يبدو أن هناك تفويضاً للرئيس الأمريكي ترمب الذي انتُخب في نوفمبر 2016م ونُصّب رسمياً بانتقال الحكم إليه في 20 يناير 2017م - ليقوم بدور احترابي مع المسلمين.

فقد أصدر عدة قرارات بمنع المسلمين المنتمين لمجموعة من الدول دخول الولايات المتحدة، كما أنه بصدد مراجعة الإجراءات الأمنية والقانونية للمهاجرين المسلمين والمتواجدين على الأراضي الأمريكية.

كان ذلك تنفيذاً لوعوده الانتخابية؛ فقد قال في حملته الانتخابية: الحدود ينبغي أن تظل مغلقة أمام المسلمين حتى يتواصل نواب الشعب إلى فهم واضح لأسباب تلك الكراهية؛ ويعني بذلك الاستطلاعات التي تُظهر كراهية المسلمين للأمريكيين.

كما أكد أيضاً: "فلنُخرج جميع المسلمين من البلاد، ولنبنِ حاجزاً بيننا وبينهم".

وفي السياق نفسه، تهدف سياسات "ترمب" الجديدة، ومن خلال فريق عمله اليميني المتطرف، حسم القضايا الرئيسة في بلدان الثورات العربية والشرق الأوسط المسلم، وكذلك في تغليظ سياسات الابتزاز ضد دول الخليج وعلى رأسها المملكة العربية السعودية.

فهو لا يرى أن تقود شعوب المنطقة نفسها وفق آليات الديمقراطية والحريات التي طالبت بها الشعوب فهذا الموضوع أصبح من الماضي، ففي سورية يؤكد أن يكون هدفه الرئيس التركيز على "داعش" وليس على تغيير نظام "الأسد" الذي مارس جرائم حرب الإبادة واستخدم الأسلحة المحرمة.

فهو يقول: إن "الأسد" مسألة ثانوية، مقارنة "بتنظيم الدولة"، وذلك في مقابلة أجرتها معه جريدة "الجارديان" البريطانية في أكتوبر 2016م.

كما أن "ترمب" يرفض استقبال مزيد من اللاجئين السوريين، وسيسعى إلى وجود الجيش الأمريكي في المناطق الآمنة في سورية؛ من أجل استيعاب اللاجئين والنازحين على أن تدفع دول الخليج ثمن ذلك.

وقد صرّحت إدارته بالتوجّه لإيجاد مناطق وملاذات آمنة تحت الحماية الأمريكية في أربع مناطق (منطقتان في الشمال، وواحدة في منطقة الساحل والغرب، ورابعة في المنطقة المحاذية للجولان).

والهدف واضح، حيث إن بعض التحليلات بهذا الشأن تؤكد أهمية تأمين تواجد أمريكي عسكري في هذه المناطق، وخصوصاً أن للأمريكيين قاعدتين عسكريتين تم بناؤهما في الأراضي التي تسيطر عليها القوى الكردية السورية (PYD) الموالية لحزب العمال الكردستاني الذي يشن حرباً ضد تركيا، أما منطقة الشمال في إدلب فهي ستظل لتأطير قوى الثورة والمعارضة داخلها، وحصار الثورة في هذا الشريط والذي ستشرف عليه تركيا، أما الشريط الساحلي فستعطي روسيا تفويضاً كاملاً فيه ومساحة أكبر للنظام العلوي، وأما الشريط الموازي لـ"اإسرائيل" فهو لضمان حماية "إسرائيل" بحكم ذاتي لقوى درزية وموالية للولايات المتحدة.

أما باقي سورية؛ وهو الجزء الأكبر من مساحتها الذي تسيطر عليه قوى "داعش"، فالتوجه في إدارة "ترمب" هو استمرار مواجهة هذا التنظيم كهدف رئيس، وإعادة بناء التحالف "الأمريكي - الروسي - التركي - الإيراني" لمواجهته والقضاء عليه، ولو تم الاستمرار في تدمير كل سورية.

أما قضية المسلمين الأولى وهي فلسطين؛ فإن توجه "ترمب" وإدارته يتمثل في ثلاثة مسارات؛ تحصين الدولة اليهودية وحدودها، ونقل السفارة الأمريكية من "تل أبيب" إلى القدس لإضفاء الشرعية للاحتلال الكامل للقدس ضد كل القرارات الدولية، ثم محاربة سلاح "حماس" وإنهاؤه.

