سالم الفلاحات

سالم الفلاحات

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الخميس, 31 ديسمبر 2015 15:56

هل نحن جاهزون؟

كالعادة يكتب الدكتور حسين الرواشدة بقلم الصديق الناصح الصدوق، الذي لا تمنعه المجاملة من الوصول إلى ما يريد مباشرة، سواء شهادة الحق الإيجابية لك، أو نقد تصرفك ومنهجك دون تردد، ومن فضل الله علينا في هذا البلد، وجود عدد من الأقلام الشابة الواعية الصريحة الجريئة التي تنتهج هذا الأسلوب.

في مقالةٍ له بعنوان: مشروع سياسي وطني جامع، هل نحن جاهزون في جريدة الدستور الغراء، وفي ظني أنه يعلّق على حراك مجتمعي أو على حوارات شهدها ربما في مواقع مختلفة، ونتيجة هَمّ يشغله ويشغل فكره، وفكر كل مواطن أردني جاد، بل كل عربي أينما وجد يحمل همّ أمته بوعي ومسؤولية.

أوافق الكاتب الكريم على الحاجة الماسة الضرورية لقيام مشروع وطني سياسي جديد ليكون بمستوى مشروع دولة ديمقراطية مدنية، يشترك في السعي للوصول للمشروع نخب شعبية وأفراد يؤمنون بضرورية وقناعة رسمية، بقيام هذا الجسم حيث يشكل مصلحة وطنية عليا، وضمانة لحماية بلدنا من الأخطار المحدقة به وطريقاً لتقدمه ورقيه ورفاهية شعبه.

نعم إنها الفريضة الوطنية السياسية الغائبة والمفقودة بهذا الشمول، من الساحة السياسية الأردنية بل والعربية حتى الآن، وإن كانت موجودة ففي عالم الأماني أو الشعارات هنا وهناك.

إنَّ أردنيين كثيرين يتوقون إلى رؤية هذه الصورة واقعاً على الأرض، ليشهدوا قبل مغادرتهم هذه الدنيا وأنا منهم وبقناعة تامة، انطلاق مشروع بهذه الشمولية والوضوح والتكامل، وبهذا الحجم يتجاوز عقد التاريخ والتجارب الماضية، ويتجاهل المربع الذي حبس فيه البعض أنفسهم طويلاً من مختلف الاتجاهات والمذاهب السياسية.

لا أقلل من عظم مهمة الباحثين عن هذا المشروع وحجم المعيقات، ولكن قيامه ممكن لأسباب عديدة منها:

1 - أنه ضرورة وطنية ملجئة وليس خياراً من الخيارات والبدائل.

2 - أن أخطاراً كبيرة تهدد الوطن بل ربما تجاوزت مرحلة التهديد، ولا يمكن مواجهتها إلاَّ بوعي جديد وعمل مميز مخترق للتجارب السابقة.

3 - لأن كثيرين ومن مختلف المشارب والاتجاهات وصلوا لقناعات ذاتية تعلموها بأنفسهم من خلال العرق والألم والمعاناة وربما الدم، بأن أي اتجاه أو حزب أو مجموعة متفردة بذاتها ليس بمقدورها أنْ تنتج مشروعاً نافعاً ذا قيمة على الإطلاق، وبدؤوا يعبرون عن هذا صراحة وبخاصة من الإسلاميين.

4 - نشوء أجيال جديدة متفتحة، سليمةٍ من عقد الماضي ومعاناته وصراعاته الصفرية السابقة، وإطلاعها على ثقافات الشعوب الديمقراطية وما توصلت إليه بعد معاناة على مدى سنوات طويلة.

5 - صحيح أن هناك تجارب ومحاولات لم يكتب لها النجاح قام بها إسلاميون قبل ما يزيد على عشرين عاماً كما في حزب جبهة العمل الإسلامي – لكن عدم نجاحها عائد إلى قصور في الفهم والتطبيق – الذي يمكن أن يستدرك – وليس إلى خطأ في الفكرة أو حتى في المنهج، ويسجل للحزب سبقه في مجرد التفكير والمحاولة، مما يوجب الإفادة مما سبق والبناء على إيجابياته وسلوك منهج جديد يتجنّب سلبيات الماضي.

