محمد العودات

محمد العودات

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

هذا الشعار الذي انطلق في الربيع العربي "الشعب يريد إسقاط النظام" يضرب الآن الدولة اللبنانية، ويهتف الشعب اللبناني الشعب يريد إسقاط النظام، لكن السؤال: هل يستطيع الشعب اللبناني فعلياً إسقاط النظام السياسي القائم على المحاصصة الطائفية وبناء نظام سياسي جديد ينتقل بهم إلى الدولة المدنية الحديثة.

النظام السياسي القائم

بموجب اتفاقية "سايكس بيكو" التي تمت المصادقة عليها من قبل عصبة الأمم، وُضع لبنان تحت الانتداب الفرنسي، وأعلن عام 1920 الجنرال غورو، المندوب السامي الفرنسي، إعلان لبنان الكبير، وذلك بضم مناطق لبنان الحالية إلى متصرفية جبل لبنان التي كانت تعامل تلك المتصرفية في الدولة العثمانية ككيان مستقل عن بلاد الشام، ويعين لها رئيس مسيحي غير تركي وغير لبناني بتنسيب وموافقة الدول الأوروبية العظمى وقتذاك.

عارض العرب المسلمون إعلان غورو للبنان الكبير، كونه يجعل منهم أقلية في لبنان؛ إذ إنهم كانوا يسعون للانضمام إلى سورية الدولة العربية الكبرى التي أعلنها الملك فيصل في ذلك الوقت، كما أن المسلمين سُنة وشيعة كانوا يعاملون الانتداب الفرنسي على أساس أنه احتلال أجنبي يجب مقاومته بخلاف الطائفة المسيحية التي كانت تعتبر نفسها امتداداً للحكم الفرنسي وأوروبا في منطقة الشرق الأوسط.

وضع الانتداب الفرنسي الدستور اللبناني وفقاً لأسس الدولة الحديثة، وكان هذا الدستور لا ينص في أي مادة من مواده على المحاصصة الطائفية للحكم، وجاء أول رئيس لبناني تحت الانتداب شارل دباس مسيحياً أرثوذكسياً، كون المسيحيين في ذلك الوقت كانوا أكثرية الشعب اللبناني، إذ مثلوا في إحصاء 1932 ما نسبته 51% من الشعب اللبناني.

بعد سنوات من عمر الانتداب كانت هناك ضغوط بعد ذلك من قبل بريطانيا والولايات المتحدة من أجل تسليم فرنسا السلطة إلى الوطنيين اللبنانيين، وكان الجدل كبيراً بين الطوائف الموجودة على الأرض، المسلمون يريدون أن يكونوا جزءاً من العمق العربي في سورية، والمسيحيون بقيادة السياسي إميل إده، أول مرشح خاسر في الانتخابات الرئاسية بعد الاستقلال، كانوا يريدون البقاء تحت الحماية الفرنسية، ويعتبرون أنفسهم امتداداً للحكم الفرنسي ويرفضون الذوبان في المحيط الإسلامي الكبير.

ما بين عام 1941 إلى عام 1943 ظهرت طبقة سياسية مسيحية يقودها بشارة الخوري، وطبقة مسلمة يقودها رياض الصلح كانت هذه الطبقة مقتنعة أنه من المهم الاعتراف باستقلال لبنان بشكله الذي أعلنه غورو عام 1923 على أن يكون المكون المسلم جزءاً من هذه الدولة، ويتخلى المكون المسيحي عن رغبته في أن يكون امتداداً للدولة الفرنسية، وجاء الميثاق الوطني اللبناني كاتفاق عرفي غير مكتوب بين بشارة الخوري، ورياض الصلح بتقاسم السلطة في البلاد، على أن يكون الرئيس مسيحياً مارونياً، ويكون رئيس الوزراء مسلماً سُنياً، ويكون رئيس مجلس الشعب من الطائفة الشيعية، وفعلياً تم انتخاب بشارة الخوري كأول رئيس للبنان بعد إعلان الاستقلال عن فرنسا، وتم تعيين رياض صلح رئيساً للوزراء.

ظهر خلاف على عدد الدوائر الانتخابية ومقاعد النواب، فتدخل مصطفى باشا النحاس رئيس الوزراء المصري في ذلك الوقت، وتم الاتفاق على أن يكون لبنان 55 دائرة؛ يكون للمسيحيين 30 دائرة، وللمسلمين 25 دائرة، وهكذا أصبح لبنان جزءاً من محيطه العربي.

