د. حلمي القاعود

د. حلمي القاعود

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

هل يستسلم «أردوغان»؟

 

قيل: إن حكومة الرئيس “أردوغان” ستختار اسم “عبدالحميد الثاني”  لمطارها الجديد في إسطنبول (من أكبر المطارات في العالم)، ويقف العلمانيون هناك ضد هذه التسمية التي ستلغي تلقائياً اسم “أتاتورك”، مؤسس الجمهورية على أطلال الخلافة العثمانية.

مناسبة اختيار اسم المطار تطرح تشابهاً بين السلطان “عبدالحميد الثاني”، والرئيس “أردوغان”، رئيس الجمهورية الحالي، في مواجهة كل منهما للضغوط والعواصف والأعاصير الخارجية والداخلية لوأد الإصلاحات التي قاما بها لتقوية البلاد، واستعادة قوتها ومجدها بوصفها دولة كبرى ذات سيادة عالمية واستقلالية لا تخضع للغير ولا تتبع له. 

“عبدالحميد الثاني”، أمير المؤمنين وخليفة المسلمين الثاني بعد المائة، وترتيبه السادس والعشرون من سلاطين آل عثمان، خادم الحرمين الشريفين، وهو السلطان المظلوم، الغازي، الخاقان الكبير، خادم المسلمين، لقبه أعداء الإسلام بالسلطان الأحمر، والدكتاتور، والقاتل، كما يلقبون “أردوغان” الآن بمثل هذه الألقاب! 

ولد “عبدالحميد” بإسطنبول في 21 سبتمبر 1842م، وتوفي بها في 10 فبراير 1918م، وتوج في 31 أغسطس 1876م، وتم الانقلاب عليه وخلعه في27 أبريل 1909م، ووُضع رهن الإقامة الجبريَّة حتّى وفاته.

عُرف بتديّنه واستقامته، وتقول ابنته عائشة: «كان والدي يؤدي الصلوات الخمس في أوقاتها، ويقرأ القرآن الكريم، وفي شبابه سلك مسلك الشاذلية، وكان كثير الارتياد للجوامع لا سيما في شهر رمضان».

شهدت خلافته إنجازات مهمة، منها إنشاء سكة حديد الحجاز بين دمشق والمدينة المنورة، وسكة حديد بغداد، وسكة حديد الروملي، والاهتمام بالتعليم والصناعة والصحة، ومحاولة تخليص البلاد من الديون. 

وفي عهده تعرضت البلاد لأزمات عديدة من جانب دول الغرب بقيادة الإنجليز واليهود والأرمن، مع انتشار الأفكار الانفصالية والدخول في حروب عديدة أدت إلى فقْد الدولة أجزاءً من أراضيها في البلقان، وقبرص ومصر وتونس، كما انفصلت بلغاريا والبوسنة والهرسك في عام 1908م، ومهدت هذه التداعيات إلى انفصال العرب عملياً عن الخلافة العثمانية ووقوعهم في شرك الاستعمار الأوروبي.

وكان من أبرز المتآمرين على السلطان والخلافة يهودي شيوعي اسمه “ألكسندر باروس” (1867 – 1924م)، ولد في ألمانيا لعائلة يهودية فقيرة، وكان ناشطاً مثيراً للجدل في الحزب الديمقراطي الاجتماعي الألماني، وعاش فترة في إسطنبول حيث أسس شركة لتجارة السلاح، وازدهرت أرباحها خلال حروب البلقان، عمل مستشاراً سياسياً ومالياً لحزب “تركيا الفتاة” المعادي للخلافة العثمانية، ورأس إحدى الصحف اليومية، وكانت له علاقات وثيقة بالصهيوني “تيودور هيرتزل” داعية قيام دولة لليهود في فلسطين، ومنحه الإنجليز في إسطنبول مكانة تفوق مكانة السفير لتخريب الخلافة وبث الفتنة في أرجاء الدولة العثمانية وأعراقها وطوائفها.

صاحب القامة المرفوعة

أما الرئيس «رجب طيب أردوغان»، ولد عام 1954م، فهو رئيس جمهورية تركيا الثاني عشر، تولاها عام 2014م، وهو أول رئيس تركي اختاره الشعب بطريق الاقتراع المباشر، شغل قبل رئاسة الجمهورية عمدة مدينة إسطنبول التركية من عام 1994 إلى 1998م.

