د.أشرف دوابة

د.أشرف دوابة

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أعلن الرئيس الأمريكي «دونالد ترمب» في 6 ديسمبر 2017م قراره الجائر باعترافه بالقدس عاصمة لـ»إسرائيل» ونقل السفارة الأمريكية لها في وقت لاحق، متحدياً بذلك مشاعر أكثر من مليار و600 مليون مسلم في بقاع المعمورة، ويأتي قرار «ترمب» بعد مائة عام مضت على «وعد بلفور» الذي به أعطى من لا يملك أرض فلسطين لمن لا يستحق، ولم يكتف «ترمب» بذلك، بل استخدمت الولايات المتحدة حق «الفيتو» في الأمم المتحدة للحيلولة دون رفض قرار «ترمب».

تسارعت تلك الأحداث، والعالم الإسلامي يشهد المدافع عن حرمة القدس والمتواطئ الذي لبس لباس الصهاينة وإن تسمى بأسماء إسلامية وارتدى لباساً عربياً، حتى إن تحرك منظمة التعاون الإسلامي بقيادة تركيا ضد قرار «ترمب» وجد من يعوقه ويحول دون فاعليته حتى اقتصر حضور قمة القدس بإسطنبول على ستة عشر رئيس دولة إسلامية في الوقت الذي زاد عددهم في قمة «ترمب» بالرياض على خمسين رئيس دولة إسلامية التي عاد منها «ترمب» محملاً باتفاقيات اقتصادية وعسكرية بلغت 460 مليار دولار، ووصف «ترمب» في حينها تلك الصفقات في حسابه على «تويتر» بـ»الحلب»، وأنه سوف يترتب عليها توفير وظائف للأمريكيين.

وفي ظل تلك الظروف العصيبة التي يتم فيها تقديم القدس والأقصى لقمة سائغة للصهاينة من قبل الأمريكيين، ونسيان أو تناسي تلك القضية باعتبارها قضية المسلمين الأولى والمحورية بفعل فاعل، ينبغي التأكيد على أن هذه الأرض المباركة هي أرض وقفية؛ بها أولى القبلتين ومسرى النبي الأمين، وهي الامتداد الطبيعي لمكة المكرمة والمدينة المنورة ومحور الدفاع عنهما، ومن ثم تبدو أهمية بذل الغالي والنفيس لتحرير فلسطين، وإذا كان التخاذل الرسمي بدا واضحاً جلياً من بعض الدول في الواقع العملي ودون حياء، فإن نبض الشعوب ما زال باقياً، ولن تموت قضية يحملها شعب في قلبه، ويضعها في بؤرة اهتماماته باعتبارها قضية إسلامية مقدسة والبعد عن تقزيمها بوصفها بالعربية أو الفلسطينية، فالكيان الصهيوني يتباهى بدولته الدينية التي سماها باسم نبي من أنبياء الله.

الجهاد الاقتصادي

إن ما تمر به فلسطين من اعتداء سافر وما يلقاه الصهاينة من دعم واضح من الإدارة الأمريكية لا سيما في قرارها الأخير بتهويد القدس يوجب على الشعوب الإسلامية السعي نحو الجهاد الاقتصادي لتحرير الأقصى، ولا أقل في الوقت الراهن من القيام بهذا الجهاد إيجاباً وسلباً باعتبار ذلك من أضعف الإيمان.

ونقصد بالجهاد الاقتصادي الإيجابي تربية النفس وتطويعها على الإنفاق في سبيل الله، والخروج من دائرة استعباد المال، بتخصيص مبلغ شهري من دخل الفرد لدعم قضية فلسطين، وليتذكر كل مسلم ما شهدته غزوة “تبوك” من معالم ونماذج، فقد تسابق المسلمون في إنفاق الأموال وبذل الصدقات، وكان عثمان بن عفان قد جهز عيراً للشام، 200 بعير بأقتابها وأحلاسها، و200 أوقية، فتصدق بها، ثم تصدق بـ100 بعير بأحلاسها وأقتابها، ثم جاء بـ1000 دينار فنثرها في حجر النبي صلى الله عليه وسلم، فكان رسول الله يقلبها ويقول: “ما ضر عثمان ما عمل بعد اليوم”، ثم تصدق عثمان وتصدق حتى بلغ مقدار صدقته 900 بعير و100 فرس غير النقود.

وجاء عبدالرحمن بن عوف بـ100 أوقية فضة، وجاء أبو بكر بماله كله، ولم يترك لأهله إلا الله ورسوله، وكانت 4 آلاف درهم، وهو أول من جاء بصدقته، وجاء عمر بنصف ماله، وجاء العباس بمال كثير، وجاء طلحة، وسعد بن عبادة، ومحمد بن مسلمة، كلهم جاؤوا بمال، وجاء عاصم بن عدي بـ90 وسقاً من التمر، وتتابع الناس بصدقاتهم قليلها وكثيرها، حتى كان منهم من أنفق مداً أو مدين لم يكن يستطيع غيرها، وبعثت النساء ما قدرن عليهن من مسك ومعاضد وخلاخل وقرط وخواتيم.