بقي العمل في ميثاق المؤتمر الوطني اللبناني العرفي حتى اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975، إثر اشتباكات ما بين الكتائب المارونية والفصائل الفلسطينية المسلحة التي تمركزت في لبنان، ثم تطورت الاشتباكات لتشمل كل مكونات الشعب اللبناني المسلم والمسيحي، والمسيحي المسيحي، ودخلت سورية على خط الأزمة، كما قامت "إسرائيل" بالدخول على خط الأزمة واحتلت الجنوب اللبناني لضرب الفصائل الفلسطينية وبناء تحالف إسرائيلي مع المسيحيين في لبنان، حرب استمرت 15 سنة، راح ضحيتها أكثر من 150 ألف قتيل من جميع الأطراف، وأكثر من مليون نازح ولاجئ، حتى جاء "اتفاق الطائف" برعاية المملكة العربية السعودية الذي أنهى الصراع وأعاد توزيع السلطة من جديد بأن جعل مقاعد مجلس النواب مناصفة بين المسلمين والمسيحيين، وجعل رئيس الوزراء من الطائفة السُّنية المسلمة مسؤولاً أمام البرلمان وليس أمام رئيس الجمهورية، وتم إعطاء رئاسة مجلس النواب للطائفة الشيعية، وتم تقسيم مقاعد مجلس الوزراء بالتساوي بين المسيحيين والمسلمين، وتم ترسيم علاقة سورية بالبنان، وتم إعطاء الشرعية لحق مقاومة الاحتلال الصهيوني لجنوب لبنان، وحل جميع الكتائب والمليشيات الطائفية باستثناء مليشيا "حزب لله" بصفته فصيلاً مقاوماً للاحتلال فقط، وبقي هذا الاتفاق يحكم العملية السياسية في لبنان حتى وقتنا الحاضر.

أرقام مقلقة في لبنان

الثورة في لبنان لم تكن ثورة سياسية؛ إذ بدأت الاحتجاجات على فرض ضريبة على المحادثات الهاتفية في تطبيق "واتساب" الشهير، ثم تطورت المطالبات لتشمل تحسين الحياة الاقتصادية، وتطورت بعد ذلك لتصبح احتجاجات على كل المنظومة السياسية القائمة؛ إذ إن الأرقام الاقتصادية والاجتماعية تشير إلى قلق كبير على مستقبل الدولة في لبنان وبنيتها الاجتماعية.

إذ يعاني لبنان من مديونية تقدر بمبلغ 85 مليار دولار بما يعادل 150% من الناتج المحلي، وبلغب فوائد هذه الديون ما يقارب نصف إيرادات الدولة السنوية، وهذه الديون في غالبها هي ديون للبنوك المحلية المملوكة لزعماء الطوائف والساسة المتحكمين بالمشهد السياسي، هذا الوضع في المديونية يشبه وضع اليونان قبل إشهار إفلاسها قبل عدة أعوام.

تشير الأرقام إلى وجود مشكلة طبقية طاغية في لبنان؛ إذ إن 1% من الشعب اللبناني يملك ثروة تزيد عما يملكه 58% من الشعب اللبناني، وإن ثروة 7 أشخاص لبنانيين فقط تزيد خمسة أضعاف عما يملكه الشعب اللبناني بكامله.

كما إن نسبة البطالة في لبنان بلغت حوالي 30%، فيما وصلت إلى 36% بين الشباب، وهي قد تكون من النسب الأعلى عالمياً، فيما يخسر لبنان سنوياً أكثر من 35 ألف شاب من أهل الخبرة والكفاءة في الهجرة للعمل في الخارج.

يشكل الفقر بشكل عام ما نسبته 30% في لبنان، بينما تزداد هذه النسب بكثير في مناطق الأطراف التي تعيش حالة من التهميش الاقتصادي.

كما احتل لبنان الرقم 138 من أصل 180 دولة على مؤشرات الفساد العالمية، فيما يتكبد لبنان مبلغ ملياري دولار سنوياً بسبب الفساد.

فيما أشارت إحصاءات عام 2019 إلى أن نسبة العنوسة في لبنان من عمر يوم إلى عمر 49 سنة بلغت 71%، ويعود ذلك بالشكل الرئيس إلى سوء الأوضاع الاقتصادية التي تحول دون الزواج.

هل يمكن إسقاط النظام السياسي القائم في لبنان؟

الميثاق الوطني اللبناني في عام 1943 واتفاق الطائف الذي أنهى الحرب الأهلية الأصل أنهما قاما بتقسيم المناصب السيادية في لبنان، إلا أن التقسيم نزل ليضرب كل مفاصل الدولة من جيش وأمن وقضاء وكل الوظائف الحكومية، ومن هنا أصبحت الدولة عبارة عن تجمعات طائفية، فأصبحت الدولة شبه فاشلة يضربها الفساد، فتم تحويل القطاع العام إلى قطاع رعوي تضخم بشكل كبير من أجل التوظيفات الحزبية والطائفية مع غياب الكفاءة والإنتاجية، فأصبح تضخم وترهل القطاع العام أكبر مشكلة معقدة تواجهها الدولة اللبنانية.

في إحصاء عام 2018 جاءت النتائج لتشير إلى اختلاف التركيبة السكانية في لبنان، حيث بلغ المسيحيون ما نسبته 30.6% من الشعب اللبناني، فيما ارتفعت نسبة المسلمين إذ أصبحت الطائفة الشيعية تمثل الأعلى عدداً، حيث أصبحت تمثل ما نسبته 31.6% من عدد الشعب اللبنانيين، فيما تمثل الطائفة السُّنية 31.3% من الشعب اللبناني، وباقي النسب موزعة على الطوائف الأقل عدداً في لبنان والبالغة 18 طائفة معترف بها رسمياً.