كما نهض بالتعليم والصناعة والزراعة والسياحة والبنية الأساسية، ورفع مستوى دخل الفرد من 900 دولار سنوياً إلى 12 ألفاً، وأقام مشروعات ضخمة مثل المطارات والأنفاق والجسور والمصانع العسكرية، واستطاع أن يتعامل مع دول الغرب وأمريكا بندّيّة واستقلالية، ووقف مع قضية فلسطين بكل قوة ممكنة، وساند الشعب المصري المظلوم، واستقبل ملايين السوريين الذين فروا من جحيم الطاغية “بشار الأسد”، وكافح الانفصاليين الأكراد الذين مارسوا الإرهاب ضد المدنيين الأتراك، واستطاع أن يقضي على معظم قواتهم، وفي عهده استطاعت المرأة أن ترتدي الحجاب، وأن تنتشر المدارس الإسلامية، وأن يأمن المسلمون على أنفسهم ويعيشوا بلا خوف ولا ترويع من العسكر.أسس حزب العدالة والتنمية، وانتقل بتركيا من قاع التخلف الاقتصادي والديون إلى المنافسة على المركز المتقدم اقتصادياً بين أفضل الدول العشرين في العالم، وأبعد العسكر عن الحكم.

ويبدو أن الغرب الاستعماري ومعه اليهود لم يعجبهم أن يكون هناك حاكم مسلم يحتفظ بقامة مرفوعة، ويتعامل باستقلال، ويرفض التبعية، فتآمروا عليه وحرضوا علناً وسراً، لدرجة تدبير انقلاب عسكري ليلة الخامس عشر من يوليو 2016م، شاركت فيه القوات الجوية والبرية والبحرية، وقصفوا مجلس النواب والاستراحة التي كان ينزل بها “أردوغان”، فواجههم الشعب في إسطنبول بصدره العاري، واستشهد مئات من المواطنين والجنود، ونجا “أردوغان” من الموت بفضل الله تعالى، وأخفق الانقلاب، وتم القبض على المشاركين فيه والداعمين له، وقدموا إلى المحاكمات التي مازالت جارية حتى الآن.

والمفارقة أن قوى الفشل العربي لم تخف شماتتها ساعة الانقلاب، ولكنها باءت بالخزي والعار بعد دحره، فتفرغت لهجائه والتحريض عليه، ووصفه بالدكتاتور (لا توجد في بلادهم انتخابات أو ديمقراطية أو حرية)، وتشويه صورته من خلال نشر الأخبار المسيئة من قبيل “تركيا تستفز جيرانها بقاعدة عسكرية في المتوسط”. 

أما الدول الاستعمارية وعلى رأسها أمريكا واليهود، فلم تقصر في الدفاع غير المباشر عن الانقلابيين والتنديد بمحاكمتهم، وافتعال الأزمات مع الحكومة التركية، ثم وهو الأخطر اتجهوا إلى تحطيم الاقتصاد التركي من خلال تقويض قيمة الليرة التركية (خسرت 40% من قيمتها منذ أوائل العام الحالي 2018م)، وقامت أمريكا بإعلان الحرب الاقتصادية ورفع قيمة الجمارك على الواردات التركية، وفرض العقوبات الاقتصادية على وزيرين في حكومة أنقرة، ولم يخجل اليهودي “إيدي كوهين” من التصريح أن اليهود يملكون ثروة العالم، وأنهم سيسقطون الاقتصاد التركي؛ وبالتالي إسقاط تركيا أرضاً، والقضاء على قيادتها الإصلاحية!

لقد رد “أردوغان” على أمريكا بالمثل، ولجأ إلى الشعب لمواجهة انخفاض الليرة أمام الدولار، وتجاوب الشعب معه، كما ساندته دولة قطر بعدة مليارات للاستثمار، واتفق مع بعض الدول على التبادل التجاري بالعملة المحلية، كما اتخذ عدة إجراءات في المجال الاقتصادي المحلي، ونجح في وقف تدهور قيمة الليرة إلى حد ما. 