وقد وصل الأمر غايته في هذه الغزوة حينما جاء سبعة من بني مقرن إلى رسول الله لا يجدون ما يساهمون به في الإنفاق، وطلبوا من الرسول أن يحملهم معه في هذه الغزوة، ولم يجد الرسول ما يحملهم عليه فتولوا وأعينهم تفيض من الدمع، حتى سموا بـ”البكائين السبعة”، ونزل فيهم قرآن يُتلى حتى قيام الساعة؛ (وَلاَ عَلَى الَّذِينَ إِذَا مَا أَتَوْكَ لِتَحْمِلَهُمْ قُلْتَ لاَ أَجِدُ مَا أَحْمِلُكُمْ عَلَيْهِ تَوَلَّواْ وَّأَعْيُنُهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ حَزَناً أَلاَّ يَجِدُواْ مَا يُنفِقُونَ {92}‏) (التوبة)، ولم يمسك أحد يده ويبخل بماله في هذه الغزوة إلا المنافقون؛ (الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقَاتِ وَالَّذِينَ لاَ يَجِدُونَ إِلاَّ جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللّهُ مِنْهُمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ {79}‏) (التوبة).

وقد كانت غزوة «تبوك» صورة واضحة كاشفة لنعمة الإيمان ومعرة النفاق، وكذلك اليوم ما يدور على أرض فلسطين يكشف بوضوح حقيقة المجاهدين المرابطين، ويفضح بامتياز حقيقة المنافقين المتصهينين، فليحرص كل مسلم أن يكون في زمرة المجاهدين المرابطين في أرض فلسطين بالمال أو النفس، وليفر من أن يكون منافقاً متصهيناً مخذلاً لجهاد إخوانه في فلسطين الذين قال في حقهم رسول الله: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين لعدوهم قاهرين لا يضرهم من خالفهم إلا ما أصابهم من لأواء حتى يأتيهم أمر الله وهم كذلك»، قالوا: يا رسول الله، وأين هم؟ قل: «ببيت المقدس وأكناف بيت المقدس» (رواه الطبراني).

وليعلم كل مسلم غيور على دينه يستشعر بالتبعة والمسؤولية تجاه إخوانه في أرض فلسطين أن الدولة العبرية تعتمد بشكل رئيس على ما يجمع إليها من تبرعات، فما من اقتصاد في العالم يعتمد على المساعدات الخارجية مثل الاقتصاد «الإسرائيلي»، حيث تصل هذه المساعدات في وقت السلم إلى ما بين 6 - 7 مليارات دولار سنوياً، بين مساعدات رسمية وغير رسمية، ويقدر حجم المساعدات الأمريكية فقط المقدمة لـ»إسرائيل» منذ عام 1949 وحتى نهاية عام 2012م بمبلغ 112 مليار دولار أمريكي، وشكلت تلك المساعدات منذ عام 1950 حتى العام 2012م نسبة 4% من مجموع الناتج المحلي «الإسرائيلي».

سلاح المقاطعة

أما الجهاد الاقتصادي السلبي فنقصد به مقاطعة السلع والخدمات الصهيونية، إضافة إلى أهمية التركيز في الوقت الحالي ومستقبلاً على مقاطعة السلع والخدمات الأمريكية بصورة منظمة وبنَفَس طويل، وكذلك عدم الاحتفاظ بأرصدة دولارية وتغييرها إلى عملات أخرى، فضلاً عن اتجاه المستوردين إلى إحلال العملات الأخرى محل التعامل بالدولار.

وإذا كان سلاح المقاطعة يمثل أضعف الإيمان والحد الأدنى المطلوب للمقاومة، فإنه في حقيقته سلاح فعَّال ومهم، فأمريكا تناصر دولة الكيان الصهيوني بالباطل، مستخدمة في ذلك المال والسلاح و”الفيتو” الأمريكي، ولا ينبغي لنا أن نستخدم أموالنا في دعم عدونا، والمساهمة في تحويل هذه الأموال إلى صواريخ وقذائف مدفعية ورصاص تستقر في صدور إخواننا في فلسطين.

والمقاطعة الاقتصادية ليست بدعاً، فقد عرفها وطبقها المشركون في مكة على بني هاشم وبني المطلب حتى يسلموا إليهم رسول الله للقتل، وامتنعوا عن البيع لهم أو الابتياع منهم، وقطعوا عنهم الميرة والمادة، حتى بلغهم الجهد والتجؤوا إلى أكل الأوراق والجلود.

كما طبقها ثمامة بن آثال الحنفي بعد إسلامه على مشركي مكة، فقد خرج معتمراً بعد إسلامه، فلما قدم مكة قالوا: أصبوت يا ثمامة؟ فقال: لا، ولكني اتبعت خير الدين، دين محمد، ووالله لا تصل إليكم حبة من اليمامة حتى يأذن فيها رسول الله، ثم خرج إلى اليمامة، فمنعهم أن يحملوا إلى مكة شيئاً، فكتبوا إلى رسول الله: إنك تأمر بصلة الرحم، وإنك قد قطعت أرحامنا، وقد قتلت الآباء بالسيف، والأبناء بالجوع، فكتب رسول الله أن يخلي بينهم وبين الحمل.

