د. زيد الرماني

د. زيد الرماني

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

إن النساء اليوم تحرك الاقتصاد العالمي، فعلى مستوى العالم، يبلغ ما تنفقه النساء 20 تريليون دولار من مجموع الإنفاق الاستهلاكي، ويمكن أن يرتفع هذا الرقم إلى 28 تريليوناً في السنوات الخمس المقبلة، كما سترتفع دخولهن السنوية من 13 تريليون دولار إلى 18 تريليوناً في الفترة نفسها.

وبالمجموع تشكل النساء سوقاً متنامية تفوق بحجمها سوقي الصين والهند مجتمعين، بمقدار الضعف في الواقع، وعلى ضوء هذه الأرقام لا ينبغي تجاهل قطاع الاستهلاك النسائي أو التقليل من أهميته، ومع ذلك فإن الكثير من المؤسسات تفعل هذا، حتى تلك الواثقة من أن لديها إستراتيجية ناجعة حول عملائها من النساء.

إن أمام معظم المؤسسات الكثير لتتعلمه حول كيفية تقديم خدماتها إلى النساء، لقد أجريت دراسة ميدانية شاملة حول نظرة النساء إلى عملهن وحياتهن الشخصية، ومدى تلبية القطاع الخاص لمتطلباتهن، وقد تبين أنه لا تزال ثمة فسحة كبيرة للتطوير والتحسين.

وقد شارك في الدراسة أكثر من 12 ألف امرأة من أكثر من أربعين منطقة جغرافية وفئات مختلفة من الدخل ومجالات الحياة، وقد أجبن - بصراحة بالغة في أغلب الحالات – عن 120 سؤالاً حول تحصيلهن الدراسي وأوضاعهن المالية، ومساكنهن ومقتنياتهن، وأعمالهن وحياتهن المهنية، ونشاطاتهن واهتماماتهن، وعلاقاتهن، وآمالهن ومخاوفهن، بالإضافة إلى سلوكهن التسوقي وأنماط إنفاقهن في نحو ثلاثين فئة من المنتجات والخدمات.

وقد خلصت الدراسة إلى الآتي: تشعر النساء بأنهن لسن محل اهتمام كبير فيما يقدم لهن من خدمات، إذ على الرغم مما حققنه من قفزات لافتة في القوة السوقية والمركز الاجتماعي في القرن الماضي، إلا أنهن لا يزلن يُبخس قدرهن في أسواق السلع والخدمات، ويحصلن على أقل مما يستحققن في سوق العمل، كما أن وقتهن تتنازعه متطلبات كثيرة، وهن دائماً رهينات التشتت بين الأولويات المتضاربة (العمل والمنزل والأسرة).

إن قلة من المؤسسات استجابت لحاجتهن إلى حلول توفر وقتهن أو بطرح منتجات وخدمات مصممة خصيصاً لهن، ولا يزال من الصعب على النساء العثور على الملابس، أو شراء وجبة صحية، أو طلب المشورة المالية دون الشعور بأنهن تحت الوصاية، أو استغلال الوقت للحفاظ على مظهرهن، ومع أن النساء يمسكن بزمام الإنفاق في معظم فئات سلع الاستهلاك، إلا أن الكثير من الشركات المنتجة لهذه السلع تتجاهل هذه الحقيقة، ولا تزال المؤسسات تقدم لهن منتجات وخدمات دون المعايير المتوقعة، وتتبع في ذلك لغة تسويقية ولى زمنها، تروج للقالب النمطي الأنثوي.

لقد وصف ثلثا المشاركات في الدراسة المسحية أنفسهن بأنهن زائدات الوزن، وما كان إلى فترة قريبة شأناً داخليا، بات الآن ظاهرة عالمية.

وقد تسنى للعديد من الشركات الرائدة في حقل مستحضرات التجميل أن توظف بصورة جذابة التقنيات الجديدة لتلبية رغبة النساء في أن يظهرن أكثر شباباً، إن منتجات الرعاية ببشرة الوجه، على سبيل المثال، قد تحولت إلى شريحة سوقية مستقلة تقدر قيمتها بعشرين مليار دولار على مستوى العالم، وكانت التكلفة المرتفعة للملابس من الإشكاليات الأخرى التي اعترضت النساء حسب المسح الذي أجري.

