سالم الفلاحات

سالم الفلاحات

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
السبت, 09 ديسمبر 2017 12:57

الخط العربي الأحمر!

معاذ الله أن أدعو إلى الصمت والاستسلام، إنما خشيتي أن تكون الثورة العربية (الرسمية) هي لتمرير الصفقة (دون قصد) وبأقل الخسائر.

لكنني لن أسمح لنفسي بأن أكذب عليها أو على أحد، فمن لم يستطع قول كل الحق فليكن كل ما يقوله صدقاً على الأقل.

انتفاضة الزعماء العرب من المغرب الأقصى وحتى المشرق العربي وتحذيراتهم لأمريكا حتى لا تتجاوز الخط الأحمر دون الإفصاح عنها أو الحديث عن الخط الأحمر فقط كان قبل قرار ترمب بشأن القدس وقد تجاوزه ترمب أيها الزعماء.. فماذا أنتم فاعلون؟

هل عندما احتلت القدس الغربية في عام 1948م ألم تكن القدس خطاً أحمر؟

أو عندما احتلت فلسطين في 1948م بما فيها القدس الغربية ما لون الخط عندها الذي تجاوزته "إسرائيل" وداعموها جميعاً؟

وعندما احتلت "إسرائيل" الضفة الغربية لنهر الأردن وسيناء والجولان وجنوب لبنان عام 1967م.. ما لون الخطوط التي تجاوزتها حينذاك؟ وماذا كان الموقف العربي من المحيط إلى الخليج؟

أو عندما صرح الزعماء الصهاينة أكثر من مرة منذ عام 1967م وقالوا: محمد مات خلّف بنات، وإن القدس هي عاصمة "إسرائيل" التاريخية، أو عندما حرق الأقصى، وقسم الحرم الإبراهيمي، وتم بناء المستوطنات التي التهمت الأرض الفلسطينية؟

التفريط بـ 78% من الأراضي الفلسطينية والقبول بجزء منها الذي لن تتنازل عنه دولة الاحتلال.. أي خطوط تم تجاوزها يا سادة؟

أو عندما بنيت الجدران العازلة داخل الأراضي الفلسطينية وعلى حدودها وبخاصة في غور الأردن.. ما لون الخطوط التي تم تجاوزها؟ هل نكذب على أنفسنا؟ وهل تصدقنا أنفسنا؟

العدوان على غزة في الأعوام 2008، 2012، 2014م.. ما لون الخطوط التي تم تجاوزها؟ وماذا كان الفعل العربي؟

اعتقال آلاف الفلسطينيات والفلسطينيين والأردنيين في السجون "الإسرائيلية".. ما لون الخطوط التي محيت؟

اغتيال فلسطينيين وأردنيين حتى بعد معاهدات السلام بدم بارد.. ما لون الخطوط التي ديست؟

رفض الصهاينة المبادرات العربية -التي لم تقبلها الشعوب العربية بحال- ثم تبين أن علاقات صهيونية عربية تنشأ وتترعرع حتى بعد تلك الممارسات.. أي خطوط ديست؟

الذين يفرقون بين القدس الغربية وحيفا ويافا وعكا والجليل وبئر السبع والقدس الشرقية، يكذبون على الدين والتاريخ والعروبة والعقل الواعي، وربما يمهدون الطريق لضياع معظم فلسطين مجاناً بحجة قدسية الأقصى والصخرة ومهد المسيح عليه السلام.

هل كل ما جرى من احتلال فلسطين عام 1948م وحتى الآن لم يكن كافياً لتحريككم ويقظتكم، أم أنه كله لا قيمة له وهو حلال زلال على "إسرائيل"؟ فقط اتركوا لنا مكان سفارة أمريكا وموقع عاصمتكم! ما الذي دهاكم؟

وبلسان المواطن العربي والمسلم، صحيح أنه لم تستطع الأحداث حتى هذه اللحظة أن تخرجني من خمولي وغفلتي وتقاعسي وتواكلي واحتقاري لنفسي!

ولم تستطع الأحداث حتى الآن أن تخرج المرأة دون إذن زوجها والعبد دون إذن سيده، والمتردد من تردده، والواهم بعد اكتشاف وهمه ولكنها قريبة جداً.

سيكذب علينا البعض المخادع غداً ويقول: ترمب يقصد القدس الغربية أو هو يضغط من أجل قبول مشروعه بالتسوية الشاملة ولا يقصد ما يقول!

بالله عليكم، اصمتوا، لعل الله يجعل لنا من أمرنا مخرجاً ليس أحده ما تطرحون طبعاً.

المسلمون وصف لكل من يشهدُ أن لا اله إلا الله وأنّ محمداً رسول الله.

والإسلاميون وصف لمسلمين يلقبُهم بعض الناس بـ"الإسلاميين"، أخذوا شكل جماعاتٍ أو أحزابٍ منظمة تدافع عن الإسلام وتتبناه منهج حياة.

ويعترض البعض على هذه التسمية (الإسلاميون)؛ لاعتبارات مختلفة منها:

1- أنها يمكن أن تشير إلى أن المسلمين من غير الإسلاميين ليسوا مسلمين على الحقيقة، وربما يعتبر الإسلاميون أنفسهم هم المسلمون على الحقيقة ومن عداهم ناقص الإسلام.

2- هذه التسمية تفرق بين المسلمين تفريقاً قد يُشعر بالطبقية الدينية بمعنى أنّ الإسلاميين أفضل من المسلمين ومن ثم يحق لهم الوصاية عليهم وعلى الدين.

3- تتسبب بالترويج سلبياً ضد الإسلاميين ورميهم من الآخرين بالتشدد وعدم التسامح، حتى يوسموا بالعنف والإرهاب والتطرف.

فالإسلامية فكرٌ، وحركةٌ وراءها أفراد ومجموعات من المسلمين يؤمنون بشمول الإسلام، واتساعه لأكثر من مجرد العبادات والأخلاق، واشتماله على موجِّهات تُصلِح مجالات الحياة العامة لا الخاصة فقط وتجددها.

والإسلامية أوسع من كونها حركات أو أحزاباً سياسية فقط، بل تتنوع في روافدها وفي أولوياتها ومجالات اهتمامها، وفي تأثرها بالواقع وتغيراته وتفاعلها معها.

وعليه فالإسلاميون هم مسلمون انتدبوا أنفسهم للعناية بـ"الإسلام الواجب" المستوى الثاني و"الإسلام الكمال" المستوى الثالث، دعوة وتعلماً وتعليماً، وتعاوناً وتكافلاً، ومن واجبهم أن يطوروا رؤاهم، بما فيها الرؤية الاجتماعية والسياسية، وأن ينافسوا بها أصحاب المذاهب والرؤى الأخرى غير الإسلامية (ولا أقول غير المسلمة)، وأن يصلوا بها إلى المواقع المختلفة في المجتمع والدولة، لا يَظلمون ولا يُظلمون، وليس بالضرورة أن يزيدوا على بقية المسلمين صلاة أو صياماً أو شعائر أخرى.

بل يرون أنّه من الواجب عليهم أن يجدّدوا حضارتهم وأن يجدّدوا المدنية الإنسانية، من منطلق رؤية الإسلام للوجود والعالم، ومن قيم الإسلام ومبادئه وغاياته السامية، بلا إكراه لأحد ولا افتئات على الإسلام نفسه.

وإذا كان من حق بعض عامة المسلمين أن يسلكوا مذاهب سياسية وإدارية اجتهادية في بعض شؤون الحياة بما لا يخرجهم من دائرة الإسلام وما لم ينكروا المعلوم من الدين بالضرورة، فما المانع من أن يلتزم مسلمون مناهج سياسية وإدارية استنبطوها من فهمهم للإسلام بحيث يطلق عليهم البعض إسلاميين ويدعون إليها؟

وإذا حكَّمنا هذا المنهج توقفت المعارك المفتعلة بين المسلمين والإسلاميين، وستنهدم مسببات الخلاف الحاد وتتقلص الحساسيات والمناكفات إلى درجة كبيرة.

ربما أنّ الالتزام بالإسلام العظيم مستويات تبدأ من الإسلام وتنتهي بالإحسان، أو من مستوى يكون به المسلم مسلماً، حتى درجة الكمال الإسلامي وبينهما درجات ومستويات وكلها في دائرة الإسلام الواسع كما ذكرنا في المقال السابق.