وفي القرن الماضي قاطع الزعيم الهندي “غاندي” العادات والمنتجات البريطانية، وحمل الهنود على ذلك؛ حتى أعلنت بريطانيا سحب آخر جندي إنجليزي من الهند عام 1947م، كما قاطعت مصر المنتجات البريطانية بعد أحداث ثورة 1919م، وعقب معاهدة 1936م حتى تم إلغاؤها عام 1951م.

وفي حرب أكتوبر 1973م حققت المقاطعة الاقتصادية العربية من خلال سلاح البترول نصراً فريداً، حتى قال الملك فيصل قولته الشهيرة لـ”كسينجر”، وزير الخارجية الأمريكي، الذي جاء يساومه حينذاك: “إننا على استعداد أن نعيش بالتمر والماء وفي الخيام على ألا نفرط في حقوقنا”.

وفي أيامنا هذه، مازلنا نجد فرنسا تقاطع ليل نهار ليس البضائع الأمريكية فحسب، بل اللغة الإنجليزية، والأفلام والوجبات الأمريكية.

بل إن أمريكا نفسها طبقت سلاح المقاطعة ما بين عامي 1993 - 1996م ستين مرة ضد 35 بلداً ومازالت تطبقه، وإن استخدمته بشكل مقلوب ووحشي من خلال حصارها للدول والشعوب غير الموالية لها من كوبا إلى إيران مروراً بليبيا وكوريا الشمالية والسودان والعراق الذي فرضت عليه مقاطعة شاملة منذ أغسطس عام 1990م وحتى عدوانها عليه واحتلاله وإسقاط نظام “صدام حسين” في عام 2003م.

بل إن “إسرائيل” نفسها طبقت سلاح المقاطعة على السلع البلجيكية في عام 2003م، وطلبت من يهود العالم عدم شراء هذه السلع رداً على قرار المحكمة العليا البلجيكية بإمكانية محاكمة “أرييل شارون”، رئيس الوزراء “الإسرائيلي”، كمجرم حرب بمجرد خروجه من الوزارة وانتهاء حصانته، وقد أدت هذه المقاطعة إلى تراجع السلطات البلجيكية عن موقفها بشأن هذه المحاكمة.

فلا قيمة لما يردده الواهنون والمخذلون والمنهزمون من عدم جدوى المقاطعة، فما لا يدرك كله لا يترك كله، ومن المعروف أن الولايات المتحدة دولة تحركها المصالح، والمطلع على آليات العمل السياسي الأمريكي بها يجد أنها لا يحكمها السياسيون بقدر ما يحكمها رجال المال والأعمال.

فالسياسيون وأعضاء مجلس الشيوخ والنواب في غالبيتهم يمثلون الشركات الكبرى الأمريكية، والإضرار بمصالح هذه الشركات وأرباحها إضرار مباشر باللاعبين الحقيقيين خلف الستار القادرين على تحويل مسار السياسة الأمريكية بالفعل لا بالقول، وهو ضرب على العصب الحساس العاري.

إن مقاطعة السلع والمنتجات الأمريكية سيؤدي إلى كساد تلك المنتجات وتكدسها في مستودعات الشركات، ومن ثم انخفاض دخل تلك الشركات، واضطرارها إلى تسريح الآلاف من العمال، وبالتالي انتشار البطالة؛ مما يشكل عامل ضغط على الحكومة الأمريكية للنظر في سياستها مرات ومرات، وهو ما قد يصل بها في نهاية المطاف إلى تغيير سياستها وفقاً لمصالحها المادية في بلد النفوذ فيه لرأس المال، وهذا ما أكده البروفيسور الفرنسي المسلم “روجيه جارودي” في قوله: “إن نقطة ضعف الولايات المتحدة الاقتصاد، وهي مهددة بانفجار رأسمالي أسوأ مما حدث عام 1929م؛ مما دفع “بول ماري دولاجورس” ليطلق عليها لقب الإمبراطورية الأخيرة، فهناك 33 مليون أمريكي يعيشون تحت خط الفقر، وهناك طفل من ثمانية أطفال لا يأكل ما يكفي لسد جوعه، إن هذه المعادلة تؤكد أن الولايات المتحدة لا تستطيع أن تتحمل أبداً خسارة مليار أو مليارين من زبائنها؛ إذ سيؤدي ذلك إلى الانهيار الفعلي للاقتصاد الأمريكي”.

وختاماً؛ فإنه تبدو أهمية تحويل الجهاد الاقتصادي الفردي إيجاباً وسلباً إلى عمل مؤسسي من خلال مؤسسات المجتمع المدني حتى يكتب له الفعالية والاستمرار، كما أن الأمل لا يزال معقوداً نحو بعض الدول الإسلامية الحرة للعمل على تقنين ذلك والدعوة إليه وخلق الوعي به، مع تفعيل نظام المدفوعات الثنائية بين تلك الدول بعيداً عن الدولار الأمريكي.

  

في صبيحة يوم الإثنين الثاني عشر من شهر ربيع الأول في عام الفيل، شهدت مكة المكرمة ولادة أفضل الخلق في أشرف بيت من بيوتها، فقد اصطفاه الله من بني هاشم، واصطفى بني هاشم من قريش، واصطفى قريشاً من سائر العرب.

