سالم الفلاحات

سالم الفلاحات

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الأربعاء, 05 يوليو 2017 11:47

إذاً أين مشكلتنا؟ (2 - 2)

ذكرنا في المقال السابق أن مشكلتنا تتركز في أمرين اثنين؛ أولهما رمزنا له بالملح وهم العلماء ومن في حكمهم.

وأما الثاني فأرمز له بالسّكر وهم الأمراء.

والملح والسكر الأحب إلى النفس من الأطعمة، فلا طعم لطعام دون ملح، ولا مذاق أفضل من السكر، ولا يحتاجان إلى دعاية لتناولهما.

السُّكر وهو أحد الأبيضين وأخص به هنا الأمراء والسلاطين وأصحاب الأمر والسلطة من أي نوعٍ بشكلٍ عام.

- وقد جاء في الحديث الشريف: "صنفان من الناس إذا صلحا صلح الناس وإذا فسدا فسد الناس العلماء والأمراء"؛ لأن الناس في الواقع تبع لأمرائهم وعلمائهم.

- وقد فسر الشافعي قول الله تعالى: "وأولي الأمر منكم" فقال: هم العلماء والأمراء، وقد حدد علماء السياسة الشرعية وظيفة الإمام والسلطان بحراسة الدين وسياسة الدنيا، وانظر تعبير "حراسَة".

- وكما أن ليس لكل قارئ أو حافظٍ لباب أو أبواب من الفقه أن يكون عالماً، فكذلك فليس كل راغب بالإمارة مهما كانت مواصفاته أن يولى الإمارة في الأمة.

- فقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي ذر عندما طلبه أن يولّيه: "يا أبا ذر إنها أمانة وإنها يوم القيامة خزي وندامة وإنك ضعيف"، إنه ضعيف لهذه المهمة وهي الولاية وإن كان من أشد المسلمين وأصدقهم، وأكثرهم مجاهرة بالحق وأمراً به دون تردد.

- وكذلك قال أبو موسى الخولاني لمعاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وهو يتحدث عن وظيفة الإمام ومهامه وعنايته بحاجات الناس فقال: وإن أنت لم تهنأ (تدهن) جرباها ولم تداوِ مرضاها، ولم تحبس أولاها على أخراها (أي تجمعها لئلا تأكلها الذئاب) عاقبك سيدها.

- وقد استشعر عمرو بن العاص رضي الله عنه مهمة الإمام العادل وأهميته فقال: إمامٌ عادل خير من مطرٍ وابل، وأسد حطوم خيرٌ من سلطان غَشُوم (يعني أقل خطراً)، وسلطان غشوم خير من فتنة تدوم (أي الفوضى بلا دولة).

- وقد روى عبدالله بن عباس رضي الله عنه حديثاً عن رسول الله صلى الله عليه وسلم: "يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة"، ومن هنا تتأكد أهمية الإصلاح السياسي وتقدمه على أي إصلاح.

وهل أفسد الناسَ إلاَّ الملوك وأحبار سوء ورهبانها (العلماء والوعاظ)؟

- الإمارة محببة إلى النفس بل ربما يتفاهم الناس على المال والمتاع حتى مع نزاعهم عليها، ولا يستدعي عندهم شن الحروب إلاّ على الإمارة والملك والسلطة والحكم، وقد يقتتل الأحبة والأصول والفروع على السلطة لا على المال.

- ولما كانت العادات الغالبة لدى الحكام في بعض مراحل الحياة العربية الإسلامية تغليب العدل وحب الثقافة والعلم والاهتمام بالترجمة كان الناس يتبارون في بيتوهم باقتناء الكتب لا المجوهرات والتحف، وبحفظ القرآن وقيام الليل.

وعندما أصبحت غاية الأمراء والولاة القصور والحدائق والمظاهر قلدهم المجتمع ببناء القصور وامتلاك الحُطام وتزاحموا عليها وتسارع اندثارهم.