لكن كثيراً من المسلمين المنخرطين في الجدل الدائر (مسلمون أم إسلاميون) من كلا الطرفين قد لا يعترفون بتواضع تصوراتهم عن الإسلام بسعته وعمقه وما يقدمه للإنسانية، فضلاً عن المسلمين، من مستويات تجديد الوعي وترشيد السعي، وبعضهم يخوض غمار هذا السجال مكتفياً بتصور بسيط جداً عن الإسلام، يستوي في هذا خواصٌ وعوامٌ كثيرون في المجتمع.

كما أن كثيراً من الإسلاميين يغريهم تدينهم والتزامهم، ويصدهم التزام غيرهم عن حسن التعاطي مع الناس وإدراك واقعهم هم أنفسهم المفعم بالآمال الواسعة على حساب الاستعدادات اللازمة والمقدرات المكافئة التي تنقصهم أحياناً كثيرة.

لو توقف العقلاء وتريثوا وتحاوروا دون مواقف مسبقة دون تحكيم الانطباعات لأزالوا هذا الإشكال شريطة أن يكون لديهم الاستعداد لمغادرة مربع الأنا المقدس والآخر المدنس في كلا الطرفين.

ألم يقل الله تعالى في كتابه: (وَإِنَّا أَوْ إِيَّاكُمْ لَعَلَى هُدًى أَوْ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ {24}) (سبأ).

فمن شاء أن يكون الصحابي الأعرابي الذي أقسم ألا يزيد ولا ينقص عن الأساسيات فهو مسلم، ومن زاد على ذلك بمرتبة أو مرتبتين أو عشرة فهو مسلم مأجور كذلك، وقد يتضاعف أجره وليس له أن ينكر على غيره.

إن ما بين السطور القليلة في هذه المقالة أشمل من المسطور بالتأكيد لمن أراد المزيد.

(وَهُدُوا إِلَى الطَّيِّبِ مِنَ الْقَوْلِ وَهُدُوا إِلَى صِرَاطِ الْحَمِيدِ {24}) (الحج).

الثلاثاء, 25 يوليو 2017 13:45

المسلمون والإسلاميون (1 - 2)

وهل في الإسلام مستويات؟

للإجابة عن هذا التساؤل تأمل حديث جبريل عليه السلام الذي يرويه عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "يا محمد، أخبرني عن الإسلام، فقال له: الإسلام أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، وتقيم الصلاة وتؤتي الزكاة، وتصوم رمضان، وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً، قال: صدقت، فعجبنا له يسأله ويصدقه، قال: أخبرني عن الإيمان، قال: أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر، وتؤمن بالقدر خيره وشره، قال: صدقت، قال: فأخبرني عن الإحسان، قال: أن تعبد الله كأنك تراه". (رواه مسلم).

وقوله عليه الصلاة والسلام: "يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة".

وتأمل الحديث القدسي: "إِنَّ اللَّهَ قَالَ: مَنْ عَادَى لِي وَلِيًّا فَقَدْ آذَنْتُهُ بِالْحَرْبِ وَمَا تَقَرَّبَ إِلَيَّ عَبْدِي بِشَيْءٍ أَحَبَّ إِلَيَّ مِمَّا افْتَرَضْتُ عَلَيْهِ وَمَا يَزَالُ عَبْدِي يَتَقَرَّبُ إِلَيَّ بِالنَّوَافِلِ حَتَّى أُحِبَّهُ".

من هنا فإن الالتزام بالإسلام مستويات ودرجات، وقد جاء في التعبير القرآني "أصحاب اليمين، والسابقون السابقون"، "السابقون الأولون".

ويمكن أن يكون ثلاثة مستويات:

المستوى الأول: الإسلام الأصل:

وهو فردي خاص للمسلم وهو ما يكون به المسلم مسلماً.

أخرج البخاري ومسلم عن أبي هريرة: ‏‏أن أعرابيًا جاء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله، دُلَّنِي على عمل إذا عَمِلْتُهُ دخلتُ الجنَّةَ، قال‏:‏ "تعبد الله لا تشركُ به شيئًا، وتقيمُ الصلاة المكتوبة، وتؤتي الزكاة المفروضة، وتصوم رمضان"،‏ قال‏:‏ والذي نفسي بيده لا أَزِيدُ على هذا شيئًا أبدًا ولا أَنْقُصُ منه، فلما ولَّى، قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ "من سرَّه أن ينظر إلى رجل من أهل الجنة فلينظر إلى هذا".‏‏

ويمكن أن نسميه مستوى الالتزام بالمعلوم من الدين بالضرورة الذي لا يصح لمسلم جهله أو عدم الالتزام بمقتضاه.

وهو الأساس لكل فرد مسلم، من توحيد الله تعالى وصلاة وصيام وزكاة وحج استطاع، مع سلامة الباطن، والتحلي بالأخلاق الفاضلة التي جاء بها الإسلام من الرحمة بالناس والتسامح، والعدل والأمانة والصدق والعفاف والاحتشام.. وهذا هو الإسلام العظيم الذي حين تمثله المسلمون تجاراً ورحالة وعلماء ودعاة وناساً عاديين دخل الناس في الإسلام أفواجاً وانتشر الإسلام في العالم.

المستوى الثاني: الإسلام الواجب:

وهو الذي يتمتع به المسلم إضافة للمستوى الأول تجعله يعمل جاهداً ليصبح فيه المجتمع مبنياً على الإسلام وكذلك الأمة والدولة.

وهو ليس ثانوياً أو تكميلياً أو تجميلياً، إنما هو دين ودنيا، فكرة وحركة، وعلم وعمل على أصعدة: الأسرة والمجتمع والدولة والأمة، كما هو رسالة للعالمين كافة.

انظر إلى قيمة الحرية مثلاً: فهي قيمة عليا في الإسلام، وكذلك في مذاهب وأديان ومجتمعات كثيرة غير إسلامية.

في الإسلام تأصيل يرتبط بالتوحيد: فالإنسان ليس عبداً إلاّ لله، وهو حر من كل ما سواه، ثم تتحول لحرية اجتماعية منضبطة بالتعاليم الاجتماعية والأخلاقية، ثم تتحول لحرية سياسية بناء على أنّه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق.

ولن تجد في المذاهب السياسية ما يحافظ على الحرية كما هي الحال في الإسلام، ولن تجد ما يشبه الحديث القدسي في دلالة الصراحة والصرامة بشأن الحرية: "يا عبادي، إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرماً فلا تظالموا"، ومقولة: "الظلم ظلمات يوم القيامة"، "وأفضل الجهاد كلمة حق عند سلطان جائر"، فالقيم الاجتماعية والسياسية في المجتمعات والأمم مرجعيتها الفكر الإنساني، ولا ضير، لكنها في الإسلام مرجعيتها الأولى هي الإسلام نفسه الذي ينظر إليها بالعقل الواعي والمنهج العلمي المنفتح على عطاءات الإنسانية مهما كانت مصادرها.

المستوى الثالث: الإسلام الكمال:

وهو الذي يمتد به الإسلام  ليصل للعالمين.

في العادة يرسي كل مجتمع في البداية هويته ومرجعيته، ثم يفتح الأبواب كلها لحريات الفكر والاجتهاد والاعتقاد والإبداع والتعبير والدعوة والنشر والإعلام وتكوين الجمعيات والأحزاب؛ بحيث تتيح للإسلاميين وغير الإسلاميين، والمسلمين وغير المسلمين، أن يطوروا رؤاهم في مناخ منفتح، وأن يعرض كل فريق رؤاه على الناس، وما يقبل منها يستمر ويتسع حسب درجة قبوله الحر الشفاف، وما لا يقبل منه يتوقف أو يقف عند حدوده بلا إكراه ولا خداع.

هذه المستويات الثلاثة تتضارب عند بعض المسلمين ونحن منهم؛ لأننا لا نجيد الوَصْل بينها، ويكتفي بعضنا بمستوى دون آخر ويحرم غيره من الاختيار أو مستوى الالتزام، مما يكرس حالة الفصل التي وصفها البعض بـ"الفصام النكد".

لكنَّ في الإسلام شدائد/ عزائم عبدالله بن عمر، ورخص عبد الله ابن عباس، وفيه إن الله يحب أن تُؤتى رخصه كما يجب أنْ تؤتى عزائمه، حسب حال الشخص المكلف وظروف أخرى.