في ذكرى هذا الميلاد الكريم تبرز العديد من الجوانب الاقتصادية التي ارتبطت بميلاد الرسول صلى الله عليه وسلم حتى بعثته، وسوف نتناول هنا جانبين مهمين؛ أولهما: البركة الاقتصادية، وثانيهما: ترسيخ قيمة العمل والاعتماد على النفس.

أولاً: البركة الاقتصادية:

إذا كان مولد النبي صلى الله عليه وسلم بركة للعالمين، فإن مظاهر البركة الاقتصادية لرسول الله صلى الله عليه وسلم بدت بصورة واضحة منذ نعومة أظفاره مع مرضعته حليمة بنت ذؤيب السعدية التي لم تجد حيلة إلا أخذه بعد أن امتنعت المرضعات عن ذلك ليتمه، فكان فاتحة خير عليها وعلى أهلها.

وفي هذا تقول: «خرجت من بلدي مع زوجي، وابن صغير لي أرضعه في نسوة من بني سعد بن بكر، ألتمس الرضعاء، في سنة شهباء لم تبق لنا شيئاً، وخرجت على أتان لي قمراء، معنا شارف لنا، والله ما تبض بقطرة، وما ننام ليلنا أجمع من صبينا الذي معنا، من بكائه من الجوع، ما في ثديي ما يغنيه، وما في شارفنا ما يغذيه، ولكنا كنا نرجو الغيث والفرج، فخرجت على أتاني تلك فلقد أدمت بالركب حتى شق ذلك عليهم ضعفاً وعجفاً، حتى قدمنا مكة نلتمس الرضعاء، فما منا امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه، إذا قيل لها: إنه يتيم، وذلك أنا إنما كنا نرجو المعروف من أبي الصبي، فكنا نقول: يتيم وما عسى أن تصنع أمه وجده فكنا نكرهه لذلك، فما بقيت امرأة قدمت معي إلا أخذت رضيعاً غيري.

فلما أجمعنا الانطلاق قلت لصاحبي: والله إني لأكره أن أرجع من بين صواحبي ولم آخذ رضيعاً، والله لأذهبن إلى ذلك اليتيم فلآخذنه، قال: لا عليك أن تفعلي، عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة، قالت: فذهبت إليه فأخذته، وما حملني على أخذه إلا أني لم أجد غيره، قالت: فلما أخذته، رجعت به إلى رحلي، فلما وضعته في حجري أقبل عليه ثدياي بما شاء من لبن، فشرب حتى روي وشرب معه أخوه حتى روي، ثم ناما وما كنا ننام معه قبل ذلك، وقام زوجي إلى شارفنا تلك، فإذا إنها لحافل، فحلب منها ما شرب، وشربت معه حتى انتهينا رياً وشبعاً، فبتنا بخير ليلة. 

وقال صاحبي حين أصبحنا: تعلمي والله يا حليمة، لقد أخذت نسمة مباركة، فقلت: والله إني لأرجو ذلك، قالت: ثم خرجنا وركبت أتاني، وحملته عليها معي، فوالله لقطعت بالركب ما يقدر عليها شيء من حمرهم، حتى إن صواحبي ليقلن لي: يا ابنة أبي ذؤيب، ويحك اربعي علينا، أليست هذه أتانك التي كنت خرجت عليها؟ فأقول لهن: بلى والله، إنها لهي هي، فيقلن: والله إن لها لشأناً.

ثم قدمنا منازلنا من بلاد بني سعد وما أعلم أرضاً من أرض الله أجدب منها، فكانت غنمي تروح على حين قدمنا به معنا شباعاً لبناً، فنحلب ونشرب، وما يحلب إنسان قطرة لبن، ولا يجدها في ضرع، حتى كان الحاضرون من قومنا يقولون لرعيانهم: ويلكم اسرحوا حيث يسرح راعي بنت أبي ذؤيب، فتروح أغنامهم جياعاً ما تبض بقطرة لبن، وتروح غنمي شباعاً لبناً، فلم نزل نتعرف من الله الزيادة والخير حتى مضت سنتاه وفصلته».

ثانياً: ترسيخ قيمة العمل والاعتماد على النفس:

لم يركن النبي صلى الله عليه وسلم منذ صغره إلى الاعتماد على غيره، فبعد أن ذاق اليتم ثلاث مرات: يتم الأب وهو في بطن أمه، ويتم الأم وهو ابن خمس سنين، ويتم من تولى كفالته وهو جده عبد المطلب وهو ابن ثماني سنين، وانتقال كفالته لعمه أبي طالب، رأي الحالة الاقتصادية غير المتيسرة لعمه، فعمل صلى الله عليه وسلم برعي الغنم لمساعدة عمه، وفي الحديث: «ما بعث الله نبياً إلا رعى الغنم»، فقال أصحاب: وأنت: فقال: «كنت أرعاها على قراريط لأهل مكة» (رواه البخاري).

