د. علي الصلابي

د. علي الصلابي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

أسس العلامة عبد الحميد بن باديس أفكاره الإصلاحية والاجتماعية على تربية الجيل وإعداده. وقد كانت تلك الرؤية أساسًا راسخًا في نهضة الجزائر الحديثة، فهو أدرك منذ البداية أنه ما من أمة يمكن أن تنهض نهوضًا حقيقيًا إلا عن طريق التربية والمعارف، وأن هذه التربية لا تكون مُجدية إلا على أساس من العقائد وتقويم الأخلاق، لأن الأخلاق تنبع من أعماق الضمير الواعي لا من قهر المجتمع، فصوت الضمير أقوى من مئات القوانين والأحكام.

وبناء على تلك الرؤية، أدرك ابن باديس أن القرآن الكريم هو مصدر الخلق العظيم، فسعى إلى تعليم القرآن وتفسيره لتحصين المجتمع الجزائري وإعداده بتربية إسلامية شاملة أساسها القرآن وسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولتتحصَّن هذه الأمة وتتمسَّك بأخلاقها وقيمها، فلا سبيل إلا بالتعليم والتوعية وبث روح القرآن وأخلاقه في نفوس المتعلِّمين.

خاطب ابن باديس الشعب الجزائري مبينًا مكانة التعليم في المحافظة على الإسلام، وكان يخاطب الجزائريين بقوله: "أيها الشعب الجزائري المسلم الكريم، تالله لن تكون مسلمًا إلا إذا فقهته، ولن تفقهه إلا إذا كان فيك من يفقِّهك فيه، فلهذا فرض الله على كل شعب إسلامي أن تنفر منه طائفة لتتفقه في الدين وترجع إلى قومها بالإنذار".

وإذا كان الفرد المسلم هو محور العلمية التربوية والقيمية التي تعتمد في أساسها على التثقيف وتعليم الإسلاميين لمحاربة التغريب والتقليد، فإن إصلاح المجتمع في رأي ابن باديس لا يكون إلا بصلاح الفرد، وإصلاح الفرد لا يكون إلا بتطهير نفسه وعقله من البدع والخرافات، وذلك بتعليم الإنسان المسلم علوم القرآن والسنة والعلوم الصحيحة، وبتهذيب الأخلاق والقيم الإسلامية. وقامت الرؤية الباديسية في بناء الفرد والمجتمع على مجموعة أسس وهي:

1- الرؤية التربوية:

التعليم والتربية هما هدف وغاية في تكوين الشخصية عقليًا ونفسيًا وسلوكيًا، وهما وسيلة وأداة لتحقيق تلك الغاية، وهما نهج وسبيل لا يمكن تجاوزهما لأولئك الذين يريدون بناء الأمم والحضارات أو تجديدها إذا أصابها التقدم والبلى، والتربية والتعليم هما صنوا العلم والعمل، فلا فائدة من العلم دون العمل، كما لا فائدة من التعليم من دون التربية، فمنذ الأزل، التربية والتعليم متلازمان جنباً إلى جنب لتحقيق غاية الحق من الخلق.

والمقصود بالتربية هي جملة المبادئ والقيم التي تنتمي إلى ثقافة أو حضارة ما، والتربية غير التعليم، ذلك لأنَّ التربية تعني عملية البناء العقلي والقلبي والسلوكي للإنسان، أي هي عبارة عن تنمية الشخصية لدى الإنسان المتعلم.

وقد كانت مهمَّة الأنبياء بالدرجة الأولى هي مهمَّة تربوية، فالنبي صلى الله عليه وسلم كان المربي الأوَّل في الإسلام، فقد أخبرنا الله سبحانه وتعالى عن مهمَّة الأنبياء في الأرض حيث قال: {كَمَا أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولاً مِنْكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ *} [البقرة: 151].

2- الإعداد الروحي:

اهتم ابن باديس بالجانب الروحي وحرص على غرس معاني الإيمان في نفوس من يحضر له في دروسه، فكان يربي الناس على الأذكار وتلاوة القرآن والصيام والصلاة والزكاة، واهتم بالأمور التي تغذي الإيمان وتهذيب السلوك المستمدة من الكتاب والسنة، وكان يستخرج الفوائد التربوية من الآيات القرآنية، فمثلاً عندما فسَّر قول الله تعالى: َ {وَتَفَقَّدَ الطَّيْرَ فَقَالَ مَالِي لاَ أَرَى الْهُدْهُدَ أَمْ كَانَ مِنَ الْغَائِبِينَ*} [النمل: 20]. وكان يدعو للتسامح والمودة بين أبناء المجتمع والتحلي بأخلاق النبي وقراءة سيرته ومناقبه، وقراءة الأذكار اليومية، والاهتمام بالصلوات في أوقاتها، وكان يشرح آيات الذكر الحكيم ويفسرها ليعلم الجيل قيمة هذا الإرث المعرفي وأثره، والاهتمام بعلوم القرآن وبأنه جاء رحمة وشفاء للعالمين، وأنه هو مصدر الحق وحجة ناصره، ومحصل الخير لأتباعه.

3- التربية الأخلاقية:

أحيا ابن باديس الشباب الجزائري بأخلاقه الإسلامية التي استنبطها من القرآن الكريم وأصلح بها نفوسهم. وإذا تتبعنا تفسيره لآيات الأخلاق في القرآن الكريم وجدنا لديه مذهباً متكاملاً لا يعالج فيه الأخلاق من الجانب النظري والفردي فقط، بل يعالج على أساس ديني واجتماعي واقعي، ومنهج ابن باديس في التربية الأخلاقية يعتمد على بساطة الأسلوب دون اللجوء إلى مصطلحات فلسفية معقدة، ويبين بكل وضوح أن الدين والأخلاق يوجبان على الإنسان، أن يهتم بإصلاح نفسه أكثر من اهتمامه بجسمه وأن صلاح الإنسان وفساده إنما يقاسان بصلاح نفسه وفسادها وما فلاحه إلا بزكاتها طبقاً لقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا *وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا*} [الشمس : 9 ـ 10].

