قراءة في مجموعة "تلك التفاصيل" لـ حسن الحازمي (1 ـ 2)

17:01 31 يوليو 2019 الكاتب :   أ.د. حلمي محمد القاعود (*)

المجموعة القصصية تصور بيئة محلية لها خصائص متميزة من خلال شخصيات مثالية تحلم بالعزلة والموت! 

هو شاعر إلى جانب كونه كاتب قصة قصيرة وينوع في إنتاجه الأدبي ويصدر المجموعة الشعرية والقصصية 

منطقة جازان الأكثر حضوراً في القصص التسع التي تضمها المجموعة بما فيها من لهجة وعادات وقيم 

حين يصور له الوهم أنه أوشك على تحقيق حلمه يقدم لنا صورة نباتية تشير إلى الزرع والحصاد 

لغة السرد تقدم لوناً جيداً من ألوان القصص نفتقده في كثير من النماذج المنهمرة علينا كالمطر



حسن حجاب الحازمي، من الأدباء الجادين المتميزين (ولد عام 1965م بمنطقة جازان-ضمد جنوب السعودية)، وقد تابعت مسيرته الأدبية والعلمية منذ زمان بعيد بحكم عملي في منطقة مولده، ومعرفتي بأبيه، وأدباء جازان على عهد الشاعر الكبير الراحل محمد بن علي السنوسي (1924 - 1987م)، وهي معرفة استمرت حتى اليوم.
كان طالباً فائقاً، وتخرج في جامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية، وعين معيداً بكلية المعلمين بالرياض، حيث تزاملنا معاً، وحصل على الماجستير ثم الدكتوراه من كلية اللغة العربية بالرياض، في موضوع الرواية السعودية، وبحثه للدكتوراه عن البناء الروائي للرواية في السعودية يعد من أفضل البحوث في هذا المجال.
حسن حجاب الحازمي شاعر إلى جانب كونه كاتب قصة قصيرة، وكنت أرجح أن يكون الشعر هو فنه الأول، ولكنه ينوّع في إنتاجه الأدبي، ويصدر المجموعة الشعرية والمجموعة القصصية، وقد حصل على العديد من الجوائز من جهات أدبية وثقافية، وحقق في بعض المسابقات المركز الأول، وهو في كل الأحوال قارئ جيد، ويقتني الكتب بصورة لافتة، وما يكاد يزور القاهرة مثلاً حتى يحطّ على معرض الكتاب الدولي، أو المكتبات في خارجه، وتكون حقائبه أو متاعه الذي يعود به من القاهرة عبارة عن كتب في مختلف التخصصات الأدبية والمعرفية.
وقد منحته القراءة فرصة أفضل لتوسيع دائرة الرؤية الفكرية والإنسانية والفنية، بالإضافة إلى إضاءة لغته وتزويدها بشحنات شاعرية وتصويرية تبرز رؤيته وتجسمها.
ومع أن ارتباطه بالعمل الإداري في الجامعة عميداً ووكيلاً ومسؤولاً في أكثر من موقع علمي وأدبي استنفد جزءاً كبيراً من وقته وطاقته؛ فقد كان يستفيد من فرص التفرغ التي يتيحها النظام الجامعي أحياناً في السفر إلى عواصم عربية وأجنبية، وزيارة المكتبات، والاطلاع على خبرات ثقافية وإنسانية جديدة تثري تجربته ومعارفه.
وفي خضم انشغالاته الإدارية أو العملية، أتيح له أن ينشر بعض الكتب الأدبية الوصفية والإنشائية، فهناك ثلاث مجموعات قصصية، هي: «ذاكرة الدقائق الأخيرة»، «تلك التفاصيل»، «أضغاث أحلام»، وهناك مجموعة شعرية بعنوان «وردة في فم الحزن»، وهناك دراستان نقديتان: «البطل في الرواية السعودية»، و"البناء الفني في الرواية السعودية"، بالإضافة إلى «معجم الإبداع الأدبي» (الرواية) في المملكة العربية السعودية بالاشتراك مع خالد اليوسف.