- يمكن في أي أمة دون استثناء ما دام حكامها بشر يصيبون ويخطئون، يعدلون ويظلمون، يتسامحون ويبطشون أن تقع منهم الأخطاء، لكنّ المجتمع المبصر الذي لا يجمع على باطل سيكون لهم بالمرصاد نصحاً ومحاسبة ومساءلة إن لزم الأمر ليعودوا للجادة، وهكذا استقرت الحالة عند كثير من دول العالم في الغرب بعد مخاضات عسيرة، فهــا أنت تجد رئيس دولة يحاكم ويحكم ويسجن سنين عدداً في أعرق ديمقراطيات العالم، ولم يحدث انقلاب ولا انفلات ولا انتقام في تلك الدولة.

- وأما عند انفلات زمام عقول العلماء وغياب ضمائرهم أو اختيارهم السلامة أو وقوعهم تحت الإغراء أو الترهيب، وعند انفراد الأمراء بالسلطة واتباع الهوى وفقدان البوصلة، وانتشار الظلم والمحسوبية فعندها يصاب هؤلاء بداء السكري القاتل وإن كان ببطء ولا تتوقف آثار المرض على هذين الفريقين (العلماء والأمراء) إنما تمتد آثار الفتنة للمجتمع كله (وَاتَّقُواْ فِتْنَةً لاَّ تُصِيبَنَّ الَّذِينَ ظَلَمُواْ مِنكُمْ خَآصَّةً وَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ {25}‏) (الأنفال).

وفي الحديث الشريف: "كلا والله لتأمرن بالمعروف، ولتنهون عن المنكر، ولتأخذن على يد الظالم ولتأطرنه على الحق أطراً، ولتقصرنه على الحق قصراً، أو ليضربن اللَّه بقلوب بعضكم على بعض ثم ليلعنكم كما لعنهم" (رواه أبو داود والترمذي).

- وقد حسم مسألة الأمراء ابن خلدون بقوله: دولة الإسلام بالظلم تزول، ودولة الكفر بالعدل تطول.

إن استقام حال الأبيضين الملح والسكر فالمجتمع بخير، وإلا فقد أصبحت مهمة المجتمع ورواده وطلائعه ومفكروه صعبة جداً، وعندها يقف على حافة الخطر إن لم يتداركه العقلاء والغيورون.

صحيح أن العالم الصادق النافع (الملح) ليس بحاجة إلى من يُنَصِّبه ويوظفه ويشهد له، فعلمه وعمله وصدقه والتزامه هي مؤهلاته، فإن قصر فيمكن أن تخوفه بالله ثم بالعلم الذي يحمل، بينما الوالي والسلطان والحاكم يفترض أن يختاره الناس وهم مسؤولون عن اختيارهم، فإن قصروا أو انحرف فرأي الشعب وتصميم الشعب وثقة الشعب يمكن أن تصحح مسيره، أو تعفيه مما هو فيه مع أن الولاية حلوة الرضاع (سكر) مرة العظام.

- أما نحن عامة الشعب، فقد قال عنا لقمان الحكيم: إياكم وكثرة الاعتذار فإن الكذب كثيراً ما يخالط المعاذير، ولا عذر لأحد منّا حتى لو ضعف العلماء وجار الأمراء وتآمر المتآمرون وصمت المحايدون.

- امتحن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أحد ولاته فقال له: ماذا تفعل إن جاءك الناس بسارق أو ناهب؟ قال: أقطع يده، فقال عمر: إذا جاءني من رعيتك من هو جائع عاطل فسأقطع يدك، إنَّ الله استخلفنا على خلقه لنسد جوعتهم، ونستر عورتهم، ونوفر لهم حرفتهم.