الحملة ضد “أردوغان” لم تتوقف، وشارك فيها الرئيس الفرنسي “ماكرون” الذي قال: “إن لدى أردوغان “مشروعاً إسلامياً”، يُقدم بشكل منتظم على أنه مناهض للأوروبيين، وتتعارض إجراءاته المنتظمة مع مبادئنا”؛ وبالتالي يجب رفض انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي.

القضية إذاً تكمن في الإسلام، وهو ما يزعج الغرب واليهود، ولأن السلطان و”أردوغان” يتشابهان في الذكاء والتدين، والقدرة على الكرّ والفرّ سياسياً، فلن يسكت الغرب واليهود عن “أردوغان”، كما لم يسكتوا عن السلطان الذي خلعوه، وشوّهوه، لأنه مسلم بحق، فهل يستسلم “أردوغان”؟ أو إن المعادلة تغيّرت ودخل فيها الشعب المسلم الواعي؟

 

في عصر القوة والأكاذيب والانحطاط السياسي، تتوه الحقائق وتضيع الحقوق!

الغرب الصليبي ومعه اليهود الغزاة، لا يألو جهداً في إذلال المسلمين وإضعافهم، وتشويه الإسلام، واستعادة الحملات الصليبية الوحشية التي انطلقت من فرنسا بقيادة بطرس الحافي عام 1095م، والمسلمون للأسف لديهم قابلية لذلك.

هذه الحقيقة يقفز عليها نفر من المحسوبين على الإسلام، ليحمّلوا المسلمين سبب الكراهية أو العنصرية التي يبديها الصليبيون واليهود تجاه ديننا الحنيف.. وبعضهم يجاهر بالقول: لا تضيعوا وقتكم في تعقب المثقفين الفرنسيين الذين يطالبون بحذف آيات القتال من القرآن، ولكن تعقبوا الجماعات والتنظيمات الإسلامية، التي فخخت المدن ومحطات المترو ودور السينما والمسارح والكنائس وحتى المساجد والأضرحة، ورفعت السلاح ضد شعوبها وجيوشها الوطنية، مستندة إلى قراءاتها وتفسيراتها هي لآيات القتال! وكأن قتل ملايين المسلمين بأحدث الطائرات والصواريخ والدبابات والقنابل والغازات في أفغانستان والشيشان والعراق وسورية واليمن والصومال وليبيا ومالي وغيرها؛ حدث بسبب التغيرات الجوية!

لا يمكن القول: إن الصليبيين ومعهم اليهود توقفوا عن حروبهم الوحشية طوال عشرة قرون مضت، حتى يوم الناس هذا، تربيتهم ونشأتهم ومناهجهم تحمل الروح الصليبية الوحشية الهمجية التي تملأ النفوس والعقول والإعلام، والثقافة والفكر والأدب.

تتعدد أشكال المواجهة الصليبية اليهودية للإسلام والمسلمين، وتتنوع حسب التغيرات وتطورات الأوضاع في البلاد الإسلامية، فالحروب المباشرة تتراجع ليحل مكانها أخرى غير مباشرة عن طريق الوكلاء والعملاء، ثم تعود مباشرة بأحدث ما وصلت إليه الأسلحة لتقوم باختبارها على هؤلاء التعساء الذين يطلق عليهم مسلمون، والذرائع أكثر مما يحمله القفا، وتتكفل أجهزة المخابرات الغربية واليهودية بصنعها، وتجنيد آلاف المسلمين من كورت أوغلو، وسعد الدين كوبيك، أو قرضاي، وداعش بطريقة الريموت كنترول.

هناك من المحسوبين على الإسلام من يتطوعون -تحت دعوى الموضوعية- بتبرئة الهمج الهامج، ويعطوننا دروساً في رفض نظرية المؤامرة، أو يحملون الجماعات والأفراد الذين تحركهم أجهزة الغرب واليهود مسؤولية ما يصيب المسلمين والإسلام على يد الصليبيين واليهود!