إنّ الإسلام الأصل (الفردي الخاص) وهم المستوى الأول يجب أن يحرسه ويكرسه إسلام واجب وهو المستوى الثاني (جمعي مجتمعي سياسي حضاري)، ويحوطه إسلام تتكامل صورته التطبيقية بالاجتهاد في التفاصيل، والحرص على التكميل وهو المستوى الثالث والأعلى، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

هذه مستويات تقديرية فقد تكون مستويين أو أربعة أو عشرة أو بدرجات عديدة، ولكن قطعاً هناك مستويات متعددة، وفي ذلك فليتنافس المتنافسون.

ظهرت العلمانية في أوروبا بعد معاناتها في العصور الوسطى من التسلط باسم الدين.

لكن هذه العلمانية كانت بقدر الحاجة فقط، بحيث لا يتحكم الدين في الأنظمة السياسية، وأنْ تترك الحرية الدينية للناس، وعلى أن توفر الدولة الحماية لها، بمعنى ألا تتحكم الدولة بالدين ولا يتحكم الدين بالدولة، ومع ذلك يتمكن جورج بوش من الادعاء أن الله أمره أن يغزو العراق في حرب الخليج!

العلمانية الناعمة المطبقة في أوروبا قد تتبناها الشعوب العربية بسبب ما تعانيه من حرمان وظلم وفردية.

لكن العلمانية المبشر بها عند العرب والتي رأينا بعض ممارساتها وتطبيقاتها في بلادنا علمانية انتقامية إحلالية إقصائية تمارس العِداء المستأصل للإسلام نفسه، ويظهر أن خير مثال لها علمانية أتاتورك، والتي لم تصمد طويلاً، وهي بهذا المفهوم تطارد الإسلام حتى في الاعتقاد الفردي والأخلاق والقيم الذاتية.

لذلك يصبح التبشير بهذا الحل الغائب المفقود الذي يضع العرب على سكة الأمم المتحضرة بعيد المنال ولا يتوقع له النجاح ما لم يتصالح العلمانيون الواعون مع بقية شرائح الأمة، وما لم تتم مراجعات جادة للمسيرة بأكملها من الجميع.

وإذا كان الإنسان في ظل العلمانية هذه سيحرم من حقوق شخصية كفلتها الأديان السماوية حتى لمن خالفها حيث قال الله تعالى: (لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ) (البقرة:256)، وحمتها الشرائع البشرية واحترمتها فما معنى هذه النظرية الجديدة؟ وأين الحرية إذاً؟ وهل هذه علمانية؟

وبعد الجهود التي بذلت في المنطقة العربية للتفاهم والتعاون والتكامل بين أبناء الأمة الواحدة على اختلاف معتقداتهم ومذاهبهم الفكرية والسياسية من إسلامية وقومية وليبرالية وعلمانية، وتداول الطرح الديمقراطي وتقبل الكثيرين للدولة المدنية ومقتضياتها، يصر البعض ولا أدري على أي أساس يتكئون ولأي مذهب منطقي ينتمون على تدمير هذه الجهود، ولا تجد تفسيراً لهذا السلوك النزق سوى الإصرار على تمزيق الشعوب وتفرقها لتبقى فريسة سهلة لأعدائها والمتسلطين عليها وللحيلولة دون وحدتها ونهضتها.

وعندها سيُسْقطُ في أيدي الذين بذلوا ويبذلون الآن جهوداً كبيرة لإعلاء قيم التفاهم والتعاون والبناء الاجتماعي ولحمة المجتمع، بدلاً من الصراع التاريخي، والعودة لحالة التمترس والتعصب الأولى، واحتكار الحقيقة، واحتقار الآخر، وتقديس الذات والتي دفعت الشعوب العربية ثمناً باهظاً لها.

إن مجاوزة من ينادون بالعلمانية في بلادنا للمعقول والمجرب والممارس في العالم، يجب أن تجد من يصححها من طرف رواد العلمانية الحقة ودعاتها أنفسهم، ليأخذوا على أيدي هؤلاء الذين يسيؤون إليها، وليتبرؤوا من طروحاتهم وأفعالهم وتجاوزاتهم التي لا تنتمي لأي فكر إنساني منظم متقدم، لأن الاستمرار بهذا المنهج يسيء إلى الأفكار والمناهج نفسها أكثر من إساءته للآخرين.

وإذا كان كل مسلم واع يتوجب عليه إلزاماً أن يعرّي منهج التطرف والغلو والجمود والتحجر وممارسته، ويدينه لتتضح المسافة الفاصلة بينه وبين الانحراف بأي اتجاه، فإن على المعسكر العلماني الليبرالي الحداثي الذي يظن أن الحل بين يديه أن يأخذ على يد المتطرفين منه ويعرّيهم ويعبّر عن هذا التيار بصورته الحقيقية.

قد تتفهم في بيئات التخلف والجهل والانغلاق النزاع بين الحزبييَّن، عندما لا تكون الحزبية تنافساً لخدمة المجتمع.

أما أن تكون الحرب في عصور الوعي والثقافة والتجارب البشرية الواسعة على المقدسات الحضارية المحترمة لأي أمة بل وعلى حاضر الأمة ومستقبلها بحجة العلمانية (بفتح العين أو كسرها) فليس بعد ذلك من خطيئة وتخلف ودكتاتورية.

وأن يصل الأمر لمنع نقل وجهة نظر علمية من مختصين على مستوى العالم وليسوا هواة في قضية علمية محددة ليعرضها للبحث والنقاش، ولست هنا في وارد الدفاع عن محتوى معين.

ما جرى في مجمع النقابات في عمان يسيء للجميع وقد يعيد خلط الأوراق، ويعيد المثقفين أو بعضهم للمربع الأول قبل سبعين سنة من الصراع، ومنهج الإنكار والإلغائية التي لم يستفد منها إلاَّ أعداؤنا.

أمّا البروفيسور زغلول النجار فهو بشر يؤخذ من كلامه ويترك، رحبت به دول كثيرة ليقيم بها بعد أن ارتفع منسوب الحرية في مسقط رأسه! لكنه آثر الأردن في وقت مبكر بعلمه ووعيه وخبرته وإقامته وأفادت منه الجامعات الأردنية، وهو الرجل الذي يعرف حدوده ولا يتدخل في خصوصيات غيره، ولا يخوض في أي حديث سياسي مع أنه العالم والمثقف والسياسي، ولا يُستَقْدم في فنادق ولا تدفع له تذاكر طائرات ولا يكلف أحداً فلساً واحداً.

ويزيد الطين بلة أن ليس هناك أي مشكلة بين د. زغلول النجار وبين من أساؤوا في تلك المحاضرة أو حاولوا منعها، ليخلص البعض إلى أنَّ العداء هو للقرآن نفسه الذي يستشهد به النجار أو يستنتج منه وهنا الطامة الكبرى، فمن المستفيد؟

الأربعاء, 05 يوليو 2017 11:47

إذاً أين مشكلتنا؟ (2 - 2)

ذكرنا في المقال السابق أن مشكلتنا تتركز في أمرين اثنين؛ أولهما رمزنا له بالملح وهم العلماء ومن في حكمهم.

وأما الثاني فأرمز له بالسّكر وهم الأمراء.

والملح والسكر الأحب إلى النفس من الأطعمة، فلا طعم لطعام دون ملح، ولا مذاق أفضل من السكر، ولا يحتاجان إلى دعاية لتناولهما.

السُّكر وهو أحد الأبيضين وأخص به هنا الأمراء والسلاطين وأصحاب الأمر والسلطة من أي نوعٍ بشكلٍ عام.

- وقد جاء في الحديث الشريف: "صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس العلماء والأمراء"؛ لأن الناس في الواقع تبع لأمرائهم وعلمائهم.

- وقد فسر الشافعي قول الله تعالى: "وأولي الأمر منكم" فقال: هم العلماء والأمراء، وقد حدد علماء السياسة الشرعية وظيفة الإمام والسلطان بحراسة الدين وسياسة الدنيا، وانظر تعبير "حراسَة".

- وكما أن ليس لكل قارئ أو حافظٍ لباب أو أبواب من الفقه أن يكون عالماً، فكذلك فليس كل راغب بالإمارة مهما كانت مواصفاته أن يولى الإمارة في الأمة.

- فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر عندما طلبه أن يولّيه: "يا أبا ذر إنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة وإنك ضعيف"، إنه ضعيف لهذه المهمة وهي الولاية وإن كان من أشد المسلمين وأصدقهم، وأكثرهم مجاهرة بالحق وأمراً به دون تردد.