ولله در العالم الرباني الغزالي رحمه الله الذي قال: كل دعوة تحبب الفقر إلى الناس٬ أو تُرضّيهم بالدون من المعيشة٬ أو تقنعهم بالهون في الحياة٬ أو تصبرهم على قبول البخس، والرضا بالدنيّة وهذا ما يقوم به بعض علماء السلاطين باسم الدين وعملاء السلاطين باسم المصلحة٬ فهي دعوة فاجرة٬ يراد بها التمكين للظلم الاجتماعي٬ وإرهاق الجماهير الكادحة في خدمة فرد أو أفراد، وهي قبل ذلك كله كذب على الإسلام٬ وافتراء على الله، وبذلك المنطق الفاسد الذي سلكه ذلك المحسوب على الدعاة والعلماء، يتم قطع الطريق أمام الاعتراض على الأوضاع الجائرة، والقرارات المستبدة والفساد الإداري، وتحميل الأقدار التبعة.

وإنّ العالم الذي يتذرع بالأقدار في فساد الأوضاع الاقتصادية أشبه بمن يجيز لنفسه ولغيره ارتكاب الموبقات بدعوى أنها قدر مكتوب.

وإنَّها أمانة، فأين المُشَمّرون؟

الثلاثاء, 04 يوليو 2017 14:00

إذن أين مشكلتنا؟ (1 ـ 2)

إنّ مشكلتنا ليست في ارتفاع الأسعار مع أذاها.

ولا في الضرائب اللامتناهية مع خطورتها.

ولا في مصادر الطاقة وكلفتها الباهظة.

ولا في الجمود والتحجر، ولا في الانفلات والتسيب والذوبان وهما الطامة.

إنّها ليست في أصحاب رؤوس المال على أهميتهم وهيمنتهم.

ولا في السياسة الاستعمارية، ولا في المكر الخارجي على خطورته.

ولا في العملاء الصغار أو الكبار فليس في العمالة صغير أو كبير.

وهي ليست في المحسوبية وتوارث المناصب وتدوير المنافع مع أنها مدمرة.

وليست في ذي الوجهين الذي إذا الريحُ مالت مال حيث تميل.

وليست في العقلية الفردية وحب الزعامة وإن كانت أساس التسلط والفشل.

ليست في الأنا المتضخمة على حساب المجموع العام.

إذن أين هي المشكلة؟ ومن أين تأتي؟

إنها أولاً في "الملح"!

وفي "السكر" بالدرجة الثانية!

نعم إنها في الملح وهو سبب مصائب الأمة.

نعم في الملح سيد الأغذية، ورأس الهرم وسيد السادات.

إنها في فسادِ الملح.. وهل يَفْسُدُ الملح؟

وهو الذي يحفظ المواد الغذائية من الفساد والتعفن فهو من أدوات الحفظ لغيره وليس من مواد الفساد.

لذا فإن حصل أنْ فسد فعلى البقية السلام.

إنه الملح والملح أنواع عديدة لكن أخطرها وهو ما أعنيه هنا إنهم العلماء، أو من يسمون بالعلماء في عرف الناس، أو من فرضوا على الناس فرضاً وحملوا اللقب.

العلماء في العادة يذهب إليهم المخطئون والجاهلون والحيارى والمقبلون على الله والمختلفون ليحسموا الأمر، ولينطقوا بالقول الفصل، والمخرج الآمن.

إنهم من يفترض أنهم ورثة الأنبياء عليهم السلام.

إنهم البوصلة والمرجعية عند الاختلاف أو التيه والاضطراب، بهم تعرف القبلة، وتحدد الاتجاهات ويحسم الخلاف.

واليوم وعندما نرى تلجلج العلماء فلا ينطق بعضهم إلا من هوى غيره ولو نطق من هواه لضل وأضل، فكيف إن نطق بهوى ولي نعمته أو تحت ضغط سيف نقمته؟ وبعضهم لا تدري أحي هو أم مات؟

أليسوا هم من علَّموا العامة أن لا اله إلا الله وأنه وحده الضار النافع، الرازق المانع، المحيي والمميت، وأجهدوا أنفسهم بالشرح ورفعوا أصواتهم مستنكرين جهلنا، فما بالهم أفشل الناس في سباق، وأجهلهم في علم، وأكثرهم مخالفة لما يقولون؟ وطالموا قرؤوا وفسروا "يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ.