نحن ضحايا همجية الغرب واليهود، وآلاف من الوكلاء والعملاء، صرنا نراوح مكاننا، وكلما بدت إمكانية القفز إلى الأمام وتجاوز العقبات والمصاعب فرضوا علينا أمراً واقعاً مزرياً مخيفاً يعيدنا إلى مستنقع اليأس والإحباط! الهمج لا يتوقفون عن فرض إرادتهم الوحشية الهمجية بكل السبل والأساليب، لإخراجنا من عقيدتنا الظافرة وثقافتنا الإنسانية، والوكلاء يشدون عزائمهم للتنفيذ!

في 23 من أبريل 2018م، نشرت صحيفة «لوباريزيان» الفرنسية، مقالاً بعنوان: «معاداة السامية الجديدة»، تضمن اتهاماً صريحاً للمسلمين بأنهم وراء انتشار ظاهرة معاداة السامية الجديدة في فرنسا، وأن القرآن كتاب يدعو إلى العنف والقتل وكراهية اليهود والمسيحيين.

بعده تقدّمت 300 شخصية فرنسية ببيان يطالب بتجميد سور من القرآن الكريم، ووقّع  البيان الذي نشرته صحيفة «لوباريزيان» أيضاً شخصيات مهمة مثل الرئيس الفرنسي الأسبق نيكولا ساركوزي، ورئيس الوزراء الأسبق مانويل فالس، والممثل جيرار ديبارديو، وحجتهم أن هذه السور التي تبلغ  ثلاثين سورة تعادي السامية أيضاً وتدعو إلى القتل.

في التوقيت ذاته، دعا حزب "التقدم" اليميني النرويجي، المشارك في الائتلاف الحكومي، إلى إسكات الأذان في المساجد، وقال جون هيلغهيم، المتحدث باسم الحزب، المعروف بخطابه العنصري: "لا يعنيني ما تقوله قوانين حقوق الإنسان في هذا الموضوع، ما يهمني هو أن يعيش المقيمون قرب المساجد في هدوء وسكينة، دون إزعاجهم بالأذان"، علماً أن الأذان يرفع عبر سماعات داخل المساجد، ولا يرفع خارجها، وسبق لوزارة العدل أن ردت على الدعوة بأنها تعدٍّ على الحرية الدينية وتجاوز للمعاهدة الأوروبية لحقوق الإنسان.

وكشفت شبكة "NBC نيوز" الأمريكية، في 23 أبريل 2018م، معلومات مثيرة عن مؤسسة بحثية كان يترأسها جون بولتون، مستشار الأمن القومي الأمريكي الجديد لمدة 5 سنوات وقالت الشبكة: إن بولتون ترأس مؤسسة "جيتسيون إنستيتيوت" ومقرها نيويورك "بهدف الترويج لأفكار مضللة وغير صحيحة عن المسلمين"، وإثارة ذعر الغرب من سيطرة الجهاديين على مقدرات الغرب في مدى قريب، وقتل أعداد كبيرة من ذوي البشرة البيضاء.. بولتون مشهور بالمواقف المتشددة ضد المسلمين، وصاحب نظرية الحرب الاستباقية، والولاء للعدو النازي اليهودي.

وعلى الجانب الآخر، طالب شخص جزائري بحذف سورة الإخلاص وإلغاء درس فرائض الوضوء من المناهج التعليمية في المرحلة الابتدائية، بمدارس الجزائر؛ بحجة أن تلميذ الابتدائي لا يفهم معنى السورة مع سهولة حفظها، لأن "الطفل لا يعرف الأشياء المجردة، ولا يفهم محتوى السور"، وأيضاً لا يستوعب فرائض الوضوء لصغر سنه، كما يدعي.

الصليبيون ومثقفوهم، يعلمون جيداً أن العرب هم الساميون الحقيقيون، وأن معظم اليهود الغزاة في فلسطين المحتلة ليسوا ساميين، بل من السلاف والخزر والقبيلة الثالثة عشرة، وأن آيات الجهاد تأتي دفاعاً عن النفس، وأن القرآن الكريم يتحدث عن أنبياء اليهود والمسيح عليه السلام بكل تقدير واحترام، ويوجب الإيمان بهم، ويحث على التواصل مع أهل الكتاب والتعامل معهم ما لم يعتدوا، فالدفاع عن النفس أمر مشروع في كل الشرائع والدساتير والقوانين، وقد دعا الإسلام البشر جميعاً إلى الدخول في السلم (ادخلوا في السلم كافة).