نعم إنّ الغائب الرئيس والعنصر الفاعل والأهم هو توافر الثقة المتبادلة بين الذين يؤمنون بهذا المشروع ويفكرون بإطلاقه على المستويين الشعبي والرسمي، لكن هذه الثقة يمكن أن تبنى بالتدريج وعدم الاستعجال ورسم سياسات علمية مدروسة، والاتفاق على أهداف إستراتيجية واضحة للعلن، وعمل مشترك منذ الخطوات الأولى، واستثني من المشروع المتعجّلون والمترددون وأصحاب الأجندات الخاصة والأفهام الضيقة، وأصحاب النَّفَس السياسي القصير.

تنجح الفكرة أي فكرة إذا قوي الإيمان بها وظهر الاستعداد لحملها والتضحية في سبيلها، والإخلاص لإنجاحها، وتأكدت حاجة المجتمع لها.

وأتمنى أن تتعالى الأصوات الوطنية الجادة لتجيب نداءات الضرورة والواجب وتقول هاأنذا على استعداد أنْ أعطي لوطني وشعبي ولا أخذ إلا آخرهم...

أشكر الكاتب الكريم على طرحه المتقدم، وعلى جرأته وعدم يأسه رغم الظروف المحيطة والتجارب السابقة.

الأربعاء, 23 ديسمبر 2015 08:07

الخروج على المألوف

قد تختلط الأفهام وتتعدد الرؤى في كل خروج على المألوف المعتاد المقدس مع الزمن، والذي قد يستحق التقدير في حينه ولا يستحقه في وقت آخر، ولكن المألوف متمكن في النفوس حتى أقسم الله بهذا المألوف بقوله: (لِإِيلَافِ قُرَيْشٍ {1} إِيلَافِهِمْ رِحْلَةَ الشِّتَاء وَالصَّيْفِ {2}) (قريش).

المعتاد المتداول حتى مع تكراره يصبح جزءاً من الشخصية، ليظن الإنسان أنه لا يمكن أن يستغني عما ألف على الإطلاق، وقد يكون مصادماً للواقع والحقيقة والمعقل والمنطق.

قد تجد بعض كبار العلماء والمخترعين والمكتشفين والذين يحملون الشهادات العلمية العليا في بعض بلدان العالم يقفون تذللاً وخشوعاً أمام شمعة أو فأر أو نملة أو صنم يبكون أمامه، وقد تجد من هؤلاء من فجر الذرة أو برع في علم الحاسوب وتجد في العديد من الدول الصناعية الآسيوية الكثير من هذه الحالات.

لقد أكثر القرآن المكي من: "أفلا ينظرون إلى الإبل"، "أفلا يتدبرون القرآن"، "قل سيروا في الأرض ثم انظروا كيف كان عاقبة المكذبين".

وعاب عليهم بقوله: (أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا {24}) (محمد)، (قُلْ هَاتُوا بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ {64}) (النمل)، وقد وصفهم القرآن الكريم بقوله: (إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِم مُّهْتَدُونَ {22}) (الزخرف)، (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ) (الجاثية:23)، (فَلْيَنظُرِ الْإِنسَانُ مِمَّ خُلِقَ {5}) (الطارق).

وقد عاتب الإنسان وهزه من الأعماق: (يَا أَيُّهَا الْإِنسَانُ مَا غَرَّكَ بِرَبِّكَ الْكَرِيمِ {6} الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ {7}) (الانفطار).

أرأيت إلى الذين يألفون أعمالهم الخاصة ويفنون أعمارهم فيها، لا تطوير لديهم إلا مضاعفة الجهد الذي يبذلوه وزيادة ساعات العمل؟

التجديد سنة الحياة وضرورة الاستمرار والبقاء بفعالية، والتجديد معناه ربما الانقلاب على المألوف تماماً في مجالات معينة.

والتجديد حالة القمر على مدى ثلاثين ليلة والفصول الأربعة، وتبدل الليل والنهار، والإنبات والإزهار والجفاف، وتجديد أوراق الشجر، ولو قطعت شجرة لوجدت أنها ستنبت عشرات الفروع من جديد، والرسول صلى الله عليه وسلم يقول في الحديث الذي يرويه أبو هريرة رضي الله عنه: "يبعث الله لهذه الأمة على رأس كل مائة عام من يجدد لها دينها" (رواه أبو داود).

وقد أجاب الرسول صلى الله عليه وسلم عن المسألة الواحدة بإجابات عديدة متباينة تبعاً للزمان والمكان وحال السائل والمسؤول عنه، سئل عن أعظم الجهاد، وأعظم القربات، وأنواع البر، وسئل عن الساعة وهكذا.. فأجاب السائل بما يراه، مخالفاً لغيره، فهل يختلط على المتعجلين اليوم فعله صلى الله عليه وسلم.