إن اعتماد النبي على ذاته في الكسب رسالة واضحة بأن الكلمة حتى تخرج من الفم حرة أبية يجب ألا يتحكم في إطعام هذا الفم غير صاحبه، وأن من يكون عالة على غيره لا يمكن أن يكون قراره ناتجاً عن إرادة حقيقية، فالمسلم مطالب بالاعتماد في معيشته على جهده وكدّه، حتى لا يكون لأحد من الناس منة أو فضل يحول بينه وبين الصدع بالحق.

وإذا كان النبي صلى الله عليه وسلم لم يتكبر على عمل وعمل برعي الغنم، فإنه بعد ذلك عمل رجل أعمال في مال سيدة أعمال من أشراف وسادات قريش هي السيدة خديجة بنت خويلد رضي الله عنها، حيث بلغها صدق محمد صلى الله عليه وسلم وأمانته وكرم أخلاقه، فعرضت عليه أن يخرج في مالها إلى الشام تاجراً، ورأت خديجة رضي الله عنها من البركات الاقتصادية في مالها ما لم تجده من قبل، وكان ذلك سبباً في طلبها الزواج من النبي صلى الله عليه وسلم.

إن ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم فرصة لتجديد القلوب بمحبته، وإبراز قيمة الاقتصاد في حياة الأمة، فالأمة التي تهمل إنتاجها ولا تستغل مهارات وقدرات أبنائها، وتعتمد على غيرها في تلبية حاجاتها هي أمة ضائعة ومغيبة، فلا مكان يذكر لاقتصادها، ولا مستقبل مشرقاً ينتظرها.

وما أحوجنا في ذكرى ميلاد النبي صلى الله عليه وسلم أن نتمثل الشخصية الاقتصادية الناجحة والمتميزة التي لخصتها السيدة خديجة رضي الله عنها في قولها لرسول الله صلى الله عليه وسلم يوم نزول الوحي عليه: «إنك لتصل الرحم وتحمل الكل وتكسب المعدوم وتعين على نوائب الحق».

 

الثلاثاء, 07 نوفمبر 2017 11:09

«البيتكوين».. رؤية إسلامية

 

ـ نقود غير ملموسة تأخذ صورة وحدات إلكترونية وتستخدم في عمليات البيع والشراء والتحويل

 

فرضت النقود الإلكترونية نفسها في ساحة الاقتصاد العالمي، ولم تشغل فقط الدول الغربية، بل تشابكت وتعددت الأسئلة عنها في الدول الإسلامية لا سيما فيما يتعلق بالحكم الشرعي للتعامل بها، وكذلك في ظل ما أثارته عملة «البيتكوين» (Bitcoin) من إشكاليات وتساؤلات.

بداية؛ النقود الإلكترونية هي عبارة عن نقود غير ملموسة، تأخذ صورة وحدات إلكترونية وتخزن في مكان آمن على “الهارد ديسك” لجهاز الكمبيوتر الخاص بالعميل يعرف باسم “المحفظة الإلكترونية”، ويمكن للعميل أن يستخدم هذه المحفظة في إتمام عمليات البيع أو الشراء والتحويل وخلافه.

وتعتمد فكرة النقد الرقمي على قيام العميل (المشتري) بشراء عملات إلكترونية من البنك الذي يقوم بإصدارها، ويتم تحميل هذه العملات على الحاسب الخاص بالمشتري، وتكون في صورة وحدات عملة صغيرة القيمة، ولكل وحدة رقم خاص أو علامة خاصة من البنك المصدر، وبالتالي تعمل هذه العملات الإلكترونية محل العملات العادية، وتكون بنفس القيمة المحددة عليها وتسمى “Tokens”.

وعند قيام المستخدم بالشراء من بائع يتعامل بالعملات الإلكترونية يقوم المشتري باختيار السلع ومعرفة أسعارها، ثم يقوم بإصدار أمر عن طريق الكمبيوتر بدفع قيمة مشترياته باستخدام العملات الإلكترونية المسجلة على الحاسب الخاص به.

ويتم نقل العملات الإلكترونية Tokens من خلال البنك المُصدر لها الذي يقوم بالتأكد من صلاحية العملات وعدم تزييفها أو نسخها ويقوم بتحميلها على الحاسب الخاص بالبائع، ويظهر لدى البائع زيادة في قيمة النقدية بالمبلغ الذي تمت إضافته مقابل شراء الأصناف المحددة في طلب شراء المشتري.

ويمكن للبائع تحويل العملات الإلكترونية المتاحة لديه إلى عملات حقيقية من خلال البنك المصدر.

أنواع «البيتكوين»

ويوجد نوعان أساسيان من النقود الإلكترونية:

1- النقود الإلكترونية الاسمية: حيث تحتوي وحدة النقد الإلكتروني على معلومات تتعلق بهوية كل الأشخاص الذين تداولوها، وهي في هذا تشابه بطاقات الائتمان حيث يستطيع البنك أن يقتفي أثر وحدة النقد التي أصدرها أثناء تداولها.

2- النقود الإلكترونية غير الاسمية: حيث يتم تداول وحدة النقد دون الإفصاح عن حاملها إلا إذا حاول شخص ما أن ينفقها أكثر من مرة واحدة.