الهمجية الصليبية تعرف طبيعة الإسلام جيداً، وتعلم أن كورت أوغلو، وسعد الدين كوبيك، والجماعات الجاهلة من تصنيع أجهزتهم ومخابراتهم، ومسألة شحن العالم بكراهية الإسلام والمسلمين (فوبيا الإسلام) جرت منذ زمان بعيد منذ خطبة البابا أوربانوس في سان مونت كلير عام 1095م، وشارك فيها أدباء ومفكرون كبار يفخر بهم كثير من أنصار الثقافة الغربية عندنا، مثل فولتير الذي كتب مسرحية قبيحة اسمها "محمد" يصور فيها نبينا الكريم صلوات الله عليه وسلامة تصويراً بذيئاً، وهناك شاعر إنجليزي يدعى جون ليدهيت اقتبس سيرة شعبية تدعي أن الرسول -صلي الله عليه وسلم- كان يضع حبات القمح في أذنه ليلتقطه الحمام ثم يزعم أن الوحي يأتيه من السماء، وجاء بعده شكسبير ليستوحي القصة المفبركة في مسرحية "هنري الرابع"، ليكون المسلم في الذهن الصليبي واليهودي بربرياً وهمجياً ودموياً وقاطع طريق، وهناك آخرون يعلمون حقيقة الإسلام وأشادوا به وعبروا عن احترامهم العميق له مثل شاعر الألمان جوتة، وشاعر الروس بوشكين، وكاتبهم الروائي تولستوي، ولكنهم للأسف قلة!

تمنيت من بعض المحسوبين على الإسلام أن يراجعوا بعض مواضع الكتاب المقدس لليهود والنصارى ويخبروننا برأيهم من الأحق بتجميد بل إزالة الآيات من كتابه؟ وهذه نماذج قليلة: (حزقيال:6-9)، (إرميا 48: 10)، (خروج 32: 27) ،(عدد 25: 4-5)، (تثنية 20: 11- 17)، (صموئيل الأول: 15 -3).

الله مولانا، اللهم فرج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم!

ليلة انتصار أرطغرل!

فقرة لافتة في التعليق على نجاح أردوغان وحزبه في انتخابات 24/ 6/ 2018، جاءت في تعليق جريدة "القدس العربي" اليسارية التي تصدر في لندن قالت فيها: الانتخابات التركية كانت حدثاً عالمياً بامتياز، فالغرب اصطف بإعلامه وسياسييه وعملائه ضد أردوغان، بينما اصطف الشارع العربي والإسلامي والإنساني والديمقراطي مع أردوغان، وبينما عمت فرحة الفوز شوارع المدن العربية والإسلامية وأحرار العالم ملأت الهيستريا والهلوسة وسائل إعلام الغرب وعملائه.

كانت هذه شهادة من غير إسلاميين لصالح مقيم الشعائر ومؤذن الأذان الموحد عبر مدينة إسطنبول العريقة، وحافظ القرآن الكريم والحديث الشريف، والشعر الإسلامي الذي نظمه شاعر تركيا العثمانية الأشهر محمد عاكف، أردوغان يردد ما يحفظ في مناسبات متعددة، وكان ترديده لبعض أبيات عاكف سبباً في دخوله السجن لفترة غير قصيرة (4 شهور) خرج بعدها ليؤلف العدالة والتنمية ويجلس على كرسي رئيس الوزراء، كان أردوغان يردد قول عاكف:

«مساجدنا ثكناتنا، قبابنا خوذنا، مآذننا حرابنا والمصلون جنودنا، هذا الجيش المقدس يحرس ديننا»، وهو ما كرره في كثير من خطاباته السياسية بعد ذلك وخاصة في حملته الانتخابية المنتهية أخيراً.

أي إنسان صاحب ضمير حر يسعد بانتصار أردوغان في معركته ضد أنصار التخلف والإقصاء والهمجية الغربية والظلم الدولي، فقد انحاز الرجل للحق والعدل والبناء والتعمير والحرية والديمقراطية، وهي جوهر قيم الإسلام، أو قيمه الأساسية التي انتصر بها الإسلام في فترات تحققه وازدهاره.