يقول مايكل جيه: تمثل النساء – إذا ما نظرنا إليهن بالمجموع، أي كسوق تجاري واحدة – فرصة أعظم مما يمثلها سوقا الصين والهند معاً، وبالتالي، لماذا لا تلقى المرأة الاهتمام اللازم من قبل القطاع الخاص؟

ختاماً يمكن القول: إن النساء هن العملاء، وليس ثمة سبب يدعو لاختيار المنتجات التي تتجاهل متطلباتهن أو تخفق في تلبيتها، كما أن فهم متطلبات النساء وتلبيتها سيكون خطوة أساسية نحو إعادة بناء الاقتصاد.

السبت, 16 يناير 2016 11:03

الإرهاب الإلكتروني!

إن ضريبة التقدم لم تكن يوماً منخفضة ورخيصة، ولكن ضريبة التخلف عن مواكبته والارتقاء إلى مستوى المسؤولية التي تترتب عليها كانت على الدوام أشد وطأة وأغلى كلفة بكثير، لقد حصل ذلك في كل محطة من محطات التطور العلمي.

مرت ذكرى أكثر من أربعين عاماً لانطلاقة اختراع "الإنترنت" من دون اهتمام يتناسب وذلك الحدث، والمفارقة أن سبب ذلك النسيان والكلام هنا للأستاذ بدر سيد الرفاعي، رئيس تحرير مجلة "الثقافة العالمية"، يكاد يكون الإنترنت نفسها، أي: شدة انهماك مئات ملايين المستخدمين فيها إلى درجة الغفلة عن ذكرى تأسيسها، وهي التي باتت منذ سنوات غير طويلة أهم ميزة للعالم واقتصاداته وعاداته وثقافاته التي تأثرت بها بدرجة هائلة يستحيل تحديدها أو رسم ملامحها بدقة، سواء تعلق الأمر بالآثار التي وقعت حتى تاريخه أو التي ستقع في المستقبل.

ويضيف د. الرفاعي: ولا ندري إذا كان من حسن أو سوء طالع البشرية أن تصبح التكنولوجيا هي المتحكمة في وقت الناس ونمط حياتهم وإنتاجهم، وهي التي باتت تسبق الإنسان الذي ابتكرها فأصبح عليه هو اللحاق بها - وأحياناً الخوف منها - حتى يكاد ينسى كيف وإلى أين ولمصلحة وخير من؟

ومن المفارقات أن اختراع الإنترنت، الذي كان في أولى خطواته عبارة عن ابتكار "برنامج" لنقل وتحويل الملفات بين أجهزة الكمبيوتر، قد بدأ في دهاليز ومراكز أبحاث وزارة الدفاع الأمريكية (البنتاجون)، وأن هذه الأجهزة والمراكز أصبحت وما زالت هدفاً مغرياً لهجمات قراصنة الإنترنت ووحدات الإرهاب الإلكتروني.

فمن اخترع الإنترنت لم يكن يتصور يوماً أن يكون الإنترنت أكبر وسيلة اتصال للإرهاب الذي غير الولايات المتحدة.. وغير معها العالم.

والمزعج في التطور التقني أنه يحمل معه في كل مرة سلاحاً جديداً لصرفه عن أهداف التقدم والخير، وربما الذهاب به بعيداً لخدمة الشر وحتى الإجرام، وهو ما يصح أكثر من ما يصح اليوم على الإجرام الإلكتروني وأشكاله التي تبدأ من "هاكرز" أو قراصنة الكمبيوتر، إلى عمليات النصب "الذكي" للحسابات المالية للمصارف، إلى عمليات الابتزاز والاحتيال التقليدي التي تستخدم الإنترنت للسطو على بعض أموال بعض المستخدمين، وصولاً إلى الأجهزة الحاسوبية التي يحكى أنها تحمل منذ لحظة بيعها ووصولها إلى المشترين مفتاحاً خاصاً للتحكم فيها بعد بدء استخدامها لغايات معينة.