نعم إنهم يبرعون في اختلاق المعاذير وانتهاج التقيَّة، هذا إن كان بهم من الخير بقية، أو شبهة التزام ورقابة ذاتية.

ومع ذلك فهم الملح، وماذا نفعل إذا الملح فسد؟

وما أصدق من قال لهم دون مواربة:

يا معشرَ العلماءِ يا ملحَ البلد من يُصلحُ الملحَ إذا الملحُ فسد؟

ومن قال لهم: يا عابد الحرمين لو أبصرتنا لعلمت أنك بالعبادة تلعب؟ ويا ويل اللاعبين بالعبادة المسترزقين بالدين.

وقد حسم المسألة الإمام أحمد بن حنبل الذي لم يثبت معه سوى اثنين مات أحدهما في الطريق، والذي قال قولته الشهيرة التي ذهبت مثلاً: إذا سكت العالم تَقِيَّة والجاهلُ يجهل فمتى يظهر الحق؟ وقد وعظه القاعدون أن يقول كما يقول بقية "العلماء" بخلق القرآن فقال: أنظر لهذه الجموع إنها تنتظر ما يقول أحمد لتكتبه.

إنها الفاضحة هذه السنوات للجميع والكاشفة للعلماء أو من يتظاهرون بالعلم ولا يقومون بحقه، وبعضهم لا يكتفي بالسكوت وهو لا ينجيه، إنما ينطق بما يغضب الله والحق والضمير ويرضي ولي نعمته عله يعطيه بعض الفتات، وحسبنا الله ونعم الوكيل، وبعضهم يلوذ بالصمت طلباً للسلامة.

أين العلماء؟ أين أنت يا سعيد بن جبير، ويا أحمد بن حنبل، ويا ابن تيمية، ويا العز بن عبدالسلام، يا سعيد الحلبي الذي قلت: من يمد يده لا يمد رجله.

لن يأتي بجديد من قال: إنهم مُكْرهون، أو مهددون، بأرزاقهم وحرياتهم وهذا أمر طبيعي في زمن الانحراف، ومن هنا تأتي الحاجة لبيانهم ونطقهم ومواقفهم، وماذا عليهم لو لقوا في سبيل ذلك بعض ما علموه للناس وفسروه "أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ"، ألم يأخذ الله عليهم العهد في كتابه "وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ لَتُبَيِّنُنَّهُ لِلنَّاسِ وَلَا تَكْتُمُونَهُ فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا قَلِيلًا فَبِئْسَ مَا يَشْتَرُونَ"، حسبنا الله ونعم الوكيل..

هذا هو الملح النافع والضار.. فما هو السُّكر؟

الأربعاء, 21 يونيو 2017 13:14

أحمد قطيش الأزايدة

رحل كما يرحل الكثيرون عن هذه الدنيا الفانية.

مات ولكن هل كل الموت موت كما أنّ ليس كل حياة حياة؟

لكنه بقي شاهداً يراه من شاء ويسمعه من شاء.

بعد ثلاثمائة شهر بالتمام والكمال تستطيع أن ترى رسمه وسمته وابتسامته، تستطيع أن تشتم رائحة يده الكريمة وفيها الكرم الفطري الذي لا تقف أمامه القدرة المادية.

وَما الخِصبُ للأَضياف أَن يَكثُر القِرى وَلَكِنَّما وَجه الكَريم خَصيب

وهكذا كان وجهه وقراه.

قال لي أحد الأحبة الأصدقاء قبل يومين وهو صديق عتيق من ذلك الجيل الأصيل: كنت إذا اتصلت بفلان وكنت أعاني من صداع يقلقني يخف الصداع أثناء اتصالي مع ذلك الأخ الحبيب، وأشعر أن الصداع يتناقص تدريجياً، الصداع الذي لم تبطله جميع المسكنات، واليوم لو اتصلت ببعضهم لأصابك صداع قد لا يفارقك لأيام!