وقد تسارعت فعاليات حكومة الكيان الصهيوني في إقرار قانون المستوطنات الذي صوت "الكنيست" الصهيوني يوم 30 يناير الجاري عليه.

ويعد ذلك مكسباً تاريخياً للكيان الصهيوني في ظل إدارة "ترمب"، واستجابة لوعوده في خطابه أمام المؤتمر السنوي للجنة الشؤون العامة الأمريكية "الإسرائيلية" (إيباك) في مارس 2016م، وذلك في أنه حال انتخابه رئيساً سقيم تحالفاً قوياً بين بلاده و"إسرائيل"، ورفض أي اتفاق تفرضه الأمم المتحدة على "إسرائيل" والفلسطينيين ووصفه "بالكارثة"، واتهم منظمة الأمم المتحدة بأنها ليست صديقة لـ"بتل أبيب".

ويُظهر "ترمب" حقده بشكل سافر، وهو الرئيس الأمريكي الذي يؤكد وضوح عدائه تجاه المملكة العربية السعودية، فهو يطالب المملكة بدفع ثلاثة أرباع ثروتها من أجل حماية المملكة داخلياً وخارجياً.

كما أنه دعا في حوار أجرته معه صحيفة "نيويورك تايمز" إلى إمكانية التوقف عن شراء النفط من دول مثل السعودية في حال لم تقم بنشر قوات برية في المعركة ضد تنظيم "داعش"، أو أن تدفع للولايات المتحدة مستحقاتها لدورها في الحرب.

هذا الابتزاز الرخيص لأقوى دولة في العالم يدل على توجهات "ترمب" للاحتراب مع المسلمين ودولهم.

وبالرغم من بدء إجراءات تنفيذية لبعض قرارات الاحتراب آنفة الذكر؛ فإن تلك القرارات جوبهت بسخط شعبي داخلي في الولايات المتحدة وأوروبا؛ حيث تنامت المظاهرات العارمة بنيويورك وواشنطن ومدن كبرى في الولايات المتحدة، منددة بسياسات "ترمب" العنصرية، كما أن حشداً من السياسيين والأكاديميين والمثقفين الأمريكيين والأوروبيين قاموا بأنشطة معارضة ضد هذه القرارات الخاصة بهجرة وإقامة المسلمين في الولايات المتحدة.

كما أن رئيسة وزراء بريطانيا عارضت تلك السياسات، وقد تقدم مليون مواطن بريطاني بعريضة تطالب بإلغاء زيارة "ترمب" إلى بريطانيا، وطالب جمهور من الأمريكيين بسحب جنسية زوجة الرئيس "ترمب"؛ لأنها من أصل سلوفيني ولم يمضِ على تجنيسها أكثر من عشر سنوات.

ووجّه وزير خارجية فرنسا تعليقاً على الحظر الأمريكي بقوله: الإرهاب ليس له جنسية.

وقد دعت المستشارة الألمانية "ميركل" إلى أن تقوم أوروبا بالوقوف ضد سياسات "ترمب" الجديدة.

مما يؤكد نمو تيار أمريكي - أوروبي يشمل دولاً وأحزاباً ومؤسسات وجماهير ولجاناً ضد السياسات "الترمبية" الجديدة.

ويفترض أن يكون للدول الإسلامية وشعوبها وتياراتها تحالف مع تلك التيارات الجديدة المناهضة لسياسات الولايات المتحدة الجديدة، وخصوصاً تلك السياسات العنصرية ضد المسلمين التي تدعو إلى الاحتراب واجتثاث ديمجرافيتهم وواقعهم المعيشي.

بعد الحرب العالمية الثانية اتفقت الدول المنتصرة (دول الحلفاء وروسيا) على إعطاء نفسها حق «الفيتو» (النقض) للتصويت على القرارات بما يضمن لها حق الاعتراض وإسقاط تنفيذ أي إجماع في مجلس الأمن الدولي، واعتبرته حقاً أبدياً مكتسباً ومكافأة وتشجيعاً لها لتأسيس هيئة الأمم المتحدة، ولقد تم خلال ما يقارب 7 عقود الاعتراض على الكثير من القرارات التي تتعارض ومصالح الدول الخمس دائمة العضوية (الولايات المتحدة، روسيا، بريطانيا، فرنسا، الصين) أو يتعارض مع حلفاء هذه الدول.

فمنذ تأسيس الأمم المتحدة عام 1945م استخدم الاتحاد السوفييتي «الفيتو» حوالي 120 مرة، والولايات المتحدة 87 مرة، وبريطانيا 32 مرة، وفرنسا 18مرة، بينما استخدمته الصين 5 مرات.