وقد أفتى الفقهاء بمقتضى الحال والزمان والظروف بما يتسع له الفقه الصحيح، فهذا الشافعي له مذهبان فقهيان في الشام وفي مصر، ولم ينكر عليه عاقل فعله.

لقد صاح أبو جهل قبل غزوة بدر داعياً ربه: "اللهم اقطعنا للرحم، وآتانا بما لا يُعرف، فأحِنْه الغداة"، فهو يرى أن الانتقال إلى مجتمع جديد نظيف بأفكاره وممارسته قطيعة رحم، وأن الإتيان بجديد لم يعرفه الآباء والأجداد (آتانا بما لا يعرف) جريمة تستحق التدمير، والمتوقع دائماً محاربة الجديد حتى في العادات والتقاليد.

حدثني تميم بن عقيلان: قال: كنت طفلاً مع والدي أحضر معه جلسات الذكر، وأسمع وأرى بأم عيني أشياء كثيرة ولا أنكرها بل أقلدها، وكانوا يتندرون بقدراتي في ذلك، ولم أر فيها مؤاخذة ولا خطأ على الإطلاق، بل أراها عين الصواب، وفي يوم تأخر شيخنا عن صلاة العيد وقد تجمع الناس بأعداد كبيرة ولم يحضر الشيخ (العلامة) فأشار إليَّ البعض لأصلي وأخطب العيد، ولما ارتقيت المنبر سمعت صوتاً يقترب من بعيد حتى إذا دنا أخذ يردد من هذا الحمار الذي اعتلى المنبر؟ وأنزلني وخطب، فكانت صدمة لي مكنتني من أن أرى النور والحياة والأشياء على حقيقتها، فلمت نفسي وعاتبتها أين كنت؟ هل غاب عقلي؟ وكيف صدقت الأوهام؟ أرأيتم إلى عمر بن الخطاب الذي كان يسترجع عبث الجاهلية حيث سئل: ألم تكن لكم عقول؟ قال: بلى، ولكن لم تكن لنا أفهام.

الثلاثاء, 08 ديسمبر 2015 14:09

الطاعة الغافلة

تستغرب كيف يصل البعض إلى القيام بعمليات لا تجد لها تفسيراً، وكيف يقوم إنسانٌ سويٌّ نيابةً عن الغير بهذه الأعمال؟ وهل نسي العقوبة التي يمكن أن تطاله ولو بعد حين؟ وهل نسي القيم؟ وهل نسي الحلال والحرام؟ وهل نسي الإنسانية، بحيث يصل إلى مرحلة يمكن أن نُسميها الطغيان؟

فكيف تُصدَّقُ شائعات بلا دليل وهي غير قابلة للتصديق، والأسوأ من تصديقها اتخاذ موقف قاسٍ منها، والأسوأ منهما القيام بفعل إجرامي ومحرم شرعاً وعرفاً؟

كيف يصل الجلاد إلى القناعة للتنكيل بشخص مثله دون أن يعرف شيئاً عن جريمته؟

كيف يصل السيَّاف إلى قطع الرؤوس كأنما يقطع حبة فاكهة ولا يرف له جفن؟

كيف يصل الإنسان إلى إصدار حكم دون أن يكون مقتنعاً به؟

لكنّ علماء النفس والاجتماع والسياسة توصلوا لتفسير هذه الظاهرة، وربما قدموها وصفة للطغاة حتى يحققوا طغيانهم، لكن يظهر أن من توقف عند الظاهرة منا قليل.

لقد فاتنا نفع عميم كبير لقصر قراءاتنا وثقافتنا واطلاعنا ومناهجنا في التكوين على المصادر الإسلامية بل والحزبية الخاصة من مصادر التنظيمات نفسها، وقلما تجد حتى أدبيات جماعات أخرى في مكتبة داعية في جماعة ثانية وحتى عندنا في جماعة الإخوان المسلمين، إلا ما ندر.

لفتني أحد الإخوان قبل عقدين ونيف من الزمن على الأقل قائلاً: لِمَ تحبس نفسك وأنت كثير الاطلاع وشغوف بالقراءة على المصادر الإخوانية والإسلامية وتحرم نفسك من الكتب الأجنبية، وبخاصة أنَّ عملك لصيق بالتعامل البشري الإنساني في التربية والتكوين، وهذه علوم تدرس في الجامعات؟ فأين أنتم منها في مناهجكم؟

لكنّي بصراحة أعرضت عن نصيحته، وربما اتهمتها بأنه يريد مني أنْ أهجر الأساسيات والمصادر الأصلية والمعتمدة والموثوقة إلى دراسات لا تُعرف أهدافها ومراميها وربما  يقصد بها حرفنا عن مسارنا الإخواني وتخترقنا!