وأيضاً هناك نوعان من عمليات تداول النقود الإلكترونية:

النوع الأول: عمليات تتدخل فيها البنوك؛ حيث تتطلب عملية تداول وحدة النقد الإلكتروني بين طرفين أن يتدخل البنك المصدر لاعتمادها أو تعزيز إصدارها، ويعرف هذا النوع باسم On-Line E. Cash.

النوع الثاني: عمليات تعرف باسم Off-Line E.Cash؛ حيث يتم تداول وحدات النقد الإلكتروني بين الأطراف المختلفة دون تدخل البنوك، وهي تشبه في هذا عمليات تداول النقد العادي.

وهذا النوع الثاني برز منه “البيتكوين” كعملة إلكترونية افتراضية يديرها مستخدموها بحيث تحقق مبدأ “الند للند” Peer-to-Peer.

وتتكون عملة “البيتكوين” من عنوان رقمي مربوط بمحفظة إلكترونية، وكل “بيتكوين” مقسم لمائة مليون وحدة تسمى “ساتوشي”، وعند شراء السلعة بـ”بيتكوين” واحد فإن “البيتكوين” يتحول بضغطة زر إلى محفظة البائع التي تمثل تطبيقاً إلكترونياً، وإذا أراد شخص ما تحويل قيمة معينة من “البيتكوين” إلى شخص آخر؛ فإنه يستخدم ما يسمى بالتوقيع الرقمي الذي يحتوي على رسالة التحويل، والرقم الخاص بـ”البيتكوين”، والعنوان المعلن للشخص الذي سيستلم “البيتكوين”، وعندما يتم تحويل “بيتكوين” إلى محفظة أخرى فإن التحويل يذهب إلى شبكة “البيتكوين” ويدخل في عملية التأكد ويتم حفظه في سلسلة البلوكات (Blockchain)،

وقد ظهر “البيتكوين” في بحث عن العملات المشفرة أصدره تقني مجهول لقب نفسه بـ”ساتوشي ناكاموتي”، وتم طرح “البيتكوين” للتداول في عام 2009م بقيمة 0.0001 دولار، وارتفع في منتصف عام 2011م إلى 35 دولاراً، ووصل في بداية عام 2017م إلى 1000 دولار، ثم تصاعد “البيتكوين” بشكل سريع حتى وصل إلى نحو 6055 دولاراً في 21 أكتوبر الماضي.

ومن المتعارف عليه اقتصادياً أن البشرية عرفت من النظم النقدية ما هو سلعي وما هو ائتماني، وقد بدأت النظم النقدية السلعية بالمقايضة فالنقود السلعية فالنقود المعدنية ثم النقود النائبة التي كانت تنوب عن الذهب والفضة في التبادل وتصرف بهما عند الطلب، أما النظم النقدية الائتمانية فهي نظم لا تستمد فيها النقود قيمتها من ذاتها، ولكن من قبول الأفراد في معاملاتهم لها؛ لذا فطبيعة المادة المصنوعة منها النقود الائتمانية ليس لها اعتبار، والسمة الأساسية لها هي انقطاع صلتها كنقد عن قيمتها السلعية؛ فهي أقل منها بكثير، والنقود الائتمانية لا اعتراض عليها ابتداء في الإسلام ما دامت تتسم باحتفاظها بالقوة الشرائية ولا تستخدم مصدراً للإيراد.

رؤية إسلامية

إن نظرة الإسلام للنقود بصفة عامة تتفق مع ما جاء في تعريفها الاقتصادي الذي يركز فيه الاقتصاديون على وظائف النقود متجاوزين تعريفها بسلطة الإصدار أو المكون الذاتي لها، حيث تعرف النقود بأنها: أي شيء يلقي قبولاً عاماً كوسيط للتبادل، ويصلح في الوقت ذاته مقياساً للقيم وحفظ الثروة وتسوية الديون والالتزامات.

وقد فطن العديد من الفقهاء المسلمين لوظائف النقود الأساسية من كونها مقياساً للقيم، ووسيطاً للتبادل، ومستودعاً للقيمة، ومعياراً للمدفوعات الآجلة، قبل أن يهتدي إليها الفكر الاقتصادي التقليدي، وتناولوها في كتبهم بالبيان والتوضيح، ومنهم الإمام الغزالي، والكاساني، وابن الهمام، وابن العربي، وابن تيمية، وابن القيم، وابن خلدون.. وغيرهم.

لذا فإن الطبيعة السلعية للنقود من كونها ذهباً أو ورقاً أو خلاف ذلك ليست محل اعتبار ما دامت تؤدي وظائفها بصورة شرعية، وقد همَّ الخليفة العادل عمر بن الخطاب رضي الله عنه باتخاذ الدراهم من جلود الإبل، وما منعه من ذلك إلا خشيته على البعير من الانقراض.

وها هو ابن تيمية يعكس المنظور الإسلامي للنقود بقوله: “وأما الدرهم والدينار فما يعرف له حد طبعي ولا شرعي، بل مرجعه إلى العادة والاصطلاح، وذلك لأنه في الأصل لا يتعلق المقصود به، بل الغرض أن يكون معياراً لما يتعاملون به، والدراهم والدنانير لا تقصد لنفسها بل هي وسيلة إلى التعامل بها، ولهذا كانت أثماناً بخلاف سائر الأموال، فإن المقصود الانتفاع بها نفسها، فلهذا كانت مقدرة بالأمور الطبعية أو الشرعية، والوسيلة المحضة الذي لا يتعلق بها غرض لا بمادتها ولا بصورتها يحصل بها المقصود كيفما كانت”.