لقد أكد ابن باديس على ضرورة التكافؤ بين الجسم والنفس، وهذا ما جاء به الإسلام من ضرورة الجمع بين الدين والدنيا، ثم يربط ابن باديس صلاح الفرد بصلاح المجتمع لتحقيق ما جاء به الإسلام من أن إصلاح النفوس يكون بالتزام شريعة الحق والخير والعدل، والكف عن الظلم والشر والباطل. وخير علاج لإصلاح النفوس هو الرجوع إلى رحمة الله تعالى وإلى القرآن الكريم الذي يؤكد أن الله تواب رحيم لأن الإنسان مفطور على الخطأ، ومن هنا وجبت المداومة على إصلاح النفس، وهنا استطاع ابن باديس أن يظهر الأمل في نفوس الجزائريين لكي يحرروا أنفسهم من الاستبداد بشكله الواسع، سواء كان من رجال التصوف «المنحرف المرتبط بفرنسا»، أو من الاستعمار.

4- ملامح الفكر التربوي الأخلاقي عند ابن باديس:

أ- ضرورة الاهتمام بالإنسان:

كهدف رئيسي عام، علمًا وعملًا وفكرًا وسلوكًا، وهذا الاهتمام يتمثل في ضرورة التعليم المدرسي والتعليم بالقدوة وتنظيم الجماعة وخلق الوعي العام. وفي هذا يقول ابن باديس: العلم قبل العمل، ومن دخل العمل بغير علم لا يأمن على نفسه من الضلال ولا على عبادته من مداخل الفساد والاختلال، وقال أيضاً: إن ما نأخذه من الشريعة المطهرة علماً وعملاً فإننا نأخذه لنبلغ به ما نستطيع من كمال في حياتنا الفردية والاجتماعية، والمثال الكامل على ذلك هو حياة محمد صلى الله عليه وسلم في سيرته الطيبة.

واستخدم ابن باديس الوسائل المتاحة لتحقيق التربية الأخلاقية، كإلقاء الدروس والتفسير والاستفادة من جهود العلماء السابقين وتدريس كتبهم كالقاضي عياض صاحب كتاب الشفاء، والإمام الغزالي صاحب كتاب علوم الدين، وغيرهم، واهتم بالتذكير والدعوة للتفكير.

ب- الشمولية في الإصلاح:

أي أن يكون الإصلاح كلي لا جزئي، ويتناول كل ميادين التوجيه الأخلاقي والثقافي والسياسي للفرد، لأن الانصراف لإصلاح جانب واحد هو الفرد أو المجتمع لا يؤدي إلى إصلاح حقيقي، بل يؤدي إلى التخريب والهدم، ولهذا فإن تحقيق هذه الشمولية يتطلب:

  1. موقف حاسم من عناصر الهدم الأخلاقي والديني والاجتماعي ورسم الخطوات اللازمة.
  2. إثبات مدى الارتباط بين الفكر والسلوك، والاعتقاد والعمل، وأكد ذلك بدليل تاريخي على اعتبار أن المنهج الذي نجح به المسلمون الأولون في تغيير العالم إنما هو سلوكهم وتطبيقهم الإسلام على أنفسهم قبل غيرهم في الحياة.
  3. ضرورة تعاون الإرادة والفكر والعمل، فهذا التعاون سبيل بناء الشخصية الإنسانية المتكاملة ظاهراً وباطناً، يقول ابن باديس: إن الكمال الإنساني متوقف على قوة العلم وقوة الإرادة والفكر والعمل، فهي أسس الخلق الكريم والسلوك الحميد.
  4. الاعتماد على الحجة والإقناع والمصارحة والدعوة.
  5. ضرورة النظر في النفس وفهمها وإصلاحها فذلك أمر إلهي ومطلب إنساني، ولذا يعتبر ابن باديس أن العناية الشرعية متوجهة كلها إلى إصلاح النفوس، لأن صلاح الإنسان وفساده إنما يقاسان بصلاح نفسه وفسادها، استشهاداً بقوله تعالى: {قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا*وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا *} [الشمس: 9 ـ 10].

جـ- التزكية الأخلاقية:

لقد حرص ابن باديس على صياغة القيم والفضائل الأخلاقية في صورة منهجية وفق قواعد عامة معروفة، ثم في صورة نداءات ووصايا يمكن أن تتحول إلى قالب تعليمي وإرشادي يسهل التعريف به والدعوة إليه، وكان يردد تلك النداءات في محاضراته ومقالاته وتفسيراته وأثناء رحلاته أيضاً، فاستطاع بذلك أن يحول قيم الرحمة والعدل والمساواة والحق والصدق والحب والتسامح وغيرها، إلى برنامج عمل إصلاحي أو نظرية متكاملة في كيفية إصلاح الإنسان وبنائه وتقويمه، وقدمها، كنموذج للأخلاق العملية التي تقوم على أساس ديني واجتماعي.

د- الفضائل الأخلاقية عند ابن باديس:

اهتم ابن باديس في تفسيره لآيات القرآن وأحاديث الرسول عليه السلام ببيان أهم الفضائل الأخلاقية المستمدة من المصادر النقلية، في مقدمتها الرحمة، والعدل والمساواة والأمانة والصدق والإحسان والبر إلى اليتامى والمساكين والبر إلى الوالدين والجهاد في سبيل الله والحب والتسامح والصبر والثبات والإيثار والوفاء بالعهد وغيرها.

مراجع المقال:

1- أندري ديرليك، عبد الحميد بن باديس.

2- عبد الرشيد زروقة، جهاد ابن باديس ضد الاستعمار الفرنسي.

3- عبد العزيز فيلالي وآخرون، البيت الباديسي.

4- عبد العزيز فيلالي، وثائق جديدة عن حياة خفية في حياة ابن باديس الدراسية.

5- علي الصلابي، كفاح الشعب الجزائري ضد الاحتلال الفرنسي وسيرة الزعيم عبد الحميد بن باديس.

6- عمار الطالبي، ابن باديس حياته وآثاره.