فيما أعلن الأمين العام لـ"حزب لله" الممثل الأقوى للطائف الشيعية اللاءات الثلاث في وجه الاحتجاجات اللبنانية: "لا لإسقاط العهد السياسي القائم، ولا للانتخابات المبكرة، ولا لإسقالة الحكومة"، فيما جاء خطابه محذراً من تحول الاحتجاجات لحرب أهلية، وقدم تهديداً مبطناً للمحتجين من خلال التهديد بتنزيل أنصاره للشوارع، كما اتهم الاحتجاجات بأنها مدعومة من الخارج، وأن هناك مؤامرة خارجية على لبنان، فـ"حزب الله" من هذا الخطاب يتضح أنه يريد المحافظة على الوضع القائم، وأنه لا يريد أن يفرط بمكتسباته السياسية القائمة من خلال وجود رئيس حليف له، وحكومة يشارك فيها بعدد معتبر من الوزراء، وله عدد مؤثر في البرلمان.

جاء موقف سعد الحريري أكثر تعاطياً مع الاحتجاجات من خلال القبول بالدعوة إلى انتخابات مبكرة واستقالة الحكومة، دون أن يتضمن الحديث عن تغيير قواعد اللعبة السياسية التي جاءت بالميثاق الوطني واتفاق الطائف بعد ذلك.

فيما اكتفى الرئيس اللبناني عون بالحديث عن ضرورة تغيير الواقع الحكومي، دون الحديث عن أي انتخابات مبكرة أو تعديل قواعد اللعبة في النظام السياسي القائم.

في الوقت الذي يجمع فيه الزعماء السياسيون للطوائف الثلاث على عدم الحديث عن تبديل قواعد اللعبة السياسية، والاستمرار بالتحرك ضمن قواعد اللعبة القديمة ونطاقها وتقسيماتها وحديثهم عن إصلاحات بهامش بسيط لا يغير الواقع؛ فإن المحتجين اللبنانيين بدؤوا يدركون أن أزمتهم الاقتصادية هي عرض لمرض الأزمة السياسية، وأن نظام المحاصصة الطائفية لم يعد قادراً على تلبية طموحات الشعب اللبناني وإدارة الدولة واستمراريتها، كما أن نظام المحاصصة هدم بنية الدولة اللبنانية وإمكانية تطورها، فنزلوا للشوارع متخلين عن طائفيتهم، متحركين بوجعهم الاقتصادي الضاغط، فالمحتجون يصرون حتى الآن على أنهم غير معنيين بكل ما يطرحه الساسة في لبنان، وبدؤوا وكأنهم أقرب إلى تشكيل رؤية شعبية موحدة، عنوانها أن زمن اقتسام السلطة على أسس طائفية قد انتهى، وجاء الزمن الذي يكون فيه لبنان دولة مدنية لا صوت فيها أعلى من صوت المواطنة والقانون بعيداً عن فوارق اللون أو الجنس أو الدين أو العرق.

النضوج الذي تمتعت به الاحتجاجات اللبنانية، وهذه الفسيفسائية من كل الطوائف والمناطق، تقول: إنه يمكن لهذا الحراك أن يقول كلمته في تغيير النظام السياسي، وينجح في إنهاء عصر المحاصصة الطائفية القائم منذ 80 عاماً، ويعيد السلطة للشعب، ليخرج من بينهم من يرعى مصالحه ويطور مواردهم وينهي حالة تقاسم الثروات والمناصب والفساد بين ساسة الطوائف.

لكن هل ينجح المحتجون في بلورة هذه المطالب وإسقاط نظام المحاصصة الطائفية وبناء لبنان الدولة الحديثة؟ هذا يعتمد على عدة عوامل؛ أهمها نضوج النخب التي تتواجد في ميادين الاحتجاج، ووعي تلك النخب في التغلب على محاولات زعماء الطوائف المتكسبين في جر لبنان إلى مربع التخندق الطائفي الكفيل بإنهاء هذه الاحتجاجات إلى نهايات بائسة ومؤلمة للجميع.

أعلنت الهيئة المستقلة للانتخابات النتائج النهائية للانتخابات التونسية التي تصدرت بها حركة النهضة الإسلامية عدد المقاعد بحصولها على 52 مقعداً من أصل 217 مقعداً العدد الكلي للمجلس التشريعي التونسي، فيما حل حزب قلب تونس العلماني المنشق عن حزب نداء تونس المرتبة الثانية بحصوله على 38 مقعداً، لكن هل ستستطيع النهضة تشكيل حكومة ائتلافية؟ أم أننا سنكون أمام خيار الذهاب للانتخابات التشريعية المبكرة.

(1) أيديولوجيا القوائم الانتخابية:

- حركة النهضة الحاصلة على 52 مقعداً: حركة إسلامية سياسية تؤمن بالإسلام الديمقراطي وكانت منذ تأسيسها فرعاً للإخوان المسلمين في تونس، إلا أنها قامت بإجراء مراجعات فكرية وقادت من داخلها تحولات فكرية كبيرة.

- حزب قلب تونس الحاصل على 38 مقعداً: حزب علماني حديث التأسيس عمره أقل من خمسة شهور وهو حزب منشق عن حزب نداء تونس أسسه نبيل القروي، رجل الأعمال والمرشح الرئاسي الخاسر في الجولة الثانية والملاحق بقضايا فساد وغسيل أموال.