فالعبرة شرعاً بقيام النقود بوظائفها بأن يتاجر بها باعتبارها وسيطاً للتبادل لا المتاجرة فيها وتحويلها إلى سلعة والخروج بها عن وظائفها.

وبالنظر إلى العملات الإلكترونية التي تدخل البنوك لاعتمادها أو تعزيز إصدارها، نجد أنها لا غرر فيها أو جهالة، وتستمد قبولها العام من قوة القوانين المنظمة لها، وهذا لا غبار عليه من الناحية الشرعية مادام يتم في تداولها مراعاة قواعد التعامل الشرعي بالتماثل والتقابض ولو حكمياً عند اتحاد الجنس، والتقابض ولو حكمياً دون التماثل عند اختلاف الجنس.

أما غير ذلك من العملات الإلكترونية التي لا دخل للبنوك فيها ومنها عملة “البيتكوين” نجد أن فيها غرراً وجهالة بمن يصدرها ومن ثم بالجهة التي تضمن إصدارها، كما أنها تفتقد للقبول العام، وغلبت عليها المضاربات، فأصبح تحرك سعرها يتسم بالتذبذب والمغالاة، وتحولت إلى كونها مصدراً للإيراد ووسيلة لغسل الأموال، وأصبح من الصعوبة اعتبارها مستودعاً للقيمة، ومعياراً للمدفوعات الآجلة، وهو ما لا يتفق مع القواعد والمقاصد الاقتصادية الإسلامية.

لذا؛ فإن قبول عملة “البيتكوين” إسلامياً - حتى لو تحققت في تداولها قواعد التعامل الشرعي - مرهون برفع الغرر والجهالة عنها من خلال معرفة الجهة التي تصدرها وقدرتها على ضمان الإصدار، وكذلك تحقيق القبول العام لها، وتوافر عوامل الأمان فيها بصورة تمنع تبخرها من حسابات مستخدميها بحواسبهم الشخصية وضياع حقوقهم، والمتاجرة بها لا فيها، وهو ما لا يتوافر في وضعها الحالي بصورة تجعلها خدعة كما وصفها “جيمي ديمون”، الرئيس التنفيذي لبنك “جي بي مورجان”، والله تعالى أعلم.

  

يعيش إخواننا مسلمو الروهنجيا في واقعنا المعاصر حرب إبادة جماعية على يد جيش ميانمار البوذي بأركان، ذلك الجيش الذي ينتزعهم من الأرض نزعاً، ويثخن فيهم بالقتل، تارة بتقطيع الأعضاء، أو بالحرق بالنار، أو الصلب على الأشجار حتى الممات، وغيرها من وسائل القتل التي لا تخطر على بال أحد.

أعادت تلك الأحداث الجسام إلى الذاكرة قصة أصحاب الأخدود التي تناولتها سورة «البروج» بقوله تعالى: (وَالسَّمَاء ذَاتِ الْبُرُوجِ {1} وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ {2} وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ {3} قُتِلَ أَصْحَابُ الْأُخْدُودِ {4} النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ {5} إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ {6} وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ {7} وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلَّا أَن يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ {8} الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ {9}) (البروج).

كما أعادت تلك الأحداث الجسام إلى الذاكرة حديث النبي صلي الله عليه وسلم لخباب بن الأرت رضي الله عنه حينما قال: «شكَوْنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو متوسّدٌ بردةً له في ظل الكعبة، قلنا له: ألا تستنصر لنا؟ ألا تدعو الله لنا؟ قال: «كان الرجلُ في من قبلكم يُحفَرُ له في الأرض، فيُجعل فيه، فيُجاء بالمنشار، فيُوضَع على رأسه، فيُشقُّ باثنتين، وما يصدُّه ذلك عن دينه، ويُمشَط بأمشاط الحديد ما دون لحمه من عَظْم أو عصَب، وما يصدُّه ذلك عن دينه، والله ليُتمنَّ هذا الأمرَ حتى يسيرَ الراكبُ من صنعاء إلى حضرموت لا يخاف إلا اللهَ أو الذئبَ على غنمِه، ولكنكم تستعجلون» (رواه البخاري).

صمت إسلامي

لقد أدت هذه الحرب الضروس على مدنيين مسلمين عزل إلى مقتل أكثر من 3 آلاف مسلم من الروهنجيا، وفرار مئات الآلاف من آراكان إلى بنجلاديش، فضلاً عن عشرات الغرقى أثناء عبورهم نهر ناف على الحدود بين ميانمار وبنجلاديش، من بينهم الكثير من الأطفال، في ظل صمت إسلامي كصمت القبور، ولم يجهر بقضيتهم وإعلان مساندتهم في محنتهم سوى الرئيس التركي «رجب طيب أردوغان»، الذي اتهم ميانمار صراحة بارتكاب جريمة «الإبادة الجماعية» بحق أقلية الروهنجيا المسلمة.