 

لم تكن ولادة حركة عبد الحميد بن باديس الإصلاحية ولادة طبيعية، ولم تكن هي ضربًا من ضروب التنظير والخطط والبرامج السياسية ولا ترفًا فكريًا زائدًا، بل دعتها خطورة المرحلة، ووحشية المستعمِر وجرائمه، وسياساته في القتل والبطش والتجهيل، وطمس الهوية العربية والإسلامية للجزائر، فكانت ولادة حركة إصلاحية جديدة قادها ابن باديس وعلماء الجزائر واقتدى بها أبناء الأمة جميعًا. 

ولقد تميزت الحركة الإصلاحية التي قادها ابن باديس بأمور منها:
1 ـ أنها استوعبت في منطلقاتها ومناهجها وأهدافها أصول الحركات الإصلاحية السلفية القديمة والمعاصرة، فأخذت من أفكار ابن تيمية في مجال فهمها لحقيقة الدين وأصول الشريعة، وتأثرت بالحركة الوهابية في بعض مواقفها تجاه البدع والخرافات التي لحقت بجوهر العقيدة، واقتدت بالحركة السنوسية في ربط الدين بالدنيا والأخلاق بالسياسة واعتبار محاربة الاستعمار جزءاً من الدين.
وسايرت صيحات جمال الدين الأفغاني في ثورته على الحكم الأجنبي ومقاومة الاستبداد، والدعوة إلى التمرد من أجل التحرر والتوحد.
وتبنت النهج الإصلاحي المعتدل في نشر الوعي وتربية الجماهير، وتهيئتها لتحمل مسؤوليتها في مواجهة العدو ومكافحة التخلف والجمود، كما تبنت آراء وأفكار الكواكبي وشكيب أرسلان وغيرهما من رجال الفكر وزعماء الإصلاح الذين وإن اختلفت الأساليب التي تبنوها في نهجهم العملي؛ فإنهم جميعاً ذوو نزعة تجديدية تسعى لبعث يقظة فكرية ووعي قومي وديني يؤديان إلى تحرير الإنسان من ضعفه، والمجتمع من أمراضه، والدين من الشوائب التي لحقت به، والبلاد من كابوس الهيمنة الأجنبية وظلم المستبدين.
2 ـ كانت حركة شعبية واقعية عملية، امتدت إلى جميع الفئات وتغلقلت في أوساط الشعب، لأنها كانت تستهدف التعبئة الشاملة وإعادة تشكيل الشخصية الوطنية التي أصبحت مهددة.
3 ـ الوسط الاجتماعي الذي كان يتحرك فيه ابن باديس وسط أمي في معظمه؛ إذ لم تكن قبل المعركة الإصلاحية ولا في وقتها معاهد تعليمية عالية كما هو الشأن في تونس والمغرب ومصر، لذلك كانت حركته مسايرة لطبيعة الوسط والهدف من إنشائها، ولم تكن دروسه تقدم المعرفة لذات المعرفة ولم يكن خطابه من أجل إظهار البراعة الأسلوبية إنما كان يخاطب القلب والعقل والوجدان بلغة تحقق المسعى بأسلوب تربوي ينفذ إلى الأعماق، هكذا تحدث عنه تلاميذه الذين لازموه مدة.
4 ـ جاء ابن باديس في وقت كان الاستعمار قد أحكم قبضته على كامل التراب الوطني وأصبحت أمور البلاد كلها في يده، ففرنس الإدارة والتعليم الذي أنشأه خصيصاً لأبناء رعاياه، وأغلق مؤسسات التعليم الوطنية التي كانت تعلم الثقافة العربية الإسلامية، وشدد الخناق على الدين الإسلامي وعلى اللغة العربية واعتبرها لغة أجنبية، وتم ذلك بتدمير الممتلكات الثقافية وتخريب المكتبات وهدم المساجد أو تحويل وظيفتها، والاستيلاء على موارد الأوقاف التي كانت تغذي التعليم، وجعل الشؤون الدينية بين يدي مسؤول فرنسي في تسيير الشؤون الأهلية، يعين من يشاء للإفتاء والإمامة، والقضاء الخاص بالأحوال الشخصية، فكان ذلك من نتائج انتشار الجهل والأمية والانحراف الديني والجمود الفكري، وذيوع الخرافة، وحين ظهرت حركة الإصلاح في الجزائر لم تجد قاعدة عملية تنطلق منها مثلما كان الأمر في تونس لذلك كان نضالها متعدد الجبهات من ذلك:
أ ـ إحياء رسالة المسجد بتنظيم دروس تعليمية وتثقيفية للعامة والخاصة.
ب ـ إنشاء المدارس في مختلف جهات الوطن بتمويل من الشعب.
ج ـ تأسيس صحافة خاصة بالحركة الإصلاحية تنقل للقراء الأفكار الإصلاحية وتطلعهم على سياسة الاستعمار وقوانينه الجائرة ومواقف العلماء من ذلك.
د ـ إنشاء النوادي الخاصة بالشباب، وتنظيم تعليم خاص بهم وبالبنات والنساء.
هذه الأمور وغيرها تبين أن الحركة الإصلاحية في الجزائر التي كان يقودها ابن باديس تميزت بشعبيتها وشموليتها؛ ولذلك تمكنت في ظرف قصير نسبياً من توسيع نظامها ونشر اللغة العربية والثقافية الإسلامية في جهات القطر، وبث الوعي الديني الوطني في نفوس الشباب الذين كانوا يقبلون على دروس التثقيف العام بالمساجد والنوادي وغيرها، وبالإضافة إلى التعليم والوعي والتثقيف العام كان للحركة مواجهات عديدة مع مختلف الفئات:
ـ مع المستشرقين الذين كانوا يدسون على الإسلام.
ـ ومع هيئات التبشير التي كان همها الوحيد هو صد الشباب والأطفال عن الإسلام.
ـ مع المثقفين ثقافة غربية والذين أصبحوا يميلون إلى التنكر إلى شخصيتهم منبهرين بالحضارة الغربية.
ـ مع حكام الاستعمار وساسته في الجزائر وفي فرنسا الذين كانوا يراوغون
في الردود على مطالب الجزائريين، وكانوا يتعسفون في التعامل مع العلماء، ومع التعليم الحر.
فقد اتجه ابن باديس من خلال التعليم ومعاركه الصحافيه إلى تكوين قاعدة شعبية عامة منتظمة، تتبنى أفكاره وترتبط بتوجيهاته، ومن هنا نتبين أن مثل هذه الظروف القاسية لم تعرفها الحركات الإصلاحية الأخرى في المشرق والمغرب.
إن الحركة الإصلاحية في الجزائر تميزت بأمور عديدة، ورغم هذه الظروف الصعبة والمعقدة أحياناً نجحت هذه الحركة أيما نجاح، وهيأت جيشاً من الوطنيين كانوا عدة الثورة عند انطلاقها في عام 1954م.
ولمالك بن نبي رأي في هذه الجمعية حيث أعجب بحركة الإصلاح التي قام بها العلماء المسلمون الجزائريون بقيادة عبد الحميد بن باديس، ورأى فيها مزايا لم يرها في الإحيائية الكلامية المجردة ذات العقلانية النظرية المجردة التي بعثها الشيخ محمد عبده وقبله جمال الدين الأفغاني، وذلك لأن حركة ابن باديس قد بدت لمالك بن نبي أقرب الإحيائيات إلى النفوس وأدخلها في القلوب بما تبنَّت من منهج مستلهم من قوله تعالى في سورة الرعد: {إِنَّ اللَّهَ لاَ يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} [الرعد : 11].
بعثت حركة ابن باديس الإصلاحية روحاً جديدة، ومثلت دفعًا إيمانياً متواصلاً جعلها تستمر في أداء رسالتها ومواصلة عطائها لأبناء الأمة قاطبة. ويصف لنا الأستاذ مالك بن نبي رحمه الله تلك الصحوة النهضوية، فيقول: لقد بدأت معجزة البعث تتدفق من كلمات ابن باديس، فكانت ساعة اليقظة، وبدأ الشعب الجزائري المخدَّر يتحرك، ويا لها من يقظة مباركة.