هناك أوجه شبه كثيرة بين أردوغان، وأرطغرل، بطل المسلسل التركي الشهير الذي يحظى بشعبية كبيرة في العالم العربي والإسلامي، فقد كان أرطغرل يتحرك من خلال قبيلته لنصرة الحق ورفع الظلم، واستخدم ذكاءه مع قدرته الدفاعية في مواجهة الخونة المحليين، والأعداء الخارجيين من قطاع الطرق وفرسان المعبد والمغول والصليبيين، وانتصر عليهم جميعاً بفضل إخلاصه لله والدين واتخاذ الأسباب وتقديم التضحيات الكثيرة، كان أرطغرل يحمل الفكرة الإسلامية ويتحرك بالتصور الإسلامي، فتغلب على المصاعب والعقبات، وهو ما يواجهه أردوغان.

تآمر عليه من ينتسبون إلى دينه من العلمانيين وطغاة العرب والأعراب (الأشد كفراً ونفاقاً) ودول العالم الصليبي الظالمة، أهانوه وأساؤوا إليه ووصفوه بأوصاف تليق بهم هم: "الديكتاتور، الحاكم الفرد، العثماني، الانتهازي، حليف جماعة الإرهاب الإخواني، قام بسجن نحو 160 ألفًا وإغلاق منافذ ومنصات إعلامية كثيرة، وآخر التهم مزوّر الانتخابات.."، ولكنه انتصر عليهم.

لم يكتف أعداء الإسلام بهذه التهم ولكنهم لجؤوا إلى العنف والدم، قاموا بانقلاب منتصف يوليو 2016م، واستهدفوه بالقتل لولا عناية الله، واتجهوا إلى الاقتصاد فضاربوا في البورصة لإسقاط الليرة، واستطاعوا أن ينالوا بعض أغراضهم فقد فقدت الليرة في أقل من ستة شهور هذا العام أكثر من 20% من قيمتها، ولكنها أخذت تسترد بعض الخسارة فور إعلان نتيجة فوز أردوغان وحزبه، وأظنها ستتعافى إن شاء الله، ولم يتوقف مسلسل تعويق دولة تركيا المسلمة عن النمو والعيش المستقر في ظلال الحرية والديمقراطية والقانون، فرأينا على الجبهة الأوروبية والأمريكية امتعاضاً واضحاً لنجاح أردوغان، وبيانات غير نزيهة تصدر من هنا وهناك، وتلكؤاً في تهنئة الرجل وفقاً للأعراف الدبلوماسية، وتبع هذه الجبهة جبهة الأعراب التي كشفت عن حقدها وجهلها وتفاهة تفكيرها.

أعرابي يكتب تغريدة: "بأغلبية بسيطة وفِي انتخابات شبه نزيهة فاز هذا الحاكم السلطوي -يقصد أردوغان- المصاب بفيروس الغرور لـ7 سنوات قادمة، مبروك لتركيا 7 سنوات عجاف"، والسؤال لهذا: هل عندكم انتخابات تشبهها، وتتحقق فيها الأغلبية البسيطة أو غيرها؟ 

وآخر غرد قائلاً: "فوز أردوغان في الانتخابات بمناسبة انهيار الليرة التركية"! وأردف في تغريدة ثانية: "في وطن يحكمه أردوغان.. لا يفوز إلا أردوغان".

ويبدو أن هذا حزين على المليارات التي أنفقتها حكومته على المعارضة التركية وضاعت هباء.

وصل الأمر ببعضهم إلى التعبير عن السفاهة والخواء بنظم قصيدة سخيفة مليئة بالشتائم والبذاءات لهجاء أردوغان والتقرب إلى حكام بلاده، والمفارقة أنه إمام وخطيب أحد المساجد الشهيرة في عاصمة بلاده، ومما جاء فيها:

يا مُظهرًا زيفَ التّخوفِ مُبطنًا.. حقدًا تضيقُ بحملهِ الأضلاعُ..