بل حول الرئيس “أردوغان” تلك القضية إلى قضية رأي عام تركي محفزاً المشاعر الإسلامية والقومية حينما اعترف بفضل المسلمين في آراكان على العثمانيين بقوله: “خلال حروب البلقان عام 1912م، أعلن المسلمون في آراكان النفير العام من أجل إخوانهم في الدولة العثمانية، ونشروا إعلاناً في إحدى الصحف التي كان يصدرها مسلمو الهند، عقب المأساة التي تعرض لها جيشنا في البلقان، وكتبوا في الإعلان أن كثيراً من الجرحى الأتراك تُركوا ليواجهوا مصيرهم في العراء، فلا تتركوا المسلمين للجوع والموت”.

وأضاف “أردوغان”: “إن مسلمي الروهنجيا الذين أبت نفوسهم قبل قرن من الزمان تركنا في براثن الجوع والموت يعانون معاناة مماثلة لتلك التي عانيناها قبل قرن؛ لذلك لا نستطيع أن ندير ظهورنا لهم ولمعاناتهم كما يفعل العالم معهم اليوم”.

وبالفعل لم يدر الرئيس “أردوغان” ظهره لمسلمي الروهنجيا، فطلب من بنجلاديش توفير أماكن لإقامة مخيمات للاجئين من الروهنجيا مع تحمل تركيا كافة التكاليف المتعلقة بذلك، كما أرسل زوجته وابنه ووزير خارجيته لزيارة اللاجئين الروهنجيا في بنجلاديش وتقديم العون لهم.

إن ما يحدث للمسلمين في آراكان يمثل معرة للدول الغربية التي صدعت رؤوسنا ليلاً ونهاراً بحقوق الإنسان، والإنسان يقتل جهاراً نهاراً ولا يحركون ساكناً لا لشيء إلا لأنه يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، بل إن ما يحزن القلب هو ذلك التقاعس الملحوظ وإدارة الظهر من المسلمين حكاماً ومحكومين في بقاع الأرض إلا من رحم ربي، حيث انشغلوا بخلق خلافات فيما بينهم، وأصبح بأسهم بينهم شديداً، وتسابق الكثير منهم لتحقيق الرضا لأعداء دينهم.

فريضة شرعية

إن نصرة مسلمي الروهنجيا فريضة شرعية وضرورة بشرية، وإذا كنا عجزنا عن نصرتهم بالنفس فلا أقل من نصرتهم اقتصادياً بالمال والوقوف معهم في محنتهم، فالله تعالى يقول: (وَمَا لَكُمْ لاَ تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاء وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَـذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ وَلِيّاً وَاجْعَل لَّنَا مِن لَّدُنكَ نَصِيراً {75}) (النساء)، (وَإِنِ اسْتَنصَرُوكُمْ فِي الدِّينِ فَعَلَيْكُمُ النَّصْرُ) (الأنفال: 72)، (وَتَعَاوَنُواْ عَلَى الْبرِّ وَالتَّقْوَى وَلاَ تَعَاوَنُواْ عَلَى الإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ) (المائدة: 2).

والرسول صلى الله عليه وسلم يقول: «المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يسلمه، من كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه بها كربة من كرب يوم القيامة، ومن ستر مسلماً ستره الله يوم القيامة» (متفق عليه)، ويقول: «وكونوا عباد الله إخواناً، المسلم أخو المسلم لا يظلمه ولا يخذله ولا يحقره» (رواه مسلم)، ويقول: «مثل المؤمنين في تَوَادهم وتراحُمهم وتعاطُفهم مثلُ الجسد، إِذا اشتكى منه عضو تَدَاعَى له سائرُ الجسد بالسَّهَرِ والحُمِّى» (رواه البخاري).

فلنبرز هذا التواد والتراحم والتعاطف والبعد عن الخذلان، ونجعل تلك القضية حية بأموالنا، جهاداً مالياً يقدم لإخواننا الروهنجيا بنفس سخية، للتخفيف عنهم، والدفاع عن أنفسهم، مع تفعيل تلك القضية على كافة وسائل النشر والإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي (وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ فَلأنفُسِكُمْ وَمَا تُنفِقُونَ إِلاَّ ابْتِغَاء وَجْهِ اللّهِ وَمَا تُنفِقُواْ مِنْ خَيْرٍ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنتُمْ لاَ تُظْلَمُونَ {272}) (البقرة).

مقاطعة اقتصادية

كما ينبغي على الدول والشعوب الإسلامية إعلان وتعزيز المقاطعة الاقتصادية للسلع الميانمارية، لاسيما وأن أهم صادراتها الأرز، فالبترول، فخشب التاك، فالرصاص، ويلي ذلك التنجستن، والقصدير، والخضراوات، والمطاط، والقطن، والفضة، خاصة وأن تلك الصادرات يتوجه جزء ليس هيناً منها نحو الدول الإسلامية حيث تستحوذ إندونيسيا على نحو 16% من جملة تلك الصادرات، تليها ماليزيا بنحو 12%، فباكستان بنحو 9%.

الصفحة 3 من 5
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top