- وكذلك قال أبو موسى الخولاني لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وهو يتحدث عن وظيفة الإمام ومهامه وعنايته بحاجات الناس فقال: وإن أنت لم تهنأ (تدهن) جرباها ولم تداوِ مرضاها، ولم تحبس أولاها على أخراها (أي تجمعها لئلا تأكلها الذئاب) عاقبك سيدها.

- وقد استشعر عمرو بن العاص رضي الله عنه مهمة الإمام العادل وأهميته فقال: إمامٌ عادل خير من مطرٍ وابل، وأسد حطوم خيرٌ من سلطان غَشُوم (يعني أقل خطراً)، وسلطان غشوم خير من فتنة تدوم (أي الفوضى بلا دولة).

- وقد روى عبدالله بن عباس رضي الله عنه حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة"، ومن هنا تتأكد أهمية الإصلاح السياسي وتقدمه على أي إصلاح.

وهل أفسد الناسَ إلاَّ الملوك وأحبار سوء ورهبانها (العلماء والوعاظ)؟

- الإمارة محببة إلى النفس بل ربما يتفاهم الناس على المال والمتاع حتى مع نزاعهم عليها، ولا يستدعي عندهم شن الحروب إلاّ على الإمارة والملك والسلطة والحكم، وقد يقتتل الأحبة والأصول والفروع على السلطة لا على المال.

- ولما كانت العادات الغالبة لدى الحكام في بعض مراحل الحياة العربية الإسلامية تغليب العدل وحب الثقافة والعلم والاهتمام بالترجمة كان الناس يتبارون في بيتوهم باقتناء الكتب لا المجوهرات والتحف، وبحفظ القرآن وقيام الليل.

وعندما أصبحت غاية الأمراء والولاة القصور والحدائق والمظاهر قلدهم المجتمع ببناء القصور وامتلاك الحُطام وتزاحموا عليها وتسارع اندثارهم.

- يمكن في أي أمة دون استثناء ما دام حكامها بشر يصيبون ويخطئون، يعدلون ويظلمون، يتسامحون ويبطشون أن تقع منهم الأخطاء، لكنّ المجتمع المبصر الذي لا يجمع على باطل سيكون لهم بالمرصاد نصحاً ومحاسبة ومساءلة إن لزم الأمر ليعودوا للجادة، وهكذا استقرت الحالة عند كثير من دول العالم في الغرب بعد مخاضات عسيرة، فهــا أنت تجد رئيس دولة يحاكم ويحكم ويسجن سنين عدداً في أعرق ديمقراطيات العالم، ولم يحدث انقلاب ولا انفلات ولا انتقام في تلك الدولة.

- وأما عند انفلات زمام عقول العلماء وغياب ضمائرهم أو اختيارهم السلامة أو وقوعهم تحت الإغراء أو الترهيب، وعند انفراد الأمراء بالسلطة واتباع الهوى وفقدان البوصلة، وانتشار الظلم والمحسوبية فعندها يصاب هؤلاء بداء السكري القاتل وإن كان ببطء ولا تتوقف آثار المرض على هذين الفريقين (العلماء والأمراء) إنما تمتد آثار الفتنة للمجتمع كله (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ {25}‏) (الأنفال).

وفي الحديث الشريف: "كلا والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطراً، ولتقصرنه على الحق قصراً، أو ليضربن اللَّه بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم" (رواه أبو داود والترمذي).

- وقد حسم مسألة الأمراء ابن خلدون بقوله: دولة الإسلام بالظلم تزول، ودولة الكفر بالعدل تطول.

إن استقام حال الأبيضين الملح والسكر فالمجتمع بخير، وإلا فقد أصبحت مهمة المجتمع ورواده وطلائعه ومفكروه صعبة جداً، وعندها يقف على حافة الخطر إن لم يتداركه العقلاء والغيورون.

صحيح أن العالم الصادق النافع (الملح) ليس بحاجة إلى من يُنَصِّبه ويوظفه ويشهد له، فعلمه وعمله وصدقه والتزامه هي مؤهلاته، فإن قصر فيمكن أن تخوفه بالله ثم بالعلم الذي يحمل، بينما الوالي والسلطان والحاكم يفترض أن يختاره الناس وهم مسؤولون عن اختيارهم، فإن قصروا أو انحرف فرأي الشعب وتصميم الشعب وثقة الشعب يمكن أن تصحح مسيره، أو تعفيه مما هو فيه مع أن الولاية حلوة الرضاع (سكر) مرة العظام.

- أما نحن عامة الشعب، فقد قال عنا لقمان الحكيم: إياكم وكثرة الاعتذار فإن الكذب كثيراً ما يخالط المعاذير، ولا عذر لأحد منّا حتى لو ضعف العلماء وجار الأمراء وتآمر المتآمرون وصمت المحايدون.

- امتحن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أحد ولاته فقال له: ماذا تفعل إن جاءك الناس بسارق أو ناهب؟ قال: أقطع يده، فقال عمر: إذا جاءني من رعيتك من هو جائع عاطل فسأقطع يدك، إنَّ الله استخلفنا على خلقه لنسد جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفر لهم حرفتهم.

ولله در العالم الرباني الغزالي رحمه الله الذي قال: كل دعوة تحبب الفقر إلى الناس٬ أو تُرضّيهم بالدون من المعيشة٬ أو تقنعهم بالهون في الحياة٬ أو تصبرهم على قبول البخس، والرضا بالدنيّة وهذا ما يقوم به بعض علماء السلاطين باسم الدين وعملاء السلاطين باسم المصلحة٬ فهي دعوة فاجرة٬ يراد بها التمكين للظلم الاجتماعي٬ وإرهاق الجماهير الكادحة في خدمة فرد أو أفراد، وهي قبل ذلك كله كذب على الإسلام٬ وافتراء على الله، وبذلك المنطق الفاسد الذي سلكه ذلك المحسوب على الدعاة والعلماء، يتم قطع الطريق أمام الاعتراض على الأوضاع الجائرة، والقرارات المستبدة والفساد الإداري، وتحميل الأقدار التبعة.

وإنّ العالم الذي يتذرع بالأقدار في فساد الأوضاع الاقتصادية أشبه بمن يجيز لنفسه ولغيره ارتكاب الموبقات بدعوى أنها قدر مكتوب.

وإنَّها أمانة، فأين المُشَمّرون؟

الثلاثاء, 04 يوليو 2017 14:00

إذن أين مشكلتنا؟ (1 ـ 2)

إنّ مشكلتنا ليست في ارتفاع الأسعار مع أذاها.

ولا في الضرائب اللامتناهية مع خطورتها.

ولا في مصادر الطاقة وكلفتها الباهظة.

ولا في الجمود والتحجر، ولا في الانفلات والتسيب والذوبان وهما الطامة.

إنّها ليست في أصحاب رؤوس المال على أهميتهم وهيمنتهم.

ولا في السياسة الاستعمارية، ولا في المكر الخارجي على خطورته.

ولا في العملاء الصغار أو الكبار فليس في العمالة صغير أو كبير.

وهي ليست في المحسوبية وتوارث المناصب وتدوير المنافع مع أنها مدمرة.

وليست في ذي الوجهين الذي إذا الريحُ مالت مال حيث تميل.

وليست في العقلية الفردية وحب الزعامة وإن كانت أساس التسلط والفشل.

ليست في الأنا المتضخمة على حساب المجموع العام.

إذن أين هي المشكلة؟ ومن أين تأتي؟

إنها أولاً في "الملح"!

وفي "السكر" بالدرجة الثانية!

نعم إنها في الملح وهو سبب مصائب الأمة.

نعم في الملح سيد الأغذية، ورأس الهرم وسيد السادات.

إنها في فسادِ الملح.. وهل يَفْسُدُ الملح؟

وهو الذي يحفظ المواد الغذائية من الفساد والتعفن فهو من أدوات الحفظ لغيره وليس من مواد الفساد.

لذا فإن حصل أنْ فسد فعلى البقية السلام.

إنه الملح والملح أنواع عديدة لكن أخطرها وهو ما أعنيه هنا إنهم العلماء، أو من يسمون بالعلماء في عرف الناس، أو من فرضوا على الناس فرضاً وحملوا اللقب.