المراجع:
1. علي الصلابي، كفاح الشعب الجزائري، بيروت، دار ابن كثير، ج2، ص. ص197 – 217.
2. لطيفة عميرة، سؤال النهضة عند الشيخ عبد الحميد.
3. مصطفى حميداتو، عبد الحميد بن باديس وجهوده التربوية.
4. مطبقاني، عبد الحميد بن باديس.
5. صالح فركوس، دور جمعية العلماء.
6. جريدة البصائر، من جرائد جمعية علماء المسلمين.

اشتدت معاناة صحابة النبي صلى الله عليه وسلم، بعد سنوات من الاضطهاد والقتل والتشريد من إعلان الدعوة الإيمانية في مكة، بعد أن عانوا المرارة والقهر والظلم على أيدي صناديد قريش وزبانيتهم. إذ كان لا بد من إنقاذ الثُلة المتبقية الصابرة منهم، فأمر النبي الكريم صحابته بالهجرة إلى أرض الحبشة، فتلك أرض لا يُظلم عند مَلكها أحد، إنها أرض الأحباش؛ أرض أمان وسلام للرعيل الأول. وقد جاء أمر النبي ابتغاء الأجر والحفاظ على الدعوة بعد نزول قول الله تعالى: {وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلأَجْرُ الآخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ} [النحل: 41].

وقد ذكر ابن كثير الدمشقي في البداية والنهاية مسألة الهجرة بقوله: «هذا أمرٌ من الله تعالى لعباده المؤمنين بالهجرة من البلد الَّذي لا يقدرون فيه على إقامة الدِّين إلى أرض الله الواسعة حتَّى يمكن إقامة الدِّين.. إلى أن قال: ولهذا لما ضاق على المستضعفين بمكَّة مقامهم بها؛ خرجوا مهاجرين إلى أرض الحبشة؛ ليأمنوا على دينهم هناك فوجدوا خير المُنْزِلين هناك أصحمةَ النَّجاشيَّ ملك الحبشة رحمه الله تعالى».

أولًا: دوافع الهجرة إلى أرض السلام "الحبشة"

تنوعت أسباب ودوافع الهجرة إلى الحبشة، وأهم تلك الدوافع:

- شدة البلاء: لما رأى رسولُ الله صلى الله عليه وسلم ما يصيب أصحابـه من البلاء وما هو فيه من العافية؛ لمكانه من الله ومن عمِّه أبي طالب وأنَّه لا يقدر على أن يمنعهم ممَّا هم فيه من البلاء؛ قال لهم: «لو خرجتم إلى أرض الحبشـة؛ فإنَّ بها مَلِكاً لا يُظْلَم عنده أحدٌ وهي أرض صِدْقٍ حتَّى يجعل الله لكم فرجاً ممَّا أنتم فيه» فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة مخافةَ الفتنة وفراراً إلى الله بدينهم فكانت أوَّل هجرةٍ كانت في الإسلام».

- الفرار بالدِّين: كان الفرار بالدِّين خشية الافتتان فيه سبباً مهماً من أسباب هجرتهم للحبشة. قال ابن إسحاق: «فخرج عند ذلك المسلمون من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أرض الحبشة؛ مخافة الفتنة وفراراً إلى الله بدينهم».

- نشر الدعوة الإيمانية خارج مكة: فقد كثُر الدَّاخلون في الإسلام وظهر الإيمان وتحدَّث الناس به. قال الزُّهري في حديثه عن عروة في هجرة الحبشة: "فلمَّا كثر المسلمون وظهر الإيمان فتُحدِّث به؛ ثار المشركون من كفَّار قريش بمن أمن من قبائلهم يعذِّبونهم ويسجنونهم وأرادوا فتنتهم عن دينهم، فلمَّا بلغ ذلك رسولَ الله صلى الله عليه وسلم ؛ قال لِلَّذين آمنوا به: «تفرَّقوا في الأرض» قالوا: فأين نذهب يا رسول الله؟! قال: «ها هنا» وأشار إلى أرض الحبشة".