- قائمة التيار الديمقراطي والحاصلة على 22 مقعداً: وهو حزب يساري تأسس في عام 2013م بقيادة محمد عبو، وزير الإصلاح الإداري في حكومة الترويكا التي كانت تقودها النهضة، الحزب يساري التوجه وأمينه العام هو الأمين العام السابق لحزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي أسسه الرئيس التونسي السابق المنصف المرزوقي قبل أن يندمج الحزب الأخير في حزب "حراك تونس من أجل الإرادة" الذي أسسه أيضاً المنصف المرزوقي.

- قائمة ائتلاف الكرامة والحاصل على 21 مقعداً: تحالف انتخابي وليس حزباً سياسياً، وهو تحالف يتشكل من ثلاثة أحزاب حزبان إسلاميان وحزب يساري تابع للمنصف المرزوقي وخليط من الشخصيات الإسلامية واليسارية المعتدلة.

- قائمة الحزب الدستوري الحر والحاصل على 17 مقعداً: وهو حزب سياسي تم تأسيسه في عام 2013م وهو حزب يمثل بقايا نظام بن علي ويعبرون عن ذلك التوجه بشكل واضح وصريح.

- قائمة حركة الشعب الحاصلة على 16 مقعداً: وهي قائمة تابعة لحزب حركة الشعب ذي التوجه الناصري المؤمنين بالوحدة العربية والمد القومي العروبي، وتضم القائمة أيضاً خليطاً من أصحاب التوجه الديني المحافظ أيضاً.

- قائمة حركة تحيا تونس الحاصلة على 14 مقعداً: حزب تحيا تونس حزب علماني يقوده الشاهد، رئيس الحكومة السابق، المنشق عن حزب نداء تونس بعد خلافه مع الحافظ السبسي نجل الرئيس التونسي السابق الباجي قائد السبسي، وتربطه علاقة تحالف سياسي جيدة مع حركة النهضة التي دعمت حكومته بعد خلافه مع نداء تونس، وكان يتوقع دعم النهضة له في الانتخابات الرئاسية قبل أن تعلن خوضها للانتخابات الرئاسية بترشيحها للشيخ عبدالفتاح مورو.

- قائمة حركة مشروع تونس والحاصلة على 4 مقاعد: وهو حزب علماني منشق عن حزب نداء تونس الذي حكم تونس في 2014م.

- قوائم أخرى مختلفة والحاصلة على 33 مقعداً: أبرزها حزب الاتحاد الشعبي، وهو حزب قومي يساري يخاصم حركة النهضة وحزب البديل التونسي، الذي يضم طبقة رجال الأعمال وقوائم مستقلين من مختلف الاتجاهات الفكرية يسارية وإسلامية ومستقلة.

(2) فرصة النهضة في تشكيل حكومة ائتلافية:

تدرك حركة النهضة أن البرلمان الذي جاء هو برلمان معلق بالمعنى السياسي، وأن النهضة ستكون عاجزة عن تشكيل الحكومة بمفردها بعيداً عن التحالفات السياسية الأخرى، إذ إنها تحتاج إلى 109 مقاعد داخل البرلمان لتستطيع تشكيل حكومة، وهذا يتطلب منها عقد تحالفات سياسية مع مجموعة من الأحزاب تملك 57 مقعداً.

تعلم حركة النهضة أنها ستدخل مفاوضات تشكيل الحكومة الائتلافية وهي تقطع علاقتها السياسية مع ثلاث كتل برلمانية تمتلك 58 مقعداً برلمانياً، أولها حزب قلب تونس الذي يملك 38 مقعداً، حيث بدا واضحاً من تصريحات نبيل القروي، رئيس حزب قلب تونس، الخارج من السجن الذي باشر حملته في الجولة الرئاسية الثانية بالهجوم على حركة النهضة، واتهام قيس سعيد بأنه يمثل حركة النهضة، هذا الهجوم قابله الشيخ راشد الغنوشي في أول مقابلة تلفزيونية له بعد الانتخابات بأن تصريحات قلب تونس ليست مبشرة، موضحاً أنه لم يتلق أي اتصال للتهنئة من رئيس قلب تونس بفوز حزبه بأعلى المقاعد، كما فعل هو مع الباجي السبسي في انتخابات 2014م.

حزب النهضة أعلن مبكراً أن برنامجه القادم سيقوم على محاربة الفساد ونشر الشفافية ومكاشفة الشعب، في حين أن حزب قلب تونس تدور حوله شبهات كبيرة بتورط نبيل القروي، الأمين العام للحزب، بقضايا فساد وغسيل أموال، وثاني الكتل التي تقاطعها نهضة تونس الحزب الدستوري والحاصل على 17 مقعداً، وهو حزب يمثل بقايا نظام بن علي الذي يعادي حركة النهضة ويقف ضدها، وهناك صراع تاريخي كبير بين النهضة ونظام بن علي، وثالثها حزب الاتحاد الشعبي اليساري المتطرف الذي يكنّ العداء الكبير لحركة النهضة ويملك ثلاثة مقاعد فقط.