أبا بلال، كأنك غادرت هذه الجموع الحاشدة بالأمس القريب قبل غروب الشمس، وليس قبل ربع قرن بأيامها ولياليها.

سبحان من يضع القبول لمن شاء من عباده في الأرض، فيحبه أهل الأرض بعد أن يحبه أهل السماء، وإني أراك منهم وهم في الناس قليل، بل هم اليوم أقلُّ من القليل.

لا أنسى أمسية ذلك اليوم قبل ستة وأربعين عاماً، يوم لقيته في أحد المتاجر في مادبا فتقدم مني وسلّم علي بحرارة وقال: هل أنت فلان؟ قلت: نعم، فكرر ترحيبه وهش وبش وقال: لا بد أن تزورني الآن، فاعتذرت بكل أنواع الأعذار، لكنني لم أستطع زحزحة تصميمه في استضافتي في بيت والده رحمه الله، ومن هنا اتصل القلب بالقلب والروح بالروح دون سابق إنذار وهل القلوب بأيدي أصحابها؟ وبعدها غادر إلى مصر لإكمال دراسته، وأنا ذهبت إلى حواره في معهد المعلمين، أنتظر ما يجود به ساعي البريد لتشرق شمس رسالة من الجنوب الغربي من عين شمس، وهو شهر طويلة أيامه، ولا يحطم طول ساعاته إلا "مشروع الكتاب" الذي سيصل على شكل رسالة من ثلاث صفحات أو نحوها، فيها من لغة القلب أعمقها، ومن تصويب اللسان واللغة بأدبٍ جم عظيمها، وفيها من التوجيه الدعوي لا السياسي أجمله.

ولا أنسى معاناة جديدة بعد معاناة انتظار الرسائل حيث كنَّا في انتظار الإفراج عنه من السلطات المصرية التي اعتقلته لعدة أسابيع، عندما زارها بعد تخرجه، فاعتقل هناك ربما بوشاية حاقدة من عيون كانت تتابعه، ولعلها تدرك أن سيكون له شأن عما قريب، وأسرّ لي رحمه الله بعد عودته بقوله: لم أذكر لهم اسماً كاملاً صحيحاً إلا اسمك من أربعة مقاطع فاحذر.

وأما ثالثة الأثافي فهي بعد أن طبَّقت شهرته الآفاق، وسبقه ذكره الطيب، واكتشفه عِليةُ القوم، ومن لم يحبه منهم احترمه مرغماً لسمو أخلاقه وسعة أفقه وقوة حجته وكريم يده، ولكثرة اللغات الاجتماعية والسياسية التي كان يتقنها دون تكلف، فهو المهندس المدني، والشاعر النبطي، وخطيب الجمعة المفوه، والمحلل السياسي، والمفاوض الناجح في تقريب وجهات النظر بين معظم المختلفين معه.

كانت الفاجعة بمرضه الذي كان يرتجف الناس من مجرد ذكر اسمه حينذاك، علماً أن لا قدرة للمرض على موت أحد، ولا قدرة للشفاء على إطالة عمرٍ كذلك.

بعد رحلته الأولى الطويلة للعلاج التي حظي فيها بمرافقته ربما أقرب الناس إلى روحه وفكره الأستاذ صديقه عماد أبو دية، حزم حقائبه هذه المرة ليبقى في الانتظار تسعة أيام متتاليات لعله يستقبل المودعين في المستشفى الإسلامي، وكنت بجانبه لا تفصلنا إلا ساعات النوم، حتى ضحى 20/ 6/ 1992م حيث اجتمع عليه مع مرارة الدواء المتتابع، مرارةُ الواقع والمستقبل المجهول للأمة، والخوف من مستقبل العلاقة مع الصهاينة التي أطلت نذرها بعد كامب ديفيد ومدريد وأوسلو، ولم يسمع بوادي عربة بعد.