وهو السبب الأهمَّ للهجرة ولقد سبق الاتجاه إلى الحبشة؛ حيث هاجر إليها كثيرٌ من المؤمنين الأوائل والقول بأنَّهم هاجروا إليها لمجرَّد النَّجاة بأنفسهم لا يستند إلى قرائن قويَّةٍ فلو كان الأمر كذلك؛ لهاجر إذاً أقلُّ الناس وجاهةً وقوَّةً ومنعةً من المسلمين غير أنَّ الأمر كان على الضدِّ من هذا فالموالي المستضعفون الَّذين كان ينصبُّ عليهم معظم الاضطهاد والتَّعذيب والفتنة لم يهاجروا؛ إنَّما هاجر رجالٌ ذوو عصبياتٍ لهم من عصبيتهم -في بيئة قبليَّةٍ- ما يعصمهم من الأذى ويحميهم من الفتنة وكان عدد القرشيين يؤلِّف غالبية المهاجرين»، حسب ما رأى السيد قطب.

ويميل الأستاذ دروزة إلى أنَّ فتح مجالٍ للدَّعوة في الحبشة كان سبباً من أسباب هجرة الحبشة؛ حيث يقول: «بل إنَّه ليخطر بالبال أن يكون من أسباب اختيار الحبشة النَّصرانيَّة أمل وجود مجالٍ للدَّعوة فيها وأن يكون هدف انتداب جعفر متَّصلاً بهذا الأمل». وذهب إلى هذا القول الدُّكتور سليمان بن حمد العودة: «وممَّا يدعم الرَّأي القائل بكون الدَّعوة للدِّين الجديد في أرض الحبشة سبباً وهدفاً من أسباب الهجرة إسلامُ النَّجاشيِّ وإسلام آخرين من أهل الحبشة وأمرٌ آخر فإذا كان ذهاب المهاجرين للحبشة بمشورة النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وتوجيهه فبقاؤهم في الحبشة إلى فتح خيبر بأمرِ النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم وتوجيهه وفي صحيح البخاريِّ: فقال جعفر للأشعريِّين حين وافقوه بالحبشة: «إنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم بعثنا هنا وأمرنا بالإقامة؛ فأقيموا معنا».

وهذا يعني: أنَّهم ذهبوا لمهمَّة معيَّنةٍ ـ ولا أشرف من مهمَّة الدَّعوة لدين الله ـ وأنَّ هذه المهمَّة قد انتهت حين طُلِب المهاجرون.

- البحث عن مكان آمن للمسلمين: حيث كانت الخطَّـة الأمنيَّـة للرَّسول صلى الله عليه وسلم تستهدف الحفاظ على الصَّفوة المؤمنـة؛ ولذلـك رأى الرَّسول صلى الله عليه وسلم : أنَّ الحبشـة تعتبر مكاناً آمنـاً للمسلمين ريثما يشتـدُّ عود الإسلام وتهدأ العاصفـة وقد وجد المهاجرون في أرض الحبشـة ما أمَّنهم وطمأنهم وفي ذلك تقول أمُّ سلمة رضي الله عنها: «لمَّا نزلنا أرض الحبشة؛ جَاوَرْنـا بها خيرَ جارٍ النَّجاشيَّ أَمِنَّـا على ديننا وعبدنا الله تعالى لا نُؤْذَى».

ثانيًا: هجرة المؤمنين إلى أرض السلام

غادر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم مكَّة في رجب من السَّنة الخامسة للبعثة، وكانوا عشرة رجالٍ وأربع نسوةٍ وقيل: خمس نسوةٍ وحاولت قريش أن تدركهم لتردَّهم إلى مكَّة وخرجوا في إثرهم حتَّى وصلوا البحر، ولكنَّ المسلمين كانوا قد أبحروا متوجِّهين إلى الحبشة.

وعند التأمُّل في فقه المرويَّات، يتبيَّن لنا سِرِّيَّة خروج المهاجرين الأوائل؛ ففي رواية الواقديِّ: «فخرجوا متسلِّلين سرَّاً»، وعند الطَّبريِّ، وممَّن يذكر السِّرِّيَّة في الهجرة: ابن سيِّد النَّاس، وابن القيِّم، والزُّرقانيُّ. ولمَّا وصل المسلمون إلى أرض الحبشة أكرم النَّجاشيُّ مثواهم وأحسن لقاءهم ووجدوا عنده من الطُّمأنينة والأمن ما لم يجدوه في وطنهم وأهليهم فعن أمِّ سلمة زوج النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم قالت: «لما نزلنا أرض الحبشة جَاوَرْنا بها خيرَ جارٍ ـ النَّجاشيَّ ـ أَمِنَّا على ديننا وعبدنا الله لا نُؤْذَى ولا نسمع شيئاً نكرهه»، ويمكن ذكر أسماء أصحاب الهجرة الأولى إلى الحبشة، من الرجال:

- عثمان بن عفَّان بن أبي العاص بن أميَّة بن عبد شمس.

- عبدالله بن عوف بن عوف بن عبد بن الحارث بن زُهرة.

- الزُّبير بن العوَّام بن خُوَيلد بن أسد.

- أبو حذيفة بن عُتبة بن ربيعة بن عبد شمس.

- مصعب بن عمير بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار.

- أبو سلمة بن عبد الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم.

- عثمان بن مظعون بن حبيب بن وهب بن حُذافة بن جُمح.

- عامر بن ربيعة، حليف آل الخطَّاب من عَنْز بن وائل.

- سُهَيل بن بيضاء، وهو: سهيل بن وهب بن ربيعة بن هلال بن أُهَيب بن ضَبَّة بن الحارث.

- أبو سَبْرة بن أبي رُهْم بن عبد العُزَّى بن أبي قيس عبد وُدَّ بن نصر بن مالك بن حِسْل بن عامر. فكان هؤلاء العشرة أوَّل من خرج من المسلمين إلى أرض الحبشة. ومن النساء:

- رقيَّة بنت النَّبيِّ صلى الله عليه وسلم .

- سهلة بنت سهيل بن عمرو، أحد بني عامر بن لؤي، والَّتي هاجرت مع زوجها أبي حذيفة, وولدت له بأرض الحبشة محمَّد بن أبي حذيفة.

- أمُّ سلمة بنت أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم امرأة أبي سلمة.