فيما يبدو أن أقرب الأحزاب للتحالف مع النهضة التي تمتلك 61 مقعداً حزب التيار الديمقراطي بقيادة محمد عبو 22 مقعداً، وائتلاف الكرامة الداعم للمنصف المرزوقي 21 مقعداً، وتحيا تونس 14 مقعداً حليف النهضة في الحكومة السابقة، ومشروع تونس 4 مقاعد، يبدو أن هذه الأحزاب ستكون النقطة التي ستنطلق منها النهضة في مفاوضاتها في تشكيل الحكومة، وستعتمد النهضة على نسبة كل حزب في البرلمان في تقاسم الحقائب الوزارية، إلا أن النهضة تدرك أن البرلمانات المعلقة تجعل المفاوضات عسيرة في تشكيل الحكومة خاصة مع تباين أيديولوجي واضح.

في ذات الوقت حركة النهضة لا تخشى الانتخابات المبكرة فيما لو فشلت في تشكيل الحكومة الائتلافية، إذ إن الذهاب للانتخابات المبكرة سيجعل حزب قلب تونس هو الخاسر الأكبر خاصة بعد خسارته في الانتخابات الرئاسية في الجولة الثانية بفارق كبير، والفضيحة الجنسية التي طالت أحد مرشحيه الناجحين في البرلمان، وشبه الفساد التي بدأت تحيط بنبيل القروي أكثر فأكثر، إضافة إلى برنامج الخطاب الثوري الذي أعلنت عنه النهضة في مكافحة الفساد ونشر الشفافية ومكاشفة الشعب ومصارحته بعد الرسالة التي بعثها الشعب بانتخاب قيس سعيد، باستعادة الخط الثوري، إضافة إلى أن الشعوب عادة تنزع إلى استقرار الحياة السياسية في الانتخابات المبكرة وتنحاز إلى الأحزاب الأكبر لتسهيل مهمتها في استقرار النظام السياسي، كما حصل في تركيا في آخر انتخابات عندما جرت الانتخابات المبكرة، مع التأكيد أن حركة النهضة سوف تعتمد على استطلاعات الرأي من المراكز الموثوقة قبل أن تحسم قراراها في الذهاب للانتخابات المبكرة.

(3) النهضة والرئيس المنتخب قيس سعيد:

خاضت حركة النهضة الانتخابات الرئاسية لأسباب داخلية أكثر منها أسباب خارجية، كما أن خسارتها للانتخابات الرئاسية في الجولة الأولى أثر على فرص النهضة في الانتخابات التشريعية، إلا أنها وجدت نفسها في الجولة الثانية أمام خيار واضح ووحيد في دعم المرشح قيس سعيد أستاذ القانون الدستوري القادم من حالة العدم السياسي.

وجود قيس سعيد في قصر قرطاج سوف يدعم برنامج النهضة فيما لو استطاعت تشكيل حكومة ائتلافية، وخاصة في موضوع ترسيخ الديمقراطية ودولة القانون ومكافحة الفساد وتعزيز النزاهة والشفافية، كما أن وجوده سوف يعزز دور النهضة في العلاقات الخارجية وخصوصاً تعميق العلاقة مع الجزائر والتدخل الإيجابي في الشأن الليبي لإنهاء الصراع الذي يجلب الاستقرار للمنطقة، كما أن موقف النهضة يتطابق تماماً مع موقف قيس سعيد من القضية الفلسطينية.

تدرك حركة النهضة أن التصريحات الانتخابية ما قبل الوصول للسلطة مختلفة عن التصريحات ما بعد الوصول للسلطة والاطلاع على المعلومات من أجهزة الدولة ومؤسساتها، وخاصة مع مرشح لم يكن له أي تاريخ سياسي، ولم يكن جزء من السلطة في أي مرحلة من مراحل حياته، لذلك تعلم النهضة بأن أستاذ القانون الدستوري سوف تكون مواقفه في العلاقات الخارجية العربية والدولية أكثر رشداً عندما يجلس على كرسي الرئاسة في قرطاج ويطلع على كافة المعلومات.

لم يتضح حتى الآن موقف حركة النهضة من مشروع اللامركزية في الحكم الذاتي وتوسيع دائرة المشاركة الشعبية في حكم نفسه بعيداً عن الحكومة المركزية الذي يحمله الرئيس قيس سعيد، كما أن النهضة سوف تدعم مشروع الفصل بين العمل الخيري والعمل السياسي هذا القانون الذي تم سنه على زمن الرئيس الراحل الباجي القائد السبسي لمنع تأثير العمل الخيري على منتجات العمل السياسي كما حصل في حزب قلب تونس في الانتخابات الأخيرة والذي استغل حاجة كبار السن وأهل العوز ليدخل انتخابات الجولة الرئاسية الثانية ويحصل حزبه على الكتلة الثانية في عدد المقاعد البرلمانية.

من المرجح أن النهضة سوف تدخل في حالة خلاف مع الرئيس قيس سعيد فيما يتعلق بطرحه التحول من النظام البرلماني إلى النظام الرئاسي، أو توسيع صلاحيات الرئيس على حساب الصلاحيات الممنوحة للحكومة البرلمانية، فحركة النهضة أظهرت موقف رافض من أصحاب التوجهات الرئاسية في الحكم، فهي تميل وتؤمن بأن الحكومات البرلمانية هي الأنسب للديمقراطية التونسية كما أن تونس قريبة العهد بحالة الاستبداد السياسي وتخشى من عودة الاستبداد على صهوة الحكم الفردي أو حكم الشخص الواحد.