صحيحٌ أنَّ حبال الهواء جميلة للعاجزين، ومع ذلك كنا نتعلق بها لعل وعسى أن يشفيه الله.

وبينما كنا في صراع دائم بين الأمل بشفائه، والاستعداد لوفاته وهي حقيقة واقعة تُنتظر بين لحظة وأخرى، حتى أننا طلبنا قبلها بليلة من أحد الإخوة أن يبحث عن مكان قبر له في المقبرة القديمة داخل المدينة التي أحبته وعَمَّرها بيده وعقله ثماني سنين متتاليات، فلما أخبرنا أنه وجد مكاناً، وحُفر القبر وجُهّز، انفجرنا عليه غضباً - سامحنا الله - وفي صباح السبت العشرين من يونيو 1992م غادر (أحمد) إلى لقاء ربه محموداً وتركنا نعافس الدنيا ونطلب سرابها، نخوض ونلعب ونجتر آلامنا بلا أحمد هذه المرة، والأردن اليوم أحوج إلى مثله من حاجته قبل ربع قرن، ولكن عسى الله أن يبارك في ذريته وأن يخلفنا خَيْراً وأن يجمعنا به في الجنة.

أظن وأنا على يقين أنَّ في قلب كل من عرفه مقالاً طويلاً لو تكرم علينا به لكان سِفْر وفاء يستحقه الرجل ليكون بمتناول يد الجميع محل عبرة ودرس، ورحم الله الشيخ حسني أدهم جرار الذي كتب عنه جزءاً من كتاب، وجزى الله الأستاذ فاروق بدران حفظه الله الذي كان أول من كتب عنه، ولكن لا يزال لأبي بلال علينا حقوق كثيرة منها الوفاء له.

وأتمنى على كل من يقرأ هذا المقال أن يتكرم مشكوراً بإرسال المساهمة التي يستطيعها بالكتابة عن الراحل، بحدود صفحتين أو ثلاثة على البريد الإلكتروني:

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

ذكرنا في مقال سابق الخلاف التقليدي بين القوميين والإسلاميين والذي كان لمصلحة عدوهما المشترك فقط، وذكرنا ما يستفاد من القرآن الكريم وحديث الرسول صلى الله عليه وسلم، وأقوال بعض العلماء في هذا الباب، وبخاصة الأستاذ حسن البنا، يرحمه الله، ونظرته للقومية بقلمه وليس نقلاً عنه، والحديث عن القوميين والإسلاميين لا يعني أنهما وحدهما الشعب أو الأمة، إنما هناك شرائح حزبية وقوى وطنية أخرى معنية بالتفاهم والمراجعة والعمل المشترك، ونضيف في هذا المقال ما يلي:

دواعي التفاهم والتعاون والتكامل:

أسباب التفاهم ودواعيه كثيرة جداً وأكبر من نقاط الاختلاف الموهومة ومنها:

1- العروبيون يؤمنون بالوحدة العربية التي تضم قلب العالم الإسلامي، والإسلاميون يؤمنون بالوحدة الإسلامية التي تضم العرب أولاً، ثم الشعوب الأخرى الراغبة بذلك إنْ وجدت، ولم لا يعمل الطرفان سوياً لتحقيق المرحلة الأولى ثم يكمل من شاء بعد ذلك، لوحدةٍ أوسع؟

2- لقد انتفت "القطرية" من الطرحين الإسلامي والقومي على حد سواء، إلاَّ مرحلياً للضرورة وليس إستراتيجياً، وقد اشتركا في الهم العام أو الأعم على مستوى الأمة.

3- وقد اشتركا ديانةً أو قيماً وأخلاقاً عامة، واشتركا في هدف إسعاد مجتمعاتهم.

4- وقد اشتركا في قبول التعددية الفكرية والسياسية.