- ليلى بنت أبي حَثمة بن حذافة بن غانم (بن عامر) بن عبد الله بن عوف بن عبيد ابن عويج بن عديِّ بن كعب، امرأة عامر بن ربيعة.

- أمُّ كلثوم بنت سهيل بن عمرو بن عبد شمس، امرأة أبي سَبْرة بن أبي رُهْم.

إنَّ المتأمِّل في الأسماء سالفة الذِّكر لا يجد فيهم أحداً من الموالي الَّذين نالهم من أذى قريش وتعذيبها أشدُّ من غيرهم كبلال وخبَّاب وعمَّار رضي الله عنهم بل نجد غالبيتهم من ذوي النَّسب والمكانة في قريشٍ ويمثِّلون عدداً من القبائل صحيحٌ: أنَّ الأذى شمل ذوي النَّسب والمكانة كما طال غيرهم ولكنَّه كان على الموالي أشدَّ في بيئةٍ تقيم وزناً للقبيلة وترعى النَّسب وبالتَّالي فلو كان الفرار من الأذى وحده هو السَّبب في الهجرة؛ لكان هؤلاء الموالي المعذَّبون أحقَّ بالهجرة من غيرهم ويؤيِّد هذا: أنَّ ابن إسحاق وغيره ذكر عدوان المشركين على المستضعفين ولم يذكر هجرتهم للحبشة.

ويصل الباحث إلى حقيقةٍ مهمَّةٍ ألا وهي: أن ثَمَّةَ أسباباً أخرى تدفع للهجرة غير الأذى اختار لها النَّبيُّ صلى الله عليه وسلم نوعيةً من أصحابه تُمثِّل عدداً من القبائل وقد يكون لذلك أثرٌ في حمايتهم لو وصلت قريش إلى إقناع أهل الحبشة بإرجاعهم من جانبٍ وتهزُّ هجرتهم قبائل قريش كلَّها أو معظمها من جانبٍ اخر فمكَّة ضاقت بأبنائها ولم يجدوا بُدّاً من الخروج عنها بحثاً عن الأمن في بلدٍ آخر ومن جانبٍ ثالثٍ يرحل هؤلاء المهاجرون بدين الله لينشروه في الآفاق وقد تكون محلاً أصوب وأبرك للدَّعوة إلى الله فتنفتح عقولٌ وقلوبٌ حين يستغلق سواها.

تعتبر هجرة المسلمين الأولى والثانية إلى الحبشة وإخفاق زعامات قريش في إخراج المسلمين منها، بعد مفاوضات عَقَدية بين الصحابة والمشركين في بلاط النجاشي، البداية الفعلية لانتصار دعوة الإسلام وانتشارها، حتى ظهرت روايات تثبت إسلام ملك الحبشة النجاشي، وبلغت دعوة الإسلام بعد سنوات قليلة أرضٍ واسعةٍ وعالم جديد. وفي وقتنا الحاضر، أدى الظلم والقهر والقمع الذي مارسته ولا زالت تمارسه الأنظمة الاستبدادية والميليشيات الإجرامية في عالمنا العربي والإسلامي اليوم، وإجبار المستضعفين على الخروج من ديارهم قسرًا وعنوةً، سواء في فلسطين والعراق وليبيا ومصر واليمن وآخرها هجرة السوريين، حيث خرجت آلاف العائلات من دمشق وغوطتها وحلب والجزيرة السورية إلى مناطق جديدة وعوالم أخرى. ومع هذا ستكون الهجرة اليوم خيرًا كثيرًا لهؤلاء الناس بعد أن عاشوا ظروف المعاناة القاسية في ظل التجويع والحصار وتحت ضربات التهجير والتشريد، ومن ثم اكتسابهم خبرة الحياة في بلاد مختلفة مثلت ملاذًا آمنًا لهم، كما هو حال المهجرين منهم في تركيا والغرب، ليعودوا ويبدعوا ويساهموا في نهضة الأمة وبناء أوطانهم من جديد.

المراجع:

  1. ابن كثير، البداية والنهاية، بيروت، دار الفكر، 3/ 96 – 97.
  2. ابن هشام، السيرة النبوية، بيروت، دار الفكر، 1/413.
  3. أحزمي سامعون، الهجرة في القرآن الكريم، الرياض، مكتبة الرشد، 1996.
  4. الزهري، المغازي النبوية، تحقيق سهيل زكار، دمشق، دار الفكر، 1981، ص 96.
  5. سليمان العودة، الهجرة الأولى في الإسلام، الرياض، دار طيبة، 1419ه، ص 34.
  6. السيد قطب، في ظلال القرآن، دار الشروق، 1980، 1/ 29.
  7. علي الصلابي، السيرة النبوية، بيروت، ابن كثير، 2004، 1/ 271 – 296.
  8. محمد أبو شهبة، السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة، دمشق، دار القلم، 1996.

رأى كتابي "المواطنة والوطن في الدولة الحديثة المسلمة" النور في ظروف جدّ معقدة وخطيرة، تمر بها أمتنا العربية والإسلامية بعد ثورات عام 2011، وخاصة بعد مرحلة ما عرف في الأدبيات الإعلامية والسياسية الحالية باسم الثورات الشعبوية المضادة أو مرحلة الخريف (عام 2013 وما بعده)، حيث بدأت مرحلة الانقلابات والمكائد والمؤامرات على الثورات الشعبية، تلك الانقلابات ساندتها دول غربية وعربية بهدف تحطيم إرادة الشعوب في التحرر وإعادة تأهيل أنظمة الاستبداد والديكتاتورية، بعد أن نجحت شعوبنا العربية من تونس إلى ليبيا مرورًا بمصر واليمن وسورية في تحطيم الأصنام وإسقاط الرموز القديمة. واستطاعت في حراكها النوعي والشامل أن تغير المفاهيم المغلوطة التي أخذها الغرب والشرق عن العرب لعقود من الزمن، فقد دفعت شعوبنا الثمن غاليًا، وضحت بدمائها وأموالها وفلذات أكبادها، فما وهنت لما أصابها في سبيل الله، وما استكانت للوصول إلى حريتها، ودأبها في تحقيق المواطنة الشاملة، ولسان حالها يقول: إن الحرية لا تُوهب ولا تُعطى، إنما تُنتزع انتزاعًا وتَروي شجرتها الوليدة بدماء الشهداء الزاكية.