البداية من جازان
آثرتُ أن أسجل هذه المقدمة ليتعرف القارئ في الوطن العربي على كاتب مجموعة «تلك التفاصيل» القصصية (ط3، دار النابغة، طنطا/ مصر، 1438هـ/ 2016م)، وهي مجموعة ذات خصوصية محلية، وتقدم -ربما لأول مرة- عبر الفن القصصي ملامح لغوية واجتماعية وثقافية لبيئة تختلف إلى حد ما عن بيئات عربية أخرى.
صحيح أن الأحداث تنتقل أحياناً من منطقة جازان (جيزان) إلى الرياض؛ وحيّ منفوحة تحديداً، وتتجاوز السعودية إلى العالم العربي؛ فتقدم القاهرة في مرحلة من المراحل القلقة، ولكنْ تبقى منطقة جازان هي الأكثر حضوراً في القصص التسع التي تضمها المجموعة بما فيها من لهجة وعادات وتقاليد وقيم وأخلاق ومعتقدات وتراث من الماضي يتمسك به الرجال والنساء، حيث تتيح للشخصية الأساسية والشخصيات المساعدة التفاعل والحركة وتصاعد الأحداث وصنع الخواتيم.
وقد أنتج هذا التفاعل الذي صنعته البيئة القصصية لغة شاعرية رقيقة عبرت عن أحوال الشخصيات الداخلية والخارجية، بدءاً من عناوين القصص ودلالاتها على الهزيمة العاطفية والنفسية والعيش في الأوهام والأحلام المجهضة؛ حتى تصل عمق السرد وبناء الهيكل العام للقصص، ولأن المؤلف شاعر فقد توج سرده بصور شعرية جميلة نلاحظها على امتداد المجموعة.


الغزالة الضالة
فها هو حين يشبه من يتخيلها حبيبته بالغزالة «الضالة التي أبحث عنها طول عمري» (ص9)، يقترب من مصطلحات بعض الزهاد.
وحين يصور له الوهم أنه أوشك على تحقيق حلمه، يقدم لنا صورة نباتية تشير إلى الزرع والحصاد؛ «ها هي التجربة المثمرة تمد عناقيدها ولم يبق إلا أن أنطلق بسرعة لأقطفها قبل أن يقطفها غيري» (ص12).
وعندما تفشل خطته في الوصول إلى غايته ينطلق إلى تصوير أحاسيسه وإخفاقاته من خلال تفاصيل يومية معاصرة ذات صبغة إعلامية: «فقد يظن أحدهم أنني أنظم مظاهرة، وعندها سوف أحلم بنافذة أطل منها ولا أجد، وقد تلتقطني «السي إن إن» ويتندرون بي في كل تلفزيونات العالم، وقد يلحظني –وهذا هو المهم- أبوها أو أخوها، وساعتها لا أستطيع التنبؤ بما سيحدث» (ص10).
وفي سلسلة إخفاقاته وأحلامه المجهضة يستخدم لنفسه كنية «أبو رعد» حتى قبل أن يتزوج، ويؤكد ذلك: «أنت لست كسولاً ولا خاملاً، أنت دائم المحاولة، دائم الفشل» (ص11)، «آه يا رعد نسيتك في زحمة المشاوير، فمتى ستجيء وأمك لم تولد في مخيلة أبيك بعد؟» (ص11).
وحين يعتزم السفر إلى الخارج يصور أفكاره المشتتة من خلال التشبيه؛ «كان السفر مجرد فكرة عبرت كغيمة لا أدري كيف استوقفتها واستمطرتها سيلاً من الهواجس والأفكار والرؤى أغرقتني وحفرت داخلي نفقاً لم أعد أدري كيف أردمه» (ص41).


