواسم العام، وقَلّ من يتذكر؛ (وَمَا يَتَذَكَّرُ إِلَّا مَن يُنِيبُ {13}) (غافر).

إن هذه الشجرة المُعَرَّاة من أولادها الأوراق، ترصدها حين تخرج من بيتها أو تدخل فيه، وكأنها تحاكيها وتنصحها وتدعوها لأخذ العبرة وفهم الدرس وتطبيقه، فلقد كانت بالأمس القريب في ربيع عمرها تزهر بالجمال وتتألق بالحيوية والأوراق النضرة البهية، كانت تثمر ثمراً شهياً يتداخل مع أوراق ربيعها فيزيده جمالاً على جماله، كانت تتمايل فَرْحَى بما تحمل، وتتخايل على قريناتها من الأشجار حولها ممن لم يقدّر الله لها الإثمار، فأين لذة الأمس التي ذاقتها؟ لقد ذهبت مع أوراق الأشجار التي تساقطت، وطارت معها حين طارت، واختفت وبَلِيتْ معها حين تعانقت مع تراب الأرض الذي ضمها، فأين زخرفها الذي غرّها وكاد أن يهلكها؟ لقد صار كأن لم يكن!

تذكّرت مع الأوراق المتساقطة تساقُط أيام عمرها هي الأخرى يوماً بعد يوم وساعة وراء ساعة ودقيقة تلو دقيقة، تماماً كتلك الشجرة العارية، وشعرت في قرارة نفسها أنها عما قريب ستَسقُط كلُّ أوراق شجرةِ عمرِها، ففزعت من مجرد التفكير في هذا الأمر، ورجعت بذاكرتها إلى الوراء حين كانت كهذه الشجرة قبل ذبولها.

أسرعت بطريقة لا إرادية إلى المرآة المعلقة على الحائط ونظرت إلى وجهها المطل عليها منها فرأت آثار سقوط أوراق أيامها وأعوامها تبدو على وجهها بلا استحياء، يا الله! إنها الآن تشبه هذه الشجرة إلى حد كبير! فدنيا حياتها مهددة بالزوال، وساعات عمرها تتساقط تباعاً، ولأول مرة تعيش بصدق مع قول ربها عز وجل: (اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفَاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكَاثُرٌ فِي الْأَمْوَالِ وَالْأَوْلَادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَبَاتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَرَاهُ مُصْفَرّاً ثُمَّ يَكُونُ حُطَاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِّنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٌ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ {20}) (الحديد)، فرأت في ذلك صورة الشجرة العارية، ونفسها التي تفلّت منها الزمن وتعرّت من أوراقه، فرددت قول الله عز وجل: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ {20}).

تمنَّت أن تخرج من ذنوبها كما خرجت الأوراق المتساقطة من شجرتها، وأن تتعرّى من كل شهوة مهلكة، وتلقي بكل خلق سيئ بعيداً عنها، وعن نفسها الأمارة بالسوء.

وفي غمرة تأملها وهي تتفكر، ومع استغراق فِكرها وهي تتأمل، وبينما هي في حال الشجرة تخوض بعقلها وقلبها، دخل عليها ولدها ممسكاً المصحف الشريف يطلب منها أن تُقرئه وِرده، فأطل عليها فيه تفتُّحُ الربيعِ ليَذهب بوحشة الخريف التي أحستها، ورأت فيه امتداداً لربيع عمرها وإن قصر، وتواصُلاً لحسن عملها وإن انقطع، وزينة حياتها الدنيا وإن تساقطت أوراق عمرها، رأت الربيع يمشي على قدميه تجاه قلبها المفعم بحب الولد يبث فيه الأمل بصلاح الذرية وطول العمر وحسن العمل، فأشرق قلبها وابتهج.

لكنها مع تلك اللحظات القصيرة التي عاشتها مع الأوراق المتساقطة قضت رحلة تفكُّر إيمانية خرجت منها بنيّة استصحاب الأعمال التي تسقط معها الذنوب والخطايا مع سقوط أوراق العمر، وضرورة تربية الولد على الصلاح ليكون لها عمراً آخر، وترك الأثر الطيب والذِّكر الحسن في دنيا البشر؛ «فالذِّكر للإنسان عُمْر ثاني!».

_____________________________________________________

(*) ليسانس شريعة -  ماجستير الدعوة ـ  جامعة المدينة العالمية

عدد المشاهدات 577

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top