العلماء في العادة يذهب إليهم المخطئون والجاهلون والحيارى والمقبلون على الله والمختلفون ليحسموا الأمر، ولينطقوا بالقول الفصل، والمخرج الآمن.

إنهم من يفترض أنهم ورثة الأنبياء عليهم السلام.

إنهم البوصلة والمرجعية عند الاختلاف أو التيه والاضطراب، بهم تعرف القبلة، وتحدد الاتجاهات ويحسم الخلاف.

واليوم وعندما نرى تلجلج العلماء فلا ينطق بعضهم إلا من هوى غيره ولو نطق من هواه لضل وأضل، فكيف إن نطق بهوى ولي نعمته أو تحت ضغط سيف نقمته؟ وبعضهم لا تدري أحي هو أم مات؟

أليسوا هم من علَّموا العامة أن لا اله إلا الله وأنه وحده الضار النافع، الرازق المانع، المحيي والمميت، وأجهدوا أنفسهم بالشرح ورفعوا أصواتهم مستنكرين جهلنا، فما بالهم أفشل الناس في سباق، وأجهلهم في علم، وأكثرهم مخالفة لما يقولون؟ وطالموا قرؤوا وفسروا "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ.

نعم إنهم يبرعون في اختلاق المعاذير وانتهاج التقيَّة، هذا إن كان بهم من الخير بقية، أو شبهة التزام ورقابة ذاتية.

ومع ذلك فهم الملح، وماذا نفعل إذا الملح فسد؟

وما أصدق من قال لهم دون مواربة:

يا معشرَ العلماءِ يا ملحَ البلد من يُصلحُ الملحَ إذا الملحُ فسد؟

ومن قال لهم: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب؟ ويا ويل اللاعبين بالعبادة المسترزقين بالدين.

وقد حسم المسألة الإمام أحمد بن حنبل الذي لم يثبت معه سوى اثنين مات أحدهما في الطريق، والذي قال قولته الشهيرة التي ذهبت مثلاً: إذا سكت العالم تَقِيَّة والجاهلُ يجهل فمتى يظهر الحق؟ وقد وعظه القاعدون أن يقول كما يقول بقية "العلماء" بخلق القرآن فقال: أنظر لهذه الجموع إنها تنتظر ما يقول أحمد لتكتبه.

إنها الفاضحة هذه السنوات للجميع والكاشفة للعلماء أو من يتظاهرون بالعلم ولا يقومون بحقه، وبعضهم لا يكتفي بالسكوت وهو لا ينجيه، إنما ينطق بما يغضب الله والحق والضمير ويرضي ولي نعمته عله يعطيه بعض الفتات، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وبعضهم يلوذ بالصمت طلباً للسلامة.

أين العلماء؟ أين أنت يا سعيد بن جبير، ويا أحمد بن حنبل، ويا ابن تيمية، ويا العز بن عبدالسلام، يا سعيد الحلبي الذي قلت: من يمد يده لا يمد رجله.

لن يأتي بجديد من قال: إنهم مُكْرهون، أو مهددون، بأرزاقهم وحرياتهم وهذا أمر طبيعي في زمن الانحراف، ومن هنا تأتي الحاجة لبيانهم ونطقهم ومواقفهم، وماذا عليهم لو لقوا في سبيل ذلك بعض ما علموه للناس وفسروه "أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ"، ألم يأخذ الله عليهم العهد في كتابه "وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ"، حسبنا الله ونعم الوكيل..

هذا هو الملح النافع والضار.. فما هو السُّكر؟

الأربعاء, 21 يونيو 2017 13:14

أحمد قطيش الأزايدة

رحل كما يرحل الكثيرون عن هذه الدنيا الفانية.

مات ولكن هل كل الموت موت كما أنّ ليس كل حياة حياة؟

لكنه بقي شاهداً يراه من شاء ويسمعه من شاء.

بعد ثلاثمائة شهر بالتمام والكمال تستطيع أن ترى رسمه وسمته وابتسامته، تستطيع أن تشتم رائحة يده الكريمة وفيها الكرم الفطري الذي لا تقف أمامه القدرة المادية.

وَما الخِصبُ للأَضياف أَن يَكثُر القِرى وَلَكِنَّما وَجه الكَريم خَصيب

وهكذا كان وجهه وقراه.

قال لي أحد الأحبة الأصدقاء قبل يومين وهو صديق عتيق من ذلك الجيل الأصيل: كنت إذا اتصلت بفلان وكنت أعاني من صداع يقلقني يخف الصداع أثناء اتصالي مع ذلك الأخ الحبيب، وأشعر أن الصداع يتناقص تدريجياً، الصداع الذي لم تبطله جميع المسكنات، واليوم لو اتصلت ببعضهم لأصابك صداع قد لا يفارقك لأيام!

أبا بلال، كأنك غادرت هذه الجموع الحاشدة بالأمس القريب قبل غروب الشمس، وليس قبل ربع قرن بأيامها ولياليها.

سبحان من يضع القبول لمن شاء من عباده في الأرض، فيحبه أهل الأرض بعد أن يحبه أهل السماء، وإني أراك منهم وهم في الناس قليل، بل هم اليوم أقلُّ من القليل.

لا أنسى أمسية ذلك اليوم قبل ستة وأربعين عاماً، يوم لقيته في أحد المتاجر في مادبا فتقدم مني وسلّم علي بحرارة وقال: هل أنت فلان؟ قلت: نعم، فكرر ترحيبه وهش وبش وقال: لا بد أن تزورني الآن، فاعتذرت بكل أنواع الأعذار، لكنني لم أستطع زحزحة تصميمه في استضافتي في بيت والده رحمه الله، ومن هنا اتصل القلب بالقلب والروح بالروح دون سابق إنذار وهل القلوب بأيدي أصحابها؟ وبعدها غادر إلى مصر لإكمال دراسته، وأنا ذهبت إلى حواره في معهد المعلمين، أنتظر ما يجود به ساعي البريد لتشرق شمس رسالة من الجنوب الغربي من عين شمس، وهو شهر طويلة أيامه، ولا يحطم طول ساعاته إلا "مشروع الكتاب" الذي سيصل على شكل رسالة من ثلاث صفحات أو نحوها، فيها من لغة القلب أعمقها، ومن تصويب اللسان واللغة بأدبٍ جم عظيمها، وفيها من التوجيه الدعوي لا السياسي أجمله.

ولا أنسى معاناة جديدة بعد معاناة انتظار الرسائل حيث كنَّا في انتظار الإفراج عنه من السلطات المصرية التي اعتقلته لعدة أسابيع، عندما زارها بعد تخرجه، فاعتقل هناك ربما بوشاية حاقدة من عيون كانت تتابعه، ولعلها تدرك أن سيكون له شأن عما قريب، وأسرّ لي رحمه الله بعد عودته بقوله: لم أذكر لهم اسماً كاملاً صحيحاً إلا اسمك من أربعة مقاطع فاحذر.

وأما ثالثة الأثافي فهي بعد أن طبَّقت شهرته الآفاق، وسبقه ذكره الطيب، واكتشفه عِليةُ القوم، ومن لم يحبه منهم احترمه مرغماً لسمو أخلاقه وسعة أفقه وقوة حجته وكريم يده، ولكثرة اللغات الاجتماعية والسياسية التي كان يتقنها دون تكلف، فهو المهندس المدني، والشاعر النبطي، وخطيب الجمعة المفوه، والمحلل السياسي، والمفاوض الناجح في تقريب وجهات النظر بين معظم المختلفين معه.

كانت الفاجعة بمرضه الذي كان يرتجف الناس من مجرد ذكر اسمه حينذاك، علماً أن لا قدرة للمرض على موت أحد، ولا قدرة للشفاء على إطالة عمرٍ كذلك.

بعد رحلته الأولى الطويلة للعلاج التي حظي فيها بمرافقته ربما أقرب الناس إلى روحه وفكره الأستاذ صديقه عماد أبو دية، حزم حقائبه هذه المرة ليبقى في الانتظار تسعة أيام متتاليات لعله يستقبل المودعين في المستشفى الإسلامي، وكنت بجانبه لا تفصلنا إلا ساعات النوم، حتى ضحى 20/ 6/ 1992م حيث اجتمع عليه مع مرارة الدواء المتتابع، مرارةُ الواقع والمستقبل المجهول للأمة، والخوف من مستقبل العلاقة مع الصهاينة التي أطلت نذرها بعد كامب ديفيد ومدريد وأوسلو، ولم يسمع بوادي عربة بعد.