5- وقد ثبت العداء الصهيوني لكلا الخطين، فالكل مستهدف؛ الإسلامي والقومي على حد سواء، فالدولة الديمقراطية المستقلة المنتمية لشعبها وأمتها مرفوضة، وقد صمم العدو على تدميرها سواء، وهل من حاجة للتدليل على هذا؟ فلم التشاحن والتضاد؟

6- إذا كان العروبيون لا يعترضون على الإسلام عقيدة وأخلاقاً، ولا يتنكرون للإسلام بل ويمارسون الشعائر التعبدية الإسلامية، ويشيرون إلى أنَّ الرسالة الخالدة في شعارهم هي الإسلام، وإذا كان الإسلاميون يتعبدون الله بقراءة الآيات القرآنية التي تمجد العرب عندما تميزوا بالإسلام، وقد نزل الكتاب الخاتم بالعربية (لغة العرب)، وإذا كانت اللغة الحاضنة (العربية) هي لغة القرآن الكريم، فلم التفرق بعد هذا كله؟

قراءة لنتيجة الصراع:

ونتيجة الصراع بين الإسلاميين والقوميين لم تكن صفرية، بل كانت وبالاً على الأمة بأكملها، وقد تجاوزتنا شعوبٌ ودول، وحتى التي استقلت بعدنا وتحررت من الاستعمار، إضافة إلى ضياع كثير من الأرض العربية وتشريد أهلها في أرجاء الأرض، فلم ينجح من كان يرى المخرج والمنقذ، هو وحدة الأمة العربية أو وحدة الأمة الإسلامية لتحقيق هذه الغاية ولم تتم وحدة على أساس عروبي أو إسلامي أو غيرهما.

ولم يستطع أحدهما إلغاء الآخر بقوة السلاح أو قوة المنطق والأيديولوجيا والتي مورست خلال عقود.

بعيداً عن الاختلاف على التفصيلات وعمن يتحمل المسؤولية أكثر من الآخر عن هذا الافتراق بل العداء الشديد الذي ربما فاق مستوى أعداء الأمة الحقيقيين، وقد استنزف الطاقات، وكانت النتيجة مُرّة جداً، ومحصلتها ضياع العرب والعروبة ولم ينتصر دعاة الإسلام، وضاعت قضية الأمة المركزية (فلسطين)، وساد الحكم الدكتاتوري الفردي حفاظاً على الذات من الأعداء الحقيقيين والموهومين، وعاشت الشعوب العربية في ذيل القافلة الإنسانية حتى اليوم.

وتدخلت الأيدي الخارجية الأجنبية بشكل مباشر وغير مباشر، واتخذت وسائل متقدمة وذكية وخفية، لإبقاء الخلاف مشتعلاً حتى بين أبناء الاتجاه الواحد سواء كان قومياً عروبياً أو إسلامياً واعتمدوا منهج "فرّق تسُد" ونجحوا فيه.

يظهر أن الجميع دون استثناء وقع في هذا الشَّرك القاتل الذي لم يستفد منه شعب ولا وطن ولا حزب ولا جماعة ولا دولة ولا أمة ولا عدالة ولا حرية، إنما كان المستفيد الوحيد هو العدو الصهيوني أولاً ومن يقف وراءه.

ويمكن أن تقول: إن "القوميين العروبيين" و"الإخوان المسلمين" تنازعوا واقتتلوا بالوكالة دون وعي منهما لصالح طرف آخر عدو للأمة يهدد حاضرها ومستقبلها ويلغي وجودها حية قوية مستقرة.

كما يمكنني القول: إنه لم تتم مراجعات ذاتية في كلا الخطَّين، ولم تجر حوارات هادفة بين المنهجين، إنما كان الحوار بالسجن والمطاردة والاغتيال والقتل، والتشكيك حتى اليوم فيمن يطرح هذه الأفكار.