اطلعت مؤخراً على دراسة مترجمة مصورة ناطقة بهذا الشأن، كأنها تقرأ حالنا نحن الإسلاميين في بعض الجوانب، وكأنَّها دراسة معدة لنا نحن خصيصاً، وما أجدرنا بالاطلاع عليها.

وهي تفسر ما بداخلنا أحياناً ولا نجد له جواباً، علماً أننا بناءً على ما ذكرت سابقاً لكن البعض سيقول: إنَّ القياس مع الفارق ولا مقارنة بيننا وبين ما تذكر، والدراسة تتحدث عن الخطوات الخمس لصناعة الطغيان:

الخطوة الأولى: تقسيم المجتمع إلى نحن وهم، ولا يتوقف هذا على تقسيم المجتمع الواسع، إنما تقسيم المجتمعات حتى الفئة الواحدة أحياناً لتصبح نحن الأصدق والأحكم والأنفع والأقدر ونحن أصحاب الحق، ونحن المتفوقون، وهم لا شيء هامشيون، جهلة، أصحاب هوى يحبون السلامة، يحبون الزعامة، جبناء، جهلاء.. إلى آخر الأوصاف السلبية التي ترد في الذهن.

وفي فريق "نحن" نرى القذاة في عين الآخر ولا نرى الجذع في عين نفسنا مطلقاً، تماماً كما يرى الجمل رقبة الفرس عوجاء جداً تستحق السخرية بينما يرى رقبته مستقيمة تماماً.

وانظر حولك الآن في أكبر المجتمعات وأصغرها، هل تجد هذه الحالة؟

"نحن وهم" تخترق الدول والدعوات والأحزاب أيضاً، وتسبب لها المصائب، و"نحن" تمثل السلطة أي سلطة التي تصنع الطغيان أو ما يشبهه في المحصلة، هل "نحن وهم" تشملنا أم لا؟

الخطوة الثانية: وجوب طاعة الأوامر: وكل فريق يسميها ويسوغها بطريقته.. طاعة ولي الأمر الطاعة العسكرية، الطاعة الحزبية، طاعة القانون، طاعة البيعة والالتزام، ونسميها نحن الإسلاميين السمع والطاعة في المنشط والمكره نفذ ثم ناقش ونلبسها ثوب طاعة الخلفاء الراشدين وتجعلنا نحن الذين عنانا الرسول صلى الله عليه وسلم بقوله: "أمرنا الرسول صلى الله عليه وسلم بالسمع والطاعة في المنشط والمكره، وعلى أثره علينا وألا ننازع الأمر أهله.."، مع أننا مئات الحركات الإسلامية ولها شيوخها وأمراؤها وبيعاتها والتزاماتها، فماذا لو قرر أحدنا أن ينتقل من جماعة إلى أخرى فهل يجوز ذلك بهذا الفهم؟

ومع أن معظمنا يقول: نحن لسنا جماعة المسلمين، إنما جماعة من المسلمين، ونقول: رأيي صواب يحتمل الخطأ ورأي غيري خطأ يحتمل الصواب، ونقول: كلٌّ يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم، والخلاف في الرأي لا يفسد للود قضية، بينما عملياً يفسد الود وحتى الإنصاف وحتى كف الأذى عند أول اختلاف قبل أن يصبح خلافاً يا للهول؟!

ولكن لماذا يعمق المسؤولون في العادة ويتكئون عليه في موضوع الطاعة ليكون سيفاً مصلتاً على الرقاب طاعة، مبصرةً أو عمياء على حد سواء؟ من حيث يدري الفرد أو لا يدري، وما سرها؟ وكيف يستجيب لها؟

يفسرها علماء النفس على نطاق الدول أنها للحرص على تحقيق المصالح والارتقاء في الوظائف، والخوف من العقاب أو العتاب واللوم والتأنيب، ويجب التدقيق عند الجماعات الإسلامية ودراسة أبعادها وأسبابها الحقيقية وعدم الاتكاء على أنها للعبادة والطاعة.