لقد أصبحت المعلوماتية الإلكترونية في عالم اليوم من أخطر الأسلحة إن لم يكن أخطرها على الإطلاق، فالأمر لم يعد يقتصر على الإجرام الإلكتروني، بل إنه يمتد إلى التأثير في العلاقات بين الدول، لاسيما تلك التي تعيش نوعاً مما يمكن أن يُسمَّى "السلام البارد"، وهو بالتأكيد بدأ استخدامه منذ سنوات في الحروب وسوف يكون في المستقبل العامل الأكثر حسماً.

وما لا يقل تعقيداً وأهمية عن دور المعلوماتية الإلكترونية في الحروب هو دراسة جوانب وآثار استخدامها وتقنين استعمالها وعدم استعمالها في السلم، بهدف تطوير الجوانب القانونية والاقتصادية والمصرفية.

 إذ يظهر أن العالم قاطبة، وعلى الرغم من التفاوت بين الدول، يعاني ثغرات وفجوات هائلة على الصعيدين التنظيمي والتشريعي، بل هو يبدو أقرب إلى التجريب، لكنها تجربة معقدة وغنية، ومطلوب من الجميع المشاركة فيها وتحديد مسؤولية كل طرف قبل أن يضع "الكبار" وحدهم ما يصح تسميته "نظام إنترنت عالمي" في غفلة عن الفقراء والضعفاء و"المتخلفين" علمياً وتشريعاً، خصوصاً أن هناك كثيرين يحاولون الآن الإيحاء بأن تهديدات الإرهاب الإلكترونية على سبيل المثال هي بشكل ما أزمة حضارات أو حرب تستهدف الغرب.

الأحد, 10 يناير 2016 07:59

التنبؤات الديموجرافية!

في الحقيقة، إن عدد السكان في عملاق العالم السكاني الحالي سيتقلص، وما الصين إلا مثال واحد على الانهيار الشامل في معدلات الإنجاب الذي يحدث عبر معظم بلدان العالم النامي، بما في ذلك الكثير من دول آسيا وأمريكا اللاتينية والشرق الأوسط، والاستثناء الواضح الوحيد هو أفريقيا جنوب الصحراء، التي ستصبح مع نهاية القرن موطناً لثلث الجنس البشري.

في مجتمع تنجب فيه المرأة 2.1 طفل في المتوسط على مدى حياتها، والذي يُدعى خصوبة "مستوى الإحلال" replacement level، يبقى تعداد السكان ثابتاً، وعندما يقوم المختصون بعلم السكان بتعديلات بالغة الصغر على تخمينات معدلات الخصوبة المستقبلية، يمكن أن تتأرجح تقديرات تعداد السكان على نحو مفرط، فالسيناريوهات الجديرة بالتصديق للأربعين سنة المقبلة تظهر تناقصاً في تعداد سكان العالم إلى 8 مليارات إنسان أو نمواً إلى 10.5 مليار إنسان.

وهناك تقدير حديث للأمم المتحدة يفترض بدلاً من ذلك، وبشكل جريء، هبوطاً في معدل الخصوبة العالمية إلى 2.02 بحلول العام 2050م، وفي النهاية إلى 1.85، مع بدء تعداد سكان العالم بالتناقص مع حلول نهاية هذا القرن.

على الرغم من مجاهيلها المتعددة، فإن التنبؤات الديموجرافية أصبحت أداة مهمة، إذ تعتمد الحكومات والوكالات الدولية والشركات الخاصة عليها في إستراتيجية التخطيط، وفي القيام باستثمارات طويلة الأجل، فهي تسعى إلى تقدير أشياء من نوع عدد المتقاعدين، وتكاليف الرعاية الصحية، وحجم قوة العمل لسنوات عديدة في المستقبل.