إن أكثر المسائل التي شاع الحديث عنها بعد الهبات الشعبية العربية في عام 2011، هي مسألة المواطنة ودعائمها ومفهومها وكيف يمكن تبيئتها عربيًا وإسلاميًا، بعد عقود الاستبداد والظلم والإقصاء والتسلط التي مورست بحقها. والجدير ذكره هنا، بأن من الصعب مقاربة مفهوم المواطنة الحديث عربيًا مع مفهومه في أوروبا الذي تطور على مدار القرون الثلاث الماضية هذا من جهة، ومن جهة أخرى، فإن المواطنة في كل حقبة تاريخية إنما كانت تُعبر عن التركيبة الثقافية والأخلاقية لتلك الحقبة، ومن ثم كانت المؤثر على مدى تَحقُقِ المثل الأخلاقية والسياسية في زمانها، فمثلًا: المواطن عند اليونان هو اليوناني الحر، بينما المواطن في زمن الدولة القومية الحديثة هو أحد أبناء الأمة المكونة للدولة. وعلى هذا كيف بدت حالة الإنسان العربي والمسلم في ظل المعارك السياسية والمخاوف الأمنية بين طلاب الحرية والمواطنة العادلة وبين من يسعى لاستئصال تلك المفاهيم والقيم النهضوية والحضارية؟

أولاً: المواطنة والوطن لغويًا وسياسيًا:

جاءت المواطنة لغةً، من واطنه على الأمر مواطنة، وواطن القوم: عاش معهم في وطن واحد. وفي "المعجم الوسيط": الوطن: مكان إقامة الإنسان ومقرُّه، وُلد به أو لم يولد. و"الوطنية" مصدر صناعي منسوب إلى الوطن، كما يقال "القومية" نسبة إلى القوم، و"العالمية" نسبة إلى العالم، و"الإنسانية" نسبة إلى الإنسان، وكثير من هذه المفاهيم والمصطلحات هي من هذا النوع: مصادر صناعية، قد تزاد أحياناً ألفاً ونوناً مثل: النفسانية، نسبة إلى النفس، والعلمانية نسبة إلى العلم، والشخصانية نسبة إلى الشخص.

أما اصطلاحًا، يُعرَّف الوطن بأنه قطعة الأرض التي تعمرها الأمة بشكل خاص، وهو المسكن، فالروح وطن لأنها مسكن الإدراكات، والبدن وطن لكونه مسكن الروح، والثياب وطن لوطنها مسكن البدن، فالمنزل والمدينة والدولة والعالم كلها أوطان لكونها مساكن. واتفقت معظم مراجع الفقه الدستوري على إطار عام يحدد التعريف الاصطلاحي للمواطنة على النحو التالي:

المواطنة هي علاقة بين فرد ودولة، كما يحددها قانون تلك الدولة، وبما تتضمنه تلك العلاقة من واجبات وحقوق في تلك الدولة، وهي تسبغ على المواطن حقوقاً سياسية كاملة.

وحسب التعريف السياسي، يعتبر مفهوم المواطنة من المفاهيم القديمة الحديثة؛ التي يدور حولها جدل كبير، ومن هنا يختلف مفهوم المواطنة تبعًا لما يُراد به، حيث يعود تاريخ هذا المفهوم إلى زمن الإغريق؛ الذي يعتبر أساس الديمقراطية في العالم اليوم، هذا، وقد شهد مفهوم المواطنة تغيرًا جذريًا في استخداماته ومضامينه، ولم يعد فقط يشير إلى علاقة المواطن بالوطن، والفرد بالدولة، بل تعدى ذلك إلى كونه مفهومًا مجتمعياً شاملًا متعدد الأبعاد.

وعلى ذلك، فإن إعداد المواطنة الصالحة يعتبر هدفًا من أهداف الدولة والمجتمع، وتزداد أهمية هذا الهدف مع التقدم العلمي والحضاري الذي يشهده عالم اليوم، وما يتبعه من فضاء إعلامي واسع الانتشار في أرجاء المعمورة، ومن ثقافات متعددة يتعرض لها الفرد المواطن، وتعتبر تربية المواطنين هي وسيلة المجتمع والدولة في وقت واحد لإعدادهم على الوجه المطلوب؛ ليضمن انتماءهم له، ويحافظ على هويتهم في ظل الظروف الحالية والمتغيرات المتسارعة التي يمر بها، كما يرسخ لهم الشعور بمسؤولية الأعمال التي يقومون بها تجاه وطنهم، سواء كانت فردية أو جماعية.

ثانيًا: التطور التاريخي لمفهوم المواطنة والوطن:

تمتد جذور الوطن والمواطنة إلى آدم وزوجه عندما كانا يسكنان الجنة، فلما أهبط الله أدم وزوجه من الجنة، بقيا هما وذريتهما بما قُدر لهم من الخلافة في الأرض، وعمارتها، وعبادة الله فيها: كانت الأرض مهيأة لتكون كلها وطناً ومستقراً لآدم وذرّيته من بعده؛ ولهذا قال الله تعالى في القران مخاطباً ادم وزوجه وإبليس معهما: {اهْبِطُوا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ *} [الأعراف: 24].