وكان استخدام الاتحاد السوفييتي لحق «الفيتو» واسعاً جداً في الفترة بين عامي 1957 و1985م، ففي السنوات العشر الأولى من عمر المنظمة الدولية، استخدم الاتحاد السوفييتي حق «الفيتو» 79 مرة.

وخلال الحرب الباردة استخدم الاتحاد السوفييتي حق «الفيتو» باستمرار وبشكل روتيني، لكن في السنوات الأخيرة استخدمت الولايات المتحدة حق «الفيتو» باستمرار لحماية الكيان الصهيوني من الانتقادات الدولية، أو من محاولات الحد من أعمال الجيش «الإسرائيلي» في الأراضي الفلسطينية المحتلة.
كما صوتت الولايات المتحدة ضد 10 قرارات تنتقد جنوب أفريقيا، و8 حول ناميبيا، و7 حول نيكاراجوا و5 حول فيتنام، وكانت الدولة الوحيدة التي أعاقت صدور 53 قراراً.

ومن بين مشاريع القرارات الاثنين والثلاثين التي صوتت ضدها بريطانيا، هناك 23 مشروع قرار صوتت إلى جانبها الولايات المتحدة، و14 صوتت ضدها فرنسا أيضاً.

كما وقد استخدمت الصين حق «الفيتو» مرتين عام 1972م؛ الأولى لإعاقة عضوية بنجلاديش، ومرة أخرى مع الاتحاد السوفييتي حول الوضع في الشرق الأوسط، كما استخدمت حق «الفيتو» عام 1999م لإعاقة تمديد تفويض قوات الأمم المتحدة الوقائية في مقدونيا، وفي عام 1997م لإعاقة إرسال 155 مراقباً من مراقبي الأمم المتحدة إلي جواتيمالا.

وقد نالت منطقتنا العربية قسطاً كبيراً من الأضرار والاستبداد العالمي نتيجة ممارسة هذه الدول، وخصوصاً الولايات المتحدة، وروسيا لحق «الفيتو»، حيث ساهمت هذه القرارات في فشل الكثير من محاولات التفاهم الإقليمي والمحلي لحساب المصالح الدولية.

ولقد استفادت دولة الكيان الصهيوني أيما استفادة من تمكنها في فلسطين والمنطقة العربية؛ بسبب وقوف الولايات المتحدة ودول كبرى ضد القرارات الرادعة للاحتلال، ولاغتصاب فلسطين والأراضي العربية المحيطة بفلسطين كسيناء ولبنان وسورية والأردن، كما حدث في حرب عام 1967، ولبنان عام 2006، وقطاع غزة عام 2008م.

وها نحن شاهدون على الجرائم الوحشية لروسيا في سورية والداعمة لجرائم الإبادة التي يمارسها نظام “بشار” ضد الشعب السوري؛ حيث اعترضت روسيا على كل المشاريع الدولية التي من شأنها أن توقف الحرب ضد المدنيين، أو تدين النظام السوري لحصاره للمدنيين أو إدخال المساعدات الإنسانية أو إنشاء مناطق عازلة، أو فرض عقوبات على نظام “الأسد”، ولقد صوتت روسيا ضد ما يقارب 6 قرارات بهذا الشأن.

لقد أدى هذا الحق (الفيتو) إلي الإضرار بالسلام العالمي، وساهم في إذكاء الحروب وقتل المدنيين وملايين من أبناء البشرية، وحان الوقت للوقوف ضده، إذ إن استمرار هذا الحق سيفرض حالة الإرهاب الدولي على العالم ، ويساعد في ازدهار الاستبداد والأنظمة الدكتاتورية، ويساهم في إذكاء الصراع الدولي والإقليمي.

لقد آن الأوان أن تتوحد جهود الشعوب الإنسانية ودولها للتكاتف لإلغاء هذا الحق، وإعادة تشكيل مجلس الأمن بالنظام الديمقراطي، وإعطاء الدول وشعوبها حق تمرير القرارات الدولية التي تساعد على نصرة المظلوم وإيقاف طغيان تجار الحروب وسماسرة السياسة الدولية، وهناك حالياً نداءات مشجعة من دول ذات وزن وثقل كالهند والبرازيل وألمانيا وتركيا ومجموعة من الدول العربية والأوروبية ودول أمريكا الجنوبية وآسيا لإلغاء نظام التصويت والحق الحصري للدول الكبرى الخمس بـ «الفيتو» على سيادة وقرارات الدول وشعوب العالم.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top