أياً تكن نقاط الخلاف بين برنامج الرئيس قيس سعيد وحركة النهضة، إلا أنهم يجمعهم الإخلاص للخط الثوري وبناء تونس الجديدة الدولة الحديثة ودولة القانون والمؤسسات وما يجمعهم أكثر بكثير مما يختلفون عليه.

 

لم تكن نتائج الانتخابات الرئاسية التونسية صادمة لمراكز الدراسات واستطلاعات الرأي، لكنها كانت صادمة للقوى العلمانية والإسلامية التي كانت تحكم في تونس، إذ أن النتائج أسفرت عن هزيمة كبيرة لكل من شارك في السلطة بعد الثورة التونسية، السؤال لما هذا التقلب الحاد في مزاج الناخب التونسي؟ وما الرسالة التي أراد أن يرسلها الشعب التونسي للأحزاب والقوى السياسية؟ وما هي انعكاسات نتائج الانتخابات على حركة النهضة أكبر حركة سياسية إسلامية في تونس.

(1) في فهم البيئة التونسية:

تونس دولة من دول المغرب العربي متوسطة المساحة الجغرافية نسبياً تطل على البحر الأبيض المتوسط يشكل المسلمين أغلبية كبيرة فيها مع أقلية مسيحية وأقلية يهودية صغيرة جداً، بلد خرجت منها شرارة الربيع العربي في عام 2011م، وأسقطت نظام بوليسي حكم لأكثر من ثلاثين سنة، وبقيت محافظة على ثورتها في ظل مد الثورات المضادة وتقهقر الربيع العربي في معظم الأقطار العربية.

يبلغ عدد سكان تونس حوالي أحد عشر مليون نسمة، يمثل الشباب والذين تقل أعمارهم عن 29 سنة ما نسبته 55% من الشعب التونسي، تمتاز تونس بارتفاع نسبة التعليم وانخفاض نسبة الأمية إلى أدنى الدرجات عربياً، حيث يوجد لديها ثلاثة عشر جامعة ويلتحق بها أكثر من ثلاثمائة وخمسون ألف طالب وطالبة في التعليم الجامعي العالي.

ارتفعت نسبة البطالة بين التونسيين إلى 15%، كما بلغت نسبة الفقر – الذين لا يتجاوز دخلهم السنوي 600 دولار أمريكي - الى 12%، وإنخفض متوسط دخل الفرد السنوي إلى 4000 دولار أمريكي، كما بلغت نسبة العنوسة بين الذكور والإناث العازفين عن الزواج إلى نسبة قد تكون الأعلى على مستوى العالم إذ بلغت 80% بين فئات الشباب الذين لم تزد أعمارهم عن 30 عاماً كنتيجة طبيعية للظروف الاقتصادية الحرجة التي تعيشها البلاد.

(2) كيف صعد قيس سعيد ونبيل القروي ؟:

- قيس سعيد:
رجل قانون يبلغ من العمر 60 عاماً، وهو رجل قانون مخضرم وأستاذ في القانون الدولي، يسمى الآلة الميكانيكية أو الروبوت، أطلق عليه هذا الوصف كونه يتحدث باللغة العربية الفصيحة ويتكلم بذات الطبقة الصوتية بشكل متواصل، يوصف الرجل بانه جاء من العدم السياسي اذ لم يكن يعمل في السياسة ولم ينتم إلى أي حركة سياسية أو حزبية ولم يشارك في أي نضال سياسي طيلة العهد البورقيبي وعهد بن علي الأكثر استبداد ودكتاتورية والذين تسلموا الدولة بشكل متلاحق بعد رحيل الاستعمار.
كثيرة هي القراءات التي تفسر صعود قيس سعيد لكن أهم تلك القراءات وأكثرها إقناعاً نجملها في التالي :
• برنامج الرجل القانوني: والذي يؤصل للمطالبة بتعديل القوانيين الانتخابية وإعادة تشكيل الهياكل القانونية في الدولة فهو مؤمن بالانتقال من النظام المركزي إلى النظام اللامركزي في إدارة البلاد لتمكين الشعب من إدارة أقاليمه التي تضم 24 ولاية بما يناسب وضعها وظروفها وحاجاتها ومتطلباتها المعيشية وليصبح الشعب أكثر مشاركة في حكم نفسه وصناعة القرار الذي يعنيه.

• انتخابه جاء ردة فعل عقابية من القواعد الشعبية على أداء كل من شارك في الحكم في مرحلة ما بعد الثورة، حيث أنه استطاع فيما أثبتته أرقام شركة الاستطلاعات سيغما كونسايو والتي أفادت بأن 25% ممن صوتوا لسعيّد صوتوا سنة 2014م لنداء تونس العلماني، و15% صوتوا للنهضة التونسية الإسلامية، وأكثر من 30% من الناخبين الجدد الذين لم يصوتوا سابقاً، قيس سعيد سحب من الجمهور العلماني ضعف ما سحب من الجمهور الإسلامي.