صحيحٌ أنَّ حبال الهواء جميلة للعاجزين، ومع ذلك كنا نتعلق بها لعل وعسى أن يشفيه الله.

وبينما كنا في صراع دائم بين الأمل بشفائه، والاستعداد لوفاته وهي حقيقة واقعة تُنتظر بين لحظة وأخرى، حتى أننا طلبنا قبلها بليلة من أحد الإخوة أن يبحث عن مكان قبر له في المقبرة القديمة داخل المدينة التي أحبته وعَمَّرها بيده وعقله ثماني سنين متتاليات، فلما أخبرنا أنه وجد مكاناً، وحُفر القبر وجُهّز، انفجرنا عليه غضباً - سامحنا الله - وفي صباح السبت العشرين من يونيو 1992م غادر (أحمد) إلى لقاء ربه محموداً وتركنا نعافس الدنيا ونطلب سرابها، نخوض ونلعب ونجتر آلامنا بلا أحمد هذه المرة، والأردن اليوم أحوج إلى مثله من حاجته قبل ربع قرن، ولكن عسى الله أن يبارك في ذريته وأن يخلفنا خَيْراً وأن يجمعنا به في الجنة.

أظن وأنا على يقين أنَّ في قلب كل من عرفه مقالاً طويلاً لو تكرم علينا به لكان سِفْر وفاء يستحقه الرجل ليكون بمتناول يد الجميع محل عبرة ودرس، ورحم الله الشيخ حسني أدهم جرار الذي كتب عنه جزءاً من كتاب، وجزى الله الأستاذ فاروق بدران حفظه الله الذي كان أول من كتب عنه، ولكن لا يزال لأبي بلال علينا حقوق كثيرة منها الوفاء له.

وأتمنى على كل من يقرأ هذا المقال أن يتكرم مشكوراً بإرسال المساهمة التي يستطيعها بالكتابة عن الراحل، بحدود صفحتين أو ثلاثة على البريد الإلكتروني:

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

ذكرنا في مقال سابق الخلاف التقليدي بين القوميين والإسلاميين والذي كان لمصلحة عدوهما المشترك فقط، وذكرنا ما يستفاد من القرآن الكريم وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وأقوال بعض العلماء في هذا الباب، وبخاصة الأستاذ حسن البنا، يرحمه الله، ونظرته للقومية بقلمه وليس نقلاً عنه، والحديث عن القوميين والإسلاميين لا يعني أنهما وحدهما الشعب أو الأمة، إنما هناك شرائح حزبية وقوى وطنية أخرى معنية بالتفاهم والمراجعة والعمل المشترك، ونضيف في هذا المقال ما يلي:

دواعي التفاهم والتعاون والتكامل:

أسباب التفاهم ودواعيه كثيرة جداً وأكبر من نقاط الاختلاف الموهومة ومنها:

1- العروبيون يؤمنون بالوحدة العربية التي تضم قلب العالم الإسلامي، والإسلاميون يؤمنون بالوحدة الإسلامية التي تضم العرب أولاً، ثم الشعوب الأخرى الراغبة بذلك إنْ وجدت، ولم لا يعمل الطرفان سوياً لتحقيق المرحلة الأولى ثم يكمل من شاء بعد ذلك، لوحدةٍ أوسع؟

2- لقد انتفت "القطرية" من الطرحين الإسلامي والقومي على حد سواء، إلاَّ مرحلياً للضرورة وليس إستراتيجياً، وقد اشتركا في الهم العام أو الأعم على مستوى الأمة.

3- وقد اشتركا ديانةً أو قيماً وأخلاقاً عامة، واشتركا في هدف إسعاد مجتمعاتهم.

4- وقد اشتركا في قبول التعددية الفكرية والسياسية.

5- وقد ثبت العداء الصهيوني لكلا الخطين، فالكل مستهدف؛ الإسلامي والقومي على حد سواء، فالدولة الديمقراطية المستقلة المنتمية لشعبها وأمتها مرفوضة، وقد صمم العدو على تدميرها سواء، وهل من حاجة للتدليل على هذا؟ فلم التشاحن والتضاد؟

6- إذا كان العروبيون لا يعترضون على الإسلام عقيدة وأخلاقاً، ولا يتنكرون للإسلام بل ويمارسون الشعائر التعبدية الإسلامية، ويشيرون إلى أنَّ الرسالة الخالدة في شعارهم هي الإسلام، وإذا كان الإسلاميون يتعبدون الله بقراءة الآيات القرآنية التي تمجد العرب عندما تميزوا بالإسلام، وقد نزل الكتاب الخاتم بالعربية (لغة العرب)، وإذا كانت اللغة الحاضنة (العربية) هي لغة القرآن الكريم، فلم التفرق بعد هذا كله؟

قراءة لنتيجة الصراع:

ونتيجة الصراع بين الإسلاميين والقوميين لم تكن صفرية، بل كانت وبالاً على الأمة بأكملها، وقد تجاوزتنا شعوبٌ ودول، وحتى التي استقلت بعدنا وتحررت من الاستعمار، إضافة إلى ضياع كثير من الأرض العربية وتشريد أهلها في أرجاء الأرض، فلم ينجح من كان يرى المخرج والمنقذ، هو وحدة الأمة العربية أو وحدة الأمة الإسلامية لتحقيق هذه الغاية ولم تتم وحدة على أساس عروبي أو إسلامي أو غيرهما.

ولم يستطع أحدهما إلغاء الآخر بقوة السلاح أو قوة المنطق والأيديولوجيا والتي مورست خلال عقود.

بعيداً عن الاختلاف على التفصيلات وعمن يتحمل المسؤولية أكثر من الآخر عن هذا الافتراق بل العداء الشديد الذي ربما فاق مستوى أعداء الأمة الحقيقيين، وقد استنزف الطاقات، وكانت النتيجة مُرّة جداً، ومحصلتها ضياع العرب والعروبة ولم ينتصر دعاة الإسلام، وضاعت قضية الأمة المركزية (فلسطين)، وساد الحكم الدكتاتوري الفردي حفاظاً على الذات من الأعداء الحقيقيين والموهومين، وعاشت الشعوب العربية في ذيل القافلة الإنسانية حتى اليوم.

وتدخلت الأيدي الخارجية الأجنبية بشكل مباشر وغير مباشر، واتخذت وسائل متقدمة وذكية وخفية، لإبقاء الخلاف مشتعلاً حتى بين أبناء الاتجاه الواحد سواء كان قومياً عروبياً أو إسلامياً واعتمدوا منهج "فرّق تسُد" ونجحوا فيه.

يظهر أن الجميع دون استثناء وقع في هذا الشَّرك القاتل الذي لم يستفد منه شعب ولا وطن ولا حزب ولا جماعة ولا دولة ولا أمة ولا عدالة ولا حرية، إنما كان المستفيد الوحيد هو العدو الصهيوني أولاً ومن يقف وراءه.

ويمكن أن تقول: إن "القوميين العروبيين" و"الإخوان المسلمين" تنازعوا واقتتلوا بالوكالة دون وعي منهما لصالح طرف آخر عدو للأمة يهدد حاضرها ومستقبلها ويلغي وجودها حية قوية مستقرة.

كما يمكنني القول: إنه لم تتم مراجعات ذاتية في كلا الخطَّين، ولم تجر حوارات هادفة بين المنهجين، إنما كان الحوار بالسجن والمطاردة والاغتيال والقتل، والتشكيك حتى اليوم فيمن يطرح هذه الأفكار.

لقد انطلى على الفريقين الإسلامي والقومي في ظل الاستسلام للانطباعات والضجيج والعواطف والاتهام الدائم والتسرع والغفلة واستدعاء الخلافات التاريخية، وبسبب النهوض المتثاقل لها، والذي جعلهما بين النوم واليقظة، أنه لا يمكن الجمع بين الإسلامي والقومي، بل إنّ كلاً منهما عدو للآخر، ولا يمكن قيام أحدهما إلا بإلغاء الآخر، بل لا يمكن النهوض إلا بإلغاء الآخر وشطبه، هذه حالة مؤلمة يجب الاعتراف بها ومغادرتها مهما كانت حصة كل فريق منهما من المسؤولية عنها والجهالة فيها.