وهكذا كانت الأرض كلها في أول الأمر وطنًا لآدم وأولاده، لا تزاحم، ولا تنافس، ولا اختصاص بمكان دون مكان. فلما كثرت ذرية آدم وانتشرت، بدأ الناس يتجمَّعون في أماكن بحكم الطبيعة الاجتماعية للبشر، حتى قال الأقدمون: الإنسان مدني بطبعه، وكان الناس يتجمعون في بلدان أو قرى، ويتخذ كل منهم لنفسه ولأهله وولده بيتاً يأوي إليه، يكنّه من القرِّ والحرِّ، ويستره من أعين الناس، ويمارس فيه خصوصيته، ومن مجموع هذه البيوت تكون القرية التي يترابط أهلها فيما بينهم بروابط شتى: كالنسب، والمصاهرة، والجوار، والصداقة، والزمالة في العمل، والاشتراك في تأمين حاجات القرية والدفاع عنها، ومن هذه القرية، أو البلدة، أو المدينة: بدأت قضية «الوطن»، فحين تعدَّدت البلدان والقرى، واضطر الإنسان لسبب أو لآخر إلى أن يهاجر من بلده؛ لم ينس الموضع الأول الذي عاش فيه، وكوَّن به علاقات حميمية من أهل، وأصهار، وأقارب، وأصدقاء، وأحبَّة، وأمسى مرتبطاً عاطفياً بذلك المكان وأهله، كما عبر عن ذلك أبو تمام في العصر العباسي بقوله:

نقلْ فؤادك حيث شئت من الهوى ما الحبُّ إلا للحبيب الأولِ

كم منزلٍ في الأرض يسكنه الفتى وحنينُه أبداً لأول منزلِ.

ثالثًا: المواطنة وتحدياتها بعد ثورات الشعوب العربية

تأتي أهمية العمل على تأصيل مبدأ المواطنة في ظل التطور السياسي على اعتبار أن المواطنة ركن أصيل من أركان الإصلاح السياسي والتحول الديمقراطي "قواعد الشورى العامة"، على اعتبار أن الهدف من عملية الإصلاح هو تحقيق فائدةٍ للطرفين الوطن والمواطن. كما لا يمكن أن تتم عملية الإصلاح من غير تعزيز مفاهيم المواطنة التي يقوم على أساسها إحقاق كافة الحقوق للأفراد، باعتبارهم مشاركين في بناء الدولة، وحماية القانون العام فيها.

لقد شكلت قضايا المواطنة وحقوق المواطنين أساس النقاشات الاجتماعية والسياسية والنداءات الشعبية بعد النجاح المبدئي للربيع العربي في بلدان تونس وليبيا ومصر عام 2011، فالمفهوم أخذ يتبلور من خلال حركة المجتمع الحقيقة، وتطوراته الدستورية، وتحولاته الثقافية الكبيرة. ومن هذا المنطلق، بدأت المفاهيم الدستورية المرتبطة بالمواطنة والحرية الشخصية تتجسد في شخصية المواطن وفكره السياسي من جديد، بناء على موروث اجتماعي وثقافي مشترك من المبادئ والقيم والمعتقدات والأخلاق والسلوك والعادات والتقاليد لأبناء المجتمع. وأخذ المواطن يحتمي به عند الملمات والأزمات، ومن ناحية أخرى يدافع عنه عند التحديات؛ لأن المواطن هو الوطن، والوطن هو المواطن، بمعنى أنه لا يستغني أحدهما عن الاخر، والكل مرهون بوجود الآخر.

بعد ذلك، حدثت تغيرات كبرى ألقت بظلالها على مجالات الحياة العامة لدولة الربيع المنتصرة، إذ أدت التطورات السياسية والأمنية في العالم العربي، بعد الردة الثورية المضادة (الشعبوية)، إلى أوضاع اجتماعية وسياسية مختلفة. حيث شكلت عملية القمع المستمر واضطراب الأمن والقتل والترويع والتشريد، والتواطؤ مع العالم الخارجي الغربي والعربي معًا، والسعي لتحطيم إرادة الشعوب الحرة وتدمير بلدانها ونهب مقدراتها وتمزق هويتها الوطنية حالة محبطة، أصابت المواطن العربي والمسلم بالصدمة رغم جهوده العظيمة لاستئصال الفساد والاستبداد، لذلك بدأنا نشهد إحياء تيارات دينية وحزبية راديكالية شوهت الدين والمجتمع، وطمست صورة المواطنة الحقيقية التي نادت بها ثورات الشعوب، وبدلًا من أن تساهم في تعزيز الانتماء الوطني وبناء التآلف الاجتماعي، سعت إلى تطييف المجتمع، وشجعت الانقسامات القبلية، والجهوية، والعرقية الداخلية، وأدت لصراعات أضرت بقيم المواطنة وأصولها وهو ما أدى إلى الفوضى والشتات والخوف والخذلان في بلادنا العربية والإسلامية.

وعلى الرغم من تعثر خطوات النهضة الحضارية، واهتزاز صورة المواطن في عالمنا العربي والإسلامي بفعل ضربات الطغمة الفاسدة والتواطؤ الخارجي، فهذا لا يعني غياب المواطن ودوره في مجتمعاتنا بل على العكس، فإن المواطنة الفاعلة تتجدد مع تحمل المواطن مسؤولياته الوطنية باقتدار، وامتلاكه أدوات دفاع سياسية وقانونية، يسعى من خلالها لبناء عقد اجتماعي داخل المجتمع، ويكون له دور فاعل ومشاركة سياسية وفكرية بتحدٍ وتضامنٍ لا محدود، وبأسلوب حضاري وتنظيمي عظيم. ووفق ذلك، يمكنه لعب دور رئيسي في بناء نظام دولة جديد بدماء جديدة على أسس المساواة والحرية والعدل، فيكون المواطن بذلك سورًا يحمي الجميع من التشتت والتنازع، ويلطف الأجواء السياسية والاجتماعية العامة، ومهما بلغ الأمر، فلا مستقبل للطموحات السياسية والشخصية للمواطن، إلا في ظل هذا مشروع وطني شامل وجامع.

- مراجع المقال:

  1. حمد بن إبراهيم عثمان، الوسطية، ص. ص 220 – 221.
  2. حمدي مهران، المواطنة والوطن، ص. ص 239 ،241.
  3. راشد الغنوشي، الحريات العامة، 2/ 154.
  4. رفيق حبيب، الوسطية الحضارية، ص 153.
  5. علي الدوسري، المواطن والمواطنة، ص 25.
  6. علي محمد الصلابي، المواطنة والوطن في الدولة الحديثة المسلمة، بيروت، دار ابن كثير، 2014، ص. ص 19 -43. رابط الكتاب: https://bit.ly/2pO4MDJ
  7. القرضاوي، الوطن والمواطنة، ص 51.
  8. محمد عاطف، مصطلحات العلوم الاجتماعية، ص 56.
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top