لكن العمل الإحصائي التفصيلي، الذي يقوم به المختصون بعلم السكان، يميل لأن يتسرب للجمهور العام على نحو فجّ، وسرعان ما تصبح عناوين أخبار الإثارة هي الحكمة الشائعة.

يقول مارتن وولكر: لقد حدث تطور دراماتيكي على معدلات الإنجاب في العالم، ففي تحدٍّ لتنبؤات التراجع الديموجرافي، بدأ الأوروبيون الشماليون بإنجاب المزيد من الأطفال، وتتوقع كل من بريطانيا وفرنسا الآن نمواً سكانياً ثابتاً ينطلق بلا توقف حتى منتصف القرن، كما أن التوجهات في أمريكا الشمالية تشبه مثيلاتها الأوروبية، وبناءً على تقديرات الأمم المتحدة، يحتمل أن يتساوى عدد المواليد في أمريكا مع عدد المواليد في الصين بحلول العام 2050م.

ختاماً يمكن القول: لقد تغير العالم، وهنالك تغير أكثر وأسرع قادم في الطريق.

الإثنين, 04 يناير 2016 17:35

الصناعات الإبداعية!

لقد قيل: إنَّ الإبداع هو الذي سيقود التغيير الاجتماعي والاقتصادي خلال هذا القرن؛ لذا، يرى جون هوكنز، مؤلف كتاب "الاقتصاد الخلاّق"، أنَّ التفكير في مجتمع المعلومات غير كافٍ على الإطلاق، ويرى أن عصر المعلومات بدأ بالفعل يفسح الطريق أمام شيء أكثر تحديّاً.

يقول هوكنز: لو كنت معلومة بسيطة لفاخرت بالعيش في مجتمع معلومات، لكن بوصفي كائناً مفكراً ومبدعاً، فأنا أتطلع إلى شيء أفضل، إننا نحتاج إلى المعلومات، لكننا نحتاج أيضاً إلى أن نكون نشطين ومهرة ومثابرين لاختبار هذه المعلومات، نحتاج إلى أن نكون أصلاء في تفكيرنا بكلمة واحدة أن نكون مبدعين.

لقد أصبحت الصناعات الإبداعية عنصراً مهماً في تكوين الاقتصادات المتقدمة، ففي عام واحد قُدِّر صافي عائدات صناعات حقوق النشر الأمريكية بـ790 بليون دولار، وهو ما يعادل 8% من إجمالي الناتج القومي الإجمالي، وهذا يفوق إسهام الصناعات الكيميائية والسيارات والطائرات وقطاع الزراعة.

وفي بريطانيا قُدِّرت عائدات الصناعات الإبداعية في عام واحد بـ113 بليون جنيه إسترليني، شكَّلت 5% من الناتج القومي الإجمالي.

وبالإضافة إلى النسب المئوية والنمو، تعود أهمية الصناعات الإبداعية إلى دورها المتوقع كموِّجه للمعرفة الاقتصادية وميسِّر للصناعات والخدمات الأخرى، عبر تزويدها، على سبيل المثال، بالمحتوى الرقمي الذي يُترجم مباشر إلى ميزة تنافسية وطاقة إبداع لقطاعات الاقتصاد الأخرى، وكذلك عبر احتضان رأس المال الإبداعي والعاملين الإبداعيين عموماً.

ومن هنا يرى جون هارتلي أنَّ أثر الصناعات الإبداعية لا يقف عند حد اجتذاب أساتذة وعلماء تميّزوا فيما سبق بضعف أنشطتهم الاستثمارية وبالعديد من أشكال التبعية الاجتماعية، فهي تضم نسبة كبيرة من المشروعات الصغيرة والمتوسطة إلى جانب بعض من أكبر الماركات العالمية.

إنَّ الصناعات الإبداعية ليست مجرد شبّان طامحين وشركات رأسمالية عملاقة، إنها بحاجة إلى مزيج جديد من الشراكة العامة والخاصة.

وفي سياق كهذا، لا تقتصر قيمة الصناعات الإبداعية على النشاط الاقتصادي، وإنما تمتد كذلك إلى أرقى أشكال التنمية في العالم.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top