لقد تأخرنا نصف قرن أو يزيد نحن العروبيين والإسلاميين عن مراجعة جادة لمواقفنا، ولا بد من تحريك المياه الراكدة، وضبط بوصلة الأمة نحو قضاياها الحقة لا المدعاة.

لا بد من ظهور هيئة عليا من الحكماء الأردنيين ليخططوا لنهضة بلدنا بحكمة وبرؤية عربية إسلامية مشتركة مستقلة واعية.

لا أدعو لأن يذوب القوميون في الإسلاميين والإسلاميون في القوميين، إنما لنتوقف عن تقسيم الأمة على هذه الأسس المصطنعة وليذوب الجميع هم وغيرهم في مشروع وطني واحد يُعنى بالهم الداخلي المحلي لكنه لا يغفل البعد القومي والإسلامي والإنساني الأوسع.

واليوم فنحن متفقون على:

1- الخلاف بين الإسلاميين والعروبيين لم يستفد منه إلا العدو الصهيوني، ويجب أن نبحث عن طرق لتجاوزه وحسن إدارته.

2- لا يمكن أن يحصل إصلاح حقيقي قُطْري كامل إلا باعتبار الأمة وحدة واحدة متكاملة.

3- لا بد من إحياء حالة التوافق العربي والإسلامي برؤية واضحة.

4- إنّ الاختلاف الذي يُنَمّى بين أبناء الأمة، ما هو في معظمه إلاَّ على فتات لا قيمة له، أو هو ناجم عن غياب المعلومة الحقيقية والوهم المستمر.

كم تشعر بالألم الشديد وبخاصة عند مراجعة تاريخنا القريب خلال المائة عام الأخيرة والتي كان فيها الجميع ينشد الاستقلال والحرية والعدالة والخير، وقد بذل الآباء والأجداد من دمائهم ومقدراتهم الكثير، أملاً في غدٍ أفضل، ولكن النتيجة كانت ما نشهده اليوم.

والأكثر إيلاماً أن الأمة بدلاً من أن توجه سهامها للخارج دفاعاً عن نفسها، وبناءً لمستقبلها وصالح أبنائها، تصارعت داخلياً صراعاً مريراً، وبخاصة في أبرز مكونين أساسيين فيها، وهما الإسلاميون والقوميون.

الإسلاميون لا يمثلون جميع المسلمين، والعروبيون لا يمثلون جميع العرب، ولكنهما في المقدمة ومسؤوليتهما أكبر.

لكن الاستسلام لهذه الحالة والاستمرار فيها جريمة الجرائم، ولا بد من رواد صادقين يصححون الخطيئة ويستدركون ما فات، ويقلبون الصفحة، ويخترقون الحالة الموروثة بتجاوز عقدهم جميعها، ويبنون غداً واعداً، وهل يعتبرون هذا من أوجب واجباتهم الوطنية والدينية والقومية ولا يُصغون لوسوسة البعض الجاهز للتيئيس دائماً لتسهيل القعود والتكامل وتسويقه بالقول هذه أماني، وخيال، واستعراض وثرثرة، ولكن هذا هو الطريق ولا مخرج سواه، فهل من مبادر يمد يده؟

 

وإن كان الخلاف فطرياً بين الناس لأنه في أصل تكوينهم حيث قال الله تعالى: (وَلَوْ شَاء رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ {118}) (هود).

لكن الاختلاف إن خرج عن حدّه أصبح وبالاً على المختلفين وهذا الذي وقع فعلاً.

فقد ورث الجيل الحاضر الحصاد المر، الذي اشترك في زراعته آباؤه وأجداده نظراً للخلاف القاتل الذي قسم الأمة إلى خطين كبيرين (عدوين) بارزين هما الأبرز في البيئة العربية، ألا وهما الخط الإسلامي (في طليعته الإخوان المسلمون) والخط القومي (وفي طليعته حزب البعث العربي الاشتراكي والقوميون بشكل عام)، وقد توهَّم الطرفان أنّ هذين الخطين لن يلتقيا، وأنّ الجمع بينهما مستحيل، وأنّ التضاد هو الأصل حتى غدوا طائفتين:

• إحداهما تناهض الإسلام بالعروبة دون أن تعلم أو تقصد، وأخرى تناهض العروبة بالإسلام دون أن تعلم أو تقصد، لم يحققا الغاية ولم يحررا الأمة، ولم يصلا للنتيجة والهدف الذي أرادا، ولم تكن نتيجة الصراع صفرية فقط إنما كانت لصالح العدو الصهيوني وحده.

• وليس من الحقيقة في شيء الهروب إلى التفسير السطحي لهذه الحالة، ألا وهو اتهام كل من الخطين للآخر ورميه بالعمالة والتبعية والرجعية والجهل، أو الانحلال، حيث تجد من الفريقين من لا يمكنك أن تشك في صدق نواياهم وإخلاصهم وتضحيتهم، ولكن ليس كل من قصد الخير استوفى مقومات نجاحه، أو أدركه، أو حققّه، أو عمل بمقتضاه.

ولو رجعنا إلى القرآن الكريم، وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وما قاله العلماء المعتبرون، لوجدنا إجابات واضحة عما اختلف عليه الفريقان، ومنه:-

قال تعالى: (وَإِنَّهُ لَذِكْرٌ لَّكَ وَلِقَوْمِكَ وَسَوْفَ تُسْأَلُونَ {44}) (الزخرف)، (لذكرٌ): بمعنى (يرفع ذكرك وذكر قومك)، وقومك، تنصرف أولاً إلى العرب الذين لم يكن لهم ذكرٌ.

وقوله: (وَكَذَلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ الْوَعِيدِ‏) (طه:113).

وإذا كان رسول البشرية محمد العربي عليه الصلاة والسلام يقول:

إذا ذل العرب ذل الإسلام. أخرجه أبو يعلى وصححه السيوطي في الجامع الصغير.

وقال: أحِبُّوا العرب وبقاءهم، فإن بقاءهم نورٌ في الإسلام، وإنَّ فناءهم ظلمة في الإسلام.

وقال: يا سلمان لا تبغضني فتفارق دينك، فقلت يا رسول الله كيف أبغضك وبك هدانا الله عز وجل، قال: تبغض العرب فتبغضني. رواه أحمد

أ‌- وقال:- فمن أحب العرب فبحبي أحبهم، ومن أبغض العرب فببغضي أبغضهم. رواه الحاكم في المستدرك

ب‌- قيل يا رسول الله: أمن العصبية أن يحب الرجل قومه ؟ قال: لا ولكن من العصبية أن ينصر الرجل قومه على الظلم. رواه أحمد

موقف الأستاذ حسن البنا (رحمه الله) – مؤسس جماعة الإخوان المسلمين من القومية:

أولاً: أورد السيد رجاء النقاش القراءة التالية لموقف الأستاذ البنا من القومية العربية جاء فيها:

أتوقف هنا لأقول انني في بحثي ودراستي لهذا الموضوع، وأنا من المؤمنين بالقومية العربية والداعين لها والذين لا يرون فيها أي تناقض مع الدين.. أقول أنني في بحثي ودراستي لهذا الموضوع وجدت رأيا صريحا لمؤسس الإخوان المسلمين سنة 1928 وهو الشيخ حسن البنا، وقد لفت نظري أن رأي الشيخ البنا يختلف تماما مع الذين يعارضون العروبة والقومية باسم الإسلام، وهذا دليل على أن حجة المعارضين للقومية باسم الدين هي بحاجة إلى المراجعة، وقد جاء رأي الشيخ البنا في خطابه الذي ألقاه في المؤتمر الدوري الخامس للإخوان.

الذي يقول فيه: إن الإسلام الحنيف نشأ عربيا، ووصل إلى الأمم عن طريق العرب، وجاء كتابه الكريم بلسان عربي مبين، وتوحدت الأمم باسمه على هذا اللسان يوم كان المسلمون مسلمين.

ويقول: قد جاء في الأثر: (إذا ذل العرب ذل الإسلام)، وقد تحقق هذا المعنى حين زال سلطان العرب السياسي، وانتقل الأمر من أيديهم إلى غيرهم من الأعاجم والديلم ومن إليهم، فالعرب هم عصبة الإسلام وحراسه.