• قدوم الرجل من العدم السياسي، قد تكون هذه الصفة أكثر ما أفاد قيس سعيد في ظل السخط الشعبي على الساسة وقيادة مرحلة ما بعد الثورة، رجل لم يعمل سياسياً وبالتالي لم يخطئ فدخل المعركة متخففاً من أي وزر وأخطاء سياسية سابقة خلافاً لمعظم المرشحين الذين كانوا جزء أصيل من مرحلة ما بعد الثورة فكان له نصيب من أصوات جماهير أخذت تبحث عن حلول من خارج الصندوق الانتخابي المعهود.

• انفتاح الرجل على جميع التيارات والمكونات السياسية فكان جزء من حملته الانتخابية رضا شهاب مكي اليساري أو ما يعرف "رضا لينين" من أبرز مؤسسين التيار الوطني الديمقراطي، وانضمام رضا بالحاج الناطق الإعلامي السابق لحزب التحرير الاسلامي للحملة الانتخابية لقيس سعيد، هذا التنوع الأيدلوجي وقدرة الرجل على جمع هذه المكونات المتناقضة في بوتقة واحدة كانت عامل إثراء كبير لحملته الانتخابية.

• رفع الرجل لواء محاربة الفساد والمنظومة القديمة والدولة العميقة والتي يعتقد الشعب التونسي أنها من أهم الأسباب في تردي وضعه الاقتصادي، فرفع شعار التخلص من تلك المنظومة التي تسللت إلى الجسم الثوري وأعادت إنتاج ذاتها من خلال تشكيل أكبر حزب سياسي "نداء تونس" قبل أن يتفتت إلى ستة أحزاب متناحرة، إلا أن الرجل لم يكن شعبوي في طرحه السياسي، ولم يقدم وعود وردية بعيدة عن الواقع، فالوعود لديه كانت تتسم بالواقعية ويركز على مكافحة الفساد المنظم وما أفرزه من طبقية اقتصادية ويؤصل قانونياً لإعادة هيكلة البناء السياسي للنظام التونسي والسير نحو اللامركزية.

• ظهور الرجل بمظهر الزاهد السياسي، فلا حملات انتخابية كبيرة ولا مصاريف إعلامية باهظة، رفض أخذ المخصصات التي تصرفها الدولة للمشاركين في الانتخابات الرئاسية، قليل الظهور الإعلامي والاعتماد على طرق التواصل المباشر مع الجمهور في المقاهي والشوارع والزقاق فكان بذلك أقرب لقلب الشارع التونسي الذي بدأت تسوء أحواله الاقتصادية بشكل ملحوظ ما بعد الثورة.

نبيل القروي:
نبيل القروي رجل أعمال تونسي بدأ حياته العمل في فرنسا كموظف تسويق ثم أخذ بتأسيس شركته (قروري قروي) في الدعاية والإعلان والإعلام، شركة حققت نجاحات في أكثر من دولة وتحولت خلال سنوات قليلة إلى شركة متعددة الجنسيات وأسس بعد ذلك قناة فضائية " نسمة" قبل الثورة وحولها بعد الثورة الى قناة إخبارية، دخل الحياة السياسية بعد الثورة من خلال حزب نداء تونس فهو من أوائل من أسسوا حزب نداء تونس مع الراحل الباجي قائد السبسي لمواجهة النهضة في 2014م وكان قريب ومرافق للراحل، لكنه كان أيضاً جزء من الانشقاقات التي طالت حزب نداء تونس ليؤسس حزب قلب تونس بعد ذلك ويخوض الانتخابات باسم حزبه الجديد قلب تونس وينافس الزبيدي مرشح حزب نداء تونس.
نبيل القروي فقد ابنه الأكبر خالد في حادث عام 2016م ليؤسس جمعية خيرية أسماها جمعية خالد القروي والتي كانت واجهته للعمل الخيري واستطاع من خلالها النفوذ للعمل السياسي والذي إنعكس على إنحياز الطبقات الفقيرة لنبيل القروي وخاصة الناس الأكبر سناً.
كما كان لقرار- رئيس الحكومة الشاهد والخاسر في الانتخابات الرئاسية- تقديم نبيل القروي الى القضاء والزج به في السجن بتهمة غسيل الأموال في بداية الحملة الانتخابية الأثر الأكبر في جلب التعاطف معه باعتباره ضحية للصراع السياسي على الانتخابات الرئاسية.

(3) النهضة ما بعد الخسارة الانتخابية:

هي نتائج الصدمة الكبيرة لحركة النهضة، نتائج لم يكن يتوقعها أكثر المتشائمين من داخلها، إذ استطاع رجل قادم من وسط العدم السياسي أن يهزم أحزاب كبيرة وعريقة في الحياة السياسية، لكن ما هي آثار هذه النتيجة على حركة النهضة؟

بعيداً عن التفسير والتفكير الرغايبي الذي يقدمه أتباع الإسلام السياسي المشرقي بالترويج إلى أن النتيجة الانتخابية جاءت عقاب من الناخب التونسي للنهضة لتخليها عن لونها الإسلامي التقليدي أو الفاقع ومغادرتها مربع الإسلام السياسي إلى مربع الإسلام الديمقراطي فهذا تفسير يبدو أنه لا يوجد إلا في العقلية المشرقية الإسلامية في تفسير الحدث ولا يعززه أو يدعمه شيء على أرض الواقع.