لقد انطلى على الفريقين الإسلامي والقومي في ظل الاستسلام للانطباعات والضجيج والعواطف والاتهام الدائم والتسرع والغفلة واستدعاء الخلافات التاريخية، وبسبب النهوض المتثاقل لها، والذي جعلهما بين النوم واليقظة، أنه لا يمكن الجمع بين الإسلامي والقومي، بل إنّ كلاً منهما عدو للآخر، ولا يمكن قيام أحدهما إلا بإلغاء الآخر، بل لا يمكن النهوض إلا بإلغاء الآخر وشطبه، هذه حالة مؤلمة يجب الاعتراف بها ومغادرتها مهما كانت حصة كل فريق منهما من المسؤولية عنها والجهالة فيها.

لقد تأخرنا نصف قرن أو يزيد نحن العروبيين والإسلاميين عن مراجعة جادة لمواقفنا، ولا بد من تحريك المياه الراكدة، وضبط بوصلة الأمة نحو قضاياها الحقة لا المدعاة.

لا بد من ظهور هيئة عليا من الحكماء الأردنيين ليخططوا لنهضة بلدنا بحكمة وبرؤية عربية إسلامية مشتركة مستقلة واعية.

لا أدعو لأن يذوب القوميون في الإسلاميين والإسلاميون في القوميين، إنما لنتوقف عن تقسيم الأمة على هذه الأسس المصطنعة وليذوب الجميع هم وغيرهم في مشروع وطني واحد يُعنى بالهم الداخلي المحلي لكنه لا يغفل البعد القومي والإسلامي والإنساني الأوسع.

واليوم فنحن متفقون على:

1- الخلاف بين الإسلاميين والعروبيين لم يستفد منه إلا العدو الصهيوني، ويجب أن نبحث عن طرق لتجاوزه وحسن إدارته.

2- لا يمكن أن يحصل إصلاح حقيقي قُطْري كامل إلا باعتبار الأمة وحدة واحدة متكاملة.

3- لا بد من إحياء حالة التوافق العربي والإسلامي برؤية واضحة.

4- إنّ الاختلاف الذي يُنَمّى بين أبناء الأمة، ما هو في معظمه إلاَّ على فتات لا قيمة له، أو هو ناجم عن غياب المعلومة الحقيقية والوهم المستمر.

كم تشعر بالألم الشديد وبخاصة عند مراجعة تاريخنا القريب خلال المائة عام الأخيرة والتي كان فيها الجميع ينشد الاستقلال والحرية والعدالة والخير، وقد بذل الآباء والأجداد من دمائهم ومقدراتهم الكثير، أملاً في غدٍ أفضل، ولكن النتيجة كانت ما نشهده اليوم.

والأكثر إيلاماً أن الأمة بدلاً من أن توجه سهامها للخارج دفاعاً عن نفسها، وبناءً لمستقبلها وصالح أبنائها، تصارعت داخلياً صراعاً مريراً، وبخاصة في أبرز مكونين أساسيين فيها، وهما الإسلاميون والقوميون.

الإسلاميون لا يمثلون جميع المسلمين، والعروبيون لا يمثلون جميع العرب، ولكنهما في المقدمة ومسؤوليتهما أكبر.

لكن الاستسلام لهذه الحالة والاستمرار فيها جريمة الجرائم، ولا بد من رواد صادقين يصححون الخطيئة ويستدركون ما فات، ويقلبون الصفحة، ويخترقون الحالة الموروثة بتجاوز عقدهم جميعها، ويبنون غداً واعداً، وهل يعتبرون هذا من أوجب واجباتهم الوطنية والدينية والقومية ولا يُصغون لوسوسة البعض الجاهز للتيئيس دائماً لتسهيل القعود والتكامل وتسويقه بالقول هذه أماني، وخيال، واستعراض وثرثرة، ولكن هذا هو الطريق ولا مخرج سواه، فهل من مبادر يمد يده؟

 

الصفحة 2 من 7
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top