ومن هنا كانت وحدة العرب أمراً لا بد منه لإعادة مجد الإسلام وإقامة دولته وإعزاز سلطانه، ومن هنا وجب على كل مسلم ان يعمل لإحياء الوحدة العربية وتأييدها ومناصرتها، وهذا هو موقف الإخوان المسلمين من الوحدة العربية». رجاء النقاش انتهى

ثانياً: يوضح الأستاذ البنا موقفه من القومية أيضاً ويقسمها إلى:

أ‌- قومية المجد:

ويقول الأستاذ حسن البنا:- إن كان الذين يعتزون بمبدأ القومية يقصدون أنَّ الأخلاف يجب أن ينهجوا نهج الأسلاف في مراقي المجد والعظمة ومدارك النبوغ والهمة، وأن تكون لهم بهم في ذلك قدوة حسنة، وأن عظمة الأب مما يعتز به الابن ويجد لها الحماس والأريحية بدافع الصلة والوراثة، فهو مقصد حسن جميل نشجعه ونأخذ به.

وهل عدتنا في إيقاظ همة الحاضرين إلا أن نحدوهم بأمجاد الماضين ؟ ولعل الإشارة إلى هذا في قول رسول الله (صلي الله علية وسلم ):”الناس معادن خيارهم في الجاهلية خيارهم في الإسلام إذا فقهوا"، فها أنت ترى أن الإسلام لا يمنع من القومية بهذا المعني الفاضل النبيل.

هي العروبة لفظ إن نطقت به فالشرق والضاد والإسلام معناه

ب‌- قومية الأمة

وإذا قصد بالقومية أن عشيرة الرجل وأمته أولى الناس بخيره وبره، وأحقهم بإحسانه وجهاده، فهو حق كذلك، ومن ذا الذي لا يري أوْلى الناس بجهوده قومه الذين نشأ فيهم ونما بينهم ؟ لعمري لرهط المرء خير بقية عليه وإن عالوا به كل مركب

وإذا قصد بالقومية أننا جميعا مبتلَوْن مطالبون بالعمل والجهاد، فعلى كل جماعة أن تحقق الغاية من جهتها حتى نلتقي –إن شاء الله –في ساحة النصر فنعم التقسيم هذا، ومن لنا بمن يحدو الأمم الشرقية، حتى نلتقي جميعا في بحبوحة الحرية والخلاص ؟

لكن توظيف العروبة ورفع رايتها لخدمة المصالح الخاصة حزبية أو فردية مرفوض تماماً.

وتوظيف الإسلام ورفع رايته لخدمة المصالح الخاصة حزبية أو فردية مرفوض أيضاً.

وللحديث بقية..

الثلاثاء, 17 يناير 2017 16:36

ازدواجية المعايير (2 ـ 2)

ذكرنا في المقال السابق طرفاً من مظاهر ازدواجية المعايير والظلم التي تمارس دولياً، لكنها كثيرة ومؤلمة لا يتسع لها مقال واحد، ونستكمل هنا بعض مظاهر هذه الازدواجية، ومنها:

1- الموقف من الانقلابات في البلاد العربية والإسلامية:

-     وقف الإنجليز عام 1953م مع الانقلاب على مصدق، رئيس وزراء إيران، المنتخب شعبياً لصالح الحكم الفردي والاستبداد.

- وقف الأوروبيون عام 1960م مع الانقلاب ضد عدنان مندريس، رئيس وزراء تركيا، المنتخب شعبياً لصالح العسكر.

- هددت فرنسا بالتدخل عام 1991م إن فازت جبهة الإنقاذ الجزائرية في الانتخابات النيابية في الجزائر، وعندما فازت في الانتخابات فعلاً بأغلبية كبيرة، تدخلت فرنسا من خلال دعم الجيش الجزائري الذي أمّم الديمقراطية وكمم الأفواه، وتسبب في حرب أهلية حصدت 100 ألف جزائري على الأقل خلال 10 سنوات؛ مما اضطر الحكومة الفرنسية بعد 10 سنوات للتصالح والتفاهم مع الثوار.

- عام 2013م سكتوا عن الانقلاب على د. محمد مرسي، الرئيس المصري، المنتخب أيضاً بل دعموا الانقلاب، وشاركتهم في ذلك دول إقليمية وعربية.

- قيادة الانقلاب على "الربيع العربي" الساعي للديمقراطية والتعاون مع حكام العرب الرافضين له خوفاً من أنّ ثورات الشعوب ستأتي بالوحدة والتعاون، ولذلك تم تشويه "الربيع العربي" محلياً وإقليمياً ودولياً.

- دعم الحركات المعادية للديمقراطية ومنها "داعش" عن طريق الدهاء والاختراقات الواسعة التي قامت بها أجهزة استخبارات عالمية وإقليمية، لينمو "داعش" بسرعة البرق في العراق وسورية وليبيا، وادعاء محاربته في الإعلام.

- تحريض الأقليات ضد الديمقراطية والحريات في البلاد العربية.

2- مواقف مجلس الأمن الدولي، وحق النقض (الفيتو) واستخدامه:

أنشأت الدول المنتصرة في الحرب العالمية الثانية (دول الحلفاء وروسيا) وفقاً للمادة (23) من ميثاق الأمم المتحدة مجلس الأمن، وهو الجهاز الذي له سلطة اتخاذ القرارات، ويتألف من 15 دولة، 5 دائمة: أمريكا، بريطانيا، فرنسا، روسيا، الصين، تتمتع بحق النقض (الفيتو)، حيث تم تحكيم قانون المصلحة، (قانون القوة)، ومعاقبة الدول التي تعارض السياسة الأمريكية أو تهدد أمن "إسرائيل" بذريعة أن هذا خطر على العالم.

وقد وصف أشهر المؤرخين البريطانيين آرنولد توينبي ميثاق الأمم المتحدة المتضمن حق النقض الفيتو بـ"الميثاق السخيف" الذي بموجبه يمكن إجهاض أي قرار لنصرة المظلوم رغم وجود 192 دولة (في حينه) رضيت بحق النقض، والذي أسهم في إفلات "إسرائيل" من أي عقوبات دولية بسبب "الفيتو" الأمريكي.

وقد استخدمت أمريكا حق النقض (الفيتو) لصالح "إسرائيل" 42 مرة ضد مشاريع لقرارات تخدم قضايا فلسطينية وعربية عادلة حتى عام 2011م فقط.

والسؤال هنا: هل وفّر الاستمرار في حق النقض سِلْماً أو عدلاً، أم أسس لإرهاب دولي، وعمَّق الصراع الدولي والإقليمي، والظلم والاستبداد، وتغييب الحرية والديمقراطية والحياة الكريمة لشعوب العالم؟

3- الازدواجية في قانون مكافحة الإرهاب:

فلا حديث إلاَّ عن "الهولوكوست"، بينما تم إغفال جرائم الفرنسيين في الجزائر ، وجرائم الإيطاليين في ليبيا، وإبادة الهنود الحمر في أمريكا على يد المستعمر الأبيض، والمذابح الأمريكية في العراق، ومجازر "إسرائيل" في دير ياسين في فلسطين، وعشرات المجازر الأخرى، والمجازر في بورما، وكذلك المجازر الروسية والإيرانية وغيرها ضد السكان في سورية.

وباختصار؛ فإن الأمم المتحدة عبارة عن تحالف للدول القوية وأداة لإدارة الفوضى الدولية، والضحية الأولى العالم الإسلامي والعربي، فقد عجزت المنظمة عن اتخاذ أي قرار واحد يناصر القضايا الإسلامية والعربية العادلة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية، وإن اتخذت فلم يجد تطبيقاً على أرض الواقع.

هذا هو القذى في عيون الدول الكبرى نراه رأي العين، لكن هل من قذى في عيوننا نحن أيضاً؟

هل تمارس ازدواجية المعايير عند الدول العربية تجاه مواطنيها؟

وهل تمارس ازدواجية المعايير عند الأحزاب والتجمعات العربية في داخلها ومع الآخر؟

وهل تمارس ازدواجية المعايير عند بعض الشخصيات؟

إنّ الجميع مطالب اليوم بأن ينظر في داخله الشخصي والحزبي والاجتماعي والرسمي، ويصحح مسيرته وحكمه على الأشياء والمواقف والأحداث، فلم يعد في الوقت متسع كبير.

ترى ألا تكفي هذه وغيرها لإيقاظ المواطن العربي وكشف بصيرته، وتعديل منهجيته ومعرفته لمصالحه الحقيقية، ورسم خارطة طريق لنهوضه، وسيبقى العدل أساس الملك شرط البقاء.

الصفحة 1 من 7
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top