دائما تقول الأحداث السياسية أن الصدمات الانتخابية تفكك التنظيمات الهرمية القوية والمتماسكة، وأن صدمة الهزيمة تفرغ طاقتها السلبية في المفاصل التنظيمية، وهذا بالفعل ما حدث خلال اليومين من خلال تقديم أكثر من استقالة في حزب النهضة احتجاجاً على إدارة المشهد النهضاوي الداخلي والتحالفات الانتخابية وتكتيكاتها التي أدت للفشل.

الشيخ راشد بدأ أكثر اهتماماً باستعادة الحديث عن الخط الثوري فألمح بشكل واضح إلى أن النهضة لن تقف على الحياد في الجولة الثانية وأنها سوف تقف إلى جانب الخط الثوري إشارة إلى قيس سعيد، وفي ذلك قراءة سريعة إلى أن من كان يسعى للتوافق معهم لم يعودوا أقوياء على الأرض وأن هناك قوى أخرى غير منظمة بدأت تظهر في الساحة يمكن التعاون معها وتأسيس التشارك معها في المرحلة القادمة على أسس الخط الثوري بعد أن اشتد ساعد الثورة وصلب عودها كما أظهرت النتائج.

يدرك قادة النهضة أن الحركة بدأت تتراجع انتخابياً بشكل متدرج من بعد انتخابات 2011 حيث أنها حصلت على كتلة تصويتية حينها بلغت 1.4 مليون صوت لتصل إلى اقل من 450 الف صوت في الانتخابات الرئاسية الأخيرة بتراجع متدرج بلغ 68% من كتلتها التصويتية، هذا التراجع يفسره شيء واحد أن النهضة دفعت كثيراً من شعبيتها الانتخابية في تقاربها مع المنظومة القديمة وتحقيق التوافقات التي أنقذت الحياة السياسية التونسية من الثورات المضادة، الشيخ راشد كان يدرك ذلك فقال خسرنا السلطة وكسبنا تونس، النهضة تدرك أنها ذهبت كبش فداء شعبي لحماية الثورة والتي لولا تقاربها مع المنظومة القديمة ما كانت الحياة السياسية التونسية بهذا الشكل ولعاد النظام القديم بالقوة كما حصل في مصر وبلاد الثورات المضادة ودخلت البلاد في أتون نفق الاستبداد والقمع والتنكيل أو الحروب الأهلية.

إستطلاعات الرأي السابقة قبل ظهور نتائج الانتخابات الرئاسية كانت تضع حركة النهضة في المقدمة على باقي الكتل والتجمعات الانتخابية، لكن النهضة تدرك اليوم أن الخارطة الانتخابية قد تنقلب بشكل كبير بعد نتائج الانتخابات الرئاسية، وأن حظوظ قوائم حزب قلب تونس حزب نبيل القروي قد تتعزز بدافعية فوز القروي وحلوله ثانياً في الجولة الأولى للانتخابات الرئاسية، حيث أن استطلاعات رأي سابقا كانت تعطي قوائمه 15% من أصوات الناخبين بفارق عشر نقاط أو أكثر خلف النهضة التي تتصدر المرتبة الأولى.

النهضة ستكون حريصة كل الحرص على الانتخابات التشريعية حيث أن 85% من السلطات التنفيذية هي بيد الحكومة المنتخبة من البرلمان وأن الثقل السياسي الحقيقي بيد السلطة التشريعية، تعلم النهضة أيضاً أن استطلاعات الرأي لا تعطيها الأغلبية للفوز بالانتخابات التشريعية وتشكيل حكومة في ظل كثرة القوائم الانتخابية، وما ألقته ظلال هزيمة مورو في الانتخابات الرئاسية عليها من أثر سلبي.

النهضة اليوم قد تكون كالأسد الجريح الذي يريد أن يستجمع قواه ويسابق الزمن للمحافظة على ذات المقاعد التي حققها في تشريعية انتخابات 2014م ليكون شريك في صنع القرار لقيادة مجلس النواب والحكومة وليبعد خيار الانتخابات البرلمانية المبكرة نتيجة لفرز برلمان معلق.

في ظل انهيار المنظومة القديمة في الانتخابات الرئاسية واندحار الأحزاب الكبيرة وشبه تبخرها شعبياً، تدرك نهضة تونس أن المسؤولية أصبحت ملقاة على عاتقها أكثر في بذل المزيد من أجل استعادة زمام المبادرة حتى لا تذهب السلطة إلى العدم السياسي الذي طل برأسه في الانتخابات الرئاسية وتخشى أن يطل برأسه في الانتخابات التشريعية مما يهدد الحياة الديمقراطية الوليدة لعدم الخبرة والتي ضحت من أجلها النهضة بالسلطة والغالي والنفيس من تماسكها الداخلي وشعبيتها التصويتة لبقاء مركب الثورة يعب الفجاج في ظل بحر لجي متلاطم من الثورات المضادة.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top