وتلحظ أن الطاعة المطلقة تزداد كثيراً كلما انخرط الفرد في العمل التنفيذي وزيراً أو مديراً أو مسؤولاً.. فتقل مساحات استقلاله التأملي والفكري في نوع المهمة والأداء، فلا وقت لديه، وهكذا يحب أن يكون الكل من حوله على طاعة تامة مطلقة لينفذ المطلوب منه، حتى لو تمتم بشأنها بينه وبين نفسه أحياناً ووجد أن بعضها لا يوافق عليه أو هو غير مناسب أو غير واقعي أو مرجوح، وسرعان ما يتهم نفسه بجهله للحقائق، ويعود إلى الثقة المطلقة، والطاعة المطلقة والتي يسميها علماء الاجتماع بالطاعة العمياء وهي بدايات صناعة الطغيان، وربما تُجمَّل وتحسن عند الإسلاميين وهم بين اليمين وأقصى اليمين منها، فمن طاعة الولي الفقيه، إلى الطاعة بمستوى استسلام الميت بيد الغاسل، إلى الطاعة التي يحظى بها أمير المؤمنين في العهد الراشدي مع إغفال شرائطها وكيفية تطبيقها ومستلزماتها وحدودها، وإني هنا أتحدث عن ظاهرة مرضية خفية عامة لا تقتصر على فئة أو فريق أو مرحلة زمنية ولا يصح استمرارها والسكوت عنها دون تصويب، وللمقال بقية إن شاء الله.

الإثنين, 05 أكتوبر 2015 10:30

عتاب الأقصى

رأيت كما رأى غيري وفود الحجاج إلى بيت الله الحرام، وتابعتُ تنافس الجمعيات الخيرية على جمع الأضاحي وتوزيعها ولا تضحية، والترغيب بذبح الأضاحي، وقلّما وجدت مضحياً.

وأعلم  بعض السبل المشبوهة التي يؤدي بعضهم الحج من خلالها حتى لو كانت ممنوعة وغير شرعية، وهو يظن أنه يعبد الله، ورأيت الناس كيف يحرصون عقب الصلوات على التكبير وربما لم نكبر الله.

ورأيتُ الناس في تدافع يرجمون الجمرات، ويموت بأيديهم من يموت، لكنهم لا يرجمون العجز في أنفسهم والظلم حولهم.

بينما جموع الصهاينة تدنس المسجد الأقصى وتقيم فيه هذه الحفلات الماجنة وتعده للهدم أو المصادرة، والتقسيم بعد أن ابتلعت فلسطين وما حولها سمعت يقول الأقصى يعاتبنا، ترجمتها وأخجل منها مَبْنى ومعنىً عسى ألا يقرأها شاعر:

أيـا من تقصدون البيت حجّا               أمـــــــــــــــا حج النَّبي إليَّ قَبْلاً

وأَمَّ الأنْبَياء بها ونـــــــــادى               إلى مســــراي شدوا الرحل شداً

أحجا والغزاة عَثَو بأرضــي               ومِحْـــــــــــرابي بِنار الظلم أُجَّا

وقد وعد الإله فلا تخـــــــافوا               سيأتي الفاتحـــــــــــون إليَّ عَدّا

وشدوا رحلكم نحوي سِراعا               فهل حَـــــجَّ (صلاحٌ) كيف حجّاً؟

أقام الدهر حولي كي يرانـي                فلمــــــــــــــــا جاء وعدُ الله حجّاً

وكبَّر فَوْق منبره ونـــــــادى                أيا ربي فبلغني المحجَّـــــــــــــا

سألتك يا إلــــــه الكون غَوثا                أغيـــــــرك يستغاث وهل يُرَجّى؟

وما شكـــــواي ممن دنسّوني                وقد رضعوا الفَســـــــاد أباً وجداً؟

ولـــــــكنَّ الذي أدمى فؤادي                سكوتُكُم وقد أصبَحْـــــــــتُ فَرداً

وإن كان عاتبني الشاعر محمد مهدي الجواهري في سبعينيات القرن الماضي قبل أنْ أنفث هذه الكلمات قائلاً:

أكلما عصفت بالشعب عاصفةٌ               هوجاءُ نستصرخ القرطاس والقلما

هل أنقذ الشام كتَّاب بما كتبـوا                أو شاعر صان بغداداً بما نظمــــا؟

وقال مستشرفاً المستقبل ومحذراً:

سيلحقون فلسطيناً بأندلس                     ويعطفون عليها البيت والحرما

ويسلبونك بغداداً وجلقــة                      ويتركونك لا لحما ولا وضــماً

لكنَّ لكل ليل فجراً.. ومع كل عسر يسر.. وبعد كل احتلال فتح.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top