هنا القاهرة
في زيارته لمدينة القاهرة التي لم يصرح باسمها، يعيش أوجاعها ويذوق معاناتها؛ فيصف ميدان التحرير في المدينة القاسية وهو يكتظ بالبشر والسيارات: «كل شيء في هذا الميدان يعلمك الصبر: صخب الحافلات، غبار الشتائم، هدير الأبواق، صهيل الحزن، همهمة التوسلات التي تنهال عليك من كل النوافذ، وجع الصمت الذي لا تجد غيره وسيلة للإجابة، وحصار الحر الخانق في هذه السيارة الخانقة؛ في هذا الشارع المختنق» (ص50).
وفي القاهرة التي لم يصرح باسمها يعبر عن حزنه وندمه بعد أن اكتشف أن العجوز الخادمة وابنتها صفاء الجامعية ليستا كبقية من قابلهم أو احتك بهم، وكانتا مثالاً للانتهازية والاستغلال؛ «كحزن اليتيم كان حزني، كندم من أفطر في نهار رمضان، وكان بإمكانه أن يواصل كان ندمي، ككره القاتل لنفسه كان كرهي لنفسي..» (ص54).
ويصور إحساسه المفاجئ بالموت من خلال تشخيص المجردات والجمادات: «كل شيء حولي بدا متكئاً على أحزانه ويبكيني: مكتبتي المتربة، الكتب التي قرأتها، الكتب التي لم أقرأها، أوراقي المبعثرة على المكتب، الصحف المتراكمة التي أرجأت قراءتها، سرب الكلمات المحلقة في سماء الغرفة تنتظر لحظة استمطاري، الرواية التي كنت أقرأها قبل أن أخرج لأموت، طفلي المشاكس الذي سينهض من نومه ولا يجدني..» (ص81).
أو يضخم الصور المشخصة ويبالغ فيها ليكشف عمق الشعور الذي يعاني منه؛ «.. بحيرة دمع تتسرب رويداً رويداً من حجرة نومنا لتغرق الصالة وكل أرجاء المنزل.
خرجت من المكتبة رافعاً طرفي ثوبي كي لا يبتل في بحيرة الدمع..
فرّ الدمع بعيداً، رأيته وهو يخرج من النافذة، واستسلمت لحصار الموت» (ص82).
وصورة الدمع بعد تشخيصها تبدو طريفة وجديدة وهو يفر ويخرج من النافذة، ويترتب عليها استسلام السارد البطل لفكرة الموت وسطوتها.

لغة السرد الشاعرة
لا ريب أن لغة السرد وهي ترقى إلى مرتبة الشعر في بعض المواضع تقدم لوناً جيداً من ألوان القصص نفتقده في كثير من النماذج التي تنهمر علينا كالمطر في السنوات الأخيرة دون عمق فكري، أو صياغة أدبية أصيلة.
بيد أن حرص الكاتب فيما يبدو على تقديم البيئة المحلية جعله يستخدم اللهجة السائدة هناك، من خلال بعض الجمل والعبارات التي قد يخفى معناها أو دلالتها على القراء الذين يعيشون خارج البيئة القصصية للأحداث.
فهناك مثلاً كلمات يتم نطقها مثل لغة حمير التي أشار إليها النبي صلى الله عليه وسلم في حديثه الشهير: « لَيْسَ مِنْ ‏امْبِرِّ ‏امْصِيَامُ فِي ‏امْسَفَرِ”، بدلاً من: “ليس من البر الصيام في السفر”.
وقد سمعت الناس في منطقة جازان ينطقون أداة التعريف “ام” بدلاً من “ال”، وفي قصة الصورة تجد استخدام هذه اللهجة في العديد من المواضع، وخاصة في قصة “الصورة”: “الليلة امشهرة”، بدلاً “من الليلة الشهرة” (ص18)، “كيف امختان؟”، “كيف الختان” (ص19).
وقد تأتي بعض أبيات الشعر باللهجة المحلية فلا يفهمها إلا من عاش معها، مثل البيت التالي (ص21):
يا ذا المعلّى في شوك الشنب
يا ذا المعلى كأنه يضرب في خشب
وتقول الأم عن ابنها المختون: “علي رجل ولد رجل مهو اللي يرمشون” (ص23)، وتقصد أن علياً رجل، وهو من الذين لا يرمشون؛ أي لا تتحرك رموش أعينهم عند الخطر أو الفزع.

____________________________

(*) أستاذ الأدب والنقد.

عدد المشاهدات 510

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top