خادعْ سِوانا إننا لا يَنطلي.. عن فهمِنا أسلوبُك الخدَّاعُ..

القدسُ ضاعتْ تحتَ عُهْدةِ حُكْمِكُمْ.. وبِـمُلْكِكُمْ كَمْ ضاعتِ الأصقاعُ.

وواضح أنه شاعر رديء، وجاهل بالتاريخ.

أما أم الدنيا فصحفها وقنواتها تمتلئ بما هو مقزز من الهجاءات والأكاذيب ضد الرجل الذي نقل تركيا من قاع التخلف والانحطاط والديون، إلى مصاف الدول المحترمة التي شطبت ديونها، وتبني الجامعات والمدارس ومعاهد الأبحاث والمستشفيات والمساجد والأنفاق، وتنشئ المصانع في الداخل والخارج، وتكتفي من المحاصيل والفواكه والخضراوات وتصدر إلى العالم إنتاجاً غير مسبوق في تاريخها، وتعالج مواطنيها بأفضل طرق العلاج، مع وعد أن يُصرف الدواء مجاناً لكل مريض بعد سنتين أو ثلاثة.. ورفعت الحد الأدنى للدخل من ألف دولار إلى 12 ألفاً، مع وعد بالمزيد.

انتصار أرطغرل يعد انتصاراً للإسلام ولو كره المبغضون، فهذا الانتصار حماية لأربعة ملايين لاجئ سوري من الذين شردهم سفاح دمشق، وطاردتهم طائرات الصليبي بوتين ونظرائه الغربيين، وانتصار أرطغرل إجارة للمظلومين الذين تطاردهم حكومات الفشل والخيبة والديون، وانتصار أرطغرل بداية الطريق لاستقلال الأمة الإسلامية في مشارق الأرض ومغاربها عن دول الظلم والإجرام والاحتلال، والتفكير في بناء دولها على أسس العدل والحرية والعمل الجاد والشورى الملزمة التي تجعل صندوق الاقتراع أداة التغيير بدلاً من صندوق الذخيرة.

لقد صار أردوغان أقوى شخصية تركية بعد مؤسس الجمهورية مصطفى كمال، مع أنه رجل بسيط نشأ نشأة متواضعة ببيع السميط، ولكن الإسلام أعزه، وجعل منه نموذجاً طيباً يتمسك بأهدابه المظلومون والضعفاء من المسلمين وغير المسلمين، ويحبه الناس من أصحاب الضمير الحي، ويكفي أن شعوب الإسلام ظلت ليلة بطولها تدعو له، وترجو الله ألا يتعرض للخذلان والهزيمة أمام جبروت الطغاة والأعراب.

الله مولانا، اللهم فرّج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم.

ترميم المعابد.. وتدنيس المساجد!

في الثالث من أغسطس 2017م، صرح محمد عبدالعزيز، مدير عام مشروع القاهرة التاريخية بوزارة الآثار، بأن شركتي أوراسكوم والمقاولون العرب؛ المكلفتين من الهيئة الهندسية للقوات المسلحة، تسلمت المعبد اليهودي بالإسكندرية لترميمه، تحت الإشراف الكامل من وزارة الآثار.

وأوضح في بيان صحفي أن مشروع الترميم يستغرق حوالي ثمانية أشهر، بتكلفة 100 مليون جنيه مصري ممولة من الحكومة المصرية.

وأكد أن وزارة الآثار لن تتواني في ترميم الآثار اليهودية بمصر بوصفها آثاراً مصرية لا بد من حمايتها طبقاً لقانون حماية الآثار، كما أنها تمثل جزءاً من التراث المصري، وكان السعيد حلمي عزت، رئيس قطاع الآثار الإسلامية والقبطية في وزارة الآثار، قد أشار في 5/ 7/ 2017 إلى أن المادة (30) من القانون رقم (117) لسنة 1983 وتعديلاته بقانوني (3) و(61) لسنة 2010 تنص على أن الطائفة اليهودية بوصفها الجهة المنوط بها الأمر تتحمل تكلفة الترميم بالكامل كونها الجهة الشاغلة.

كما أشار إلى أن الرئيس الشرعي محمد مرسى وافق للكيان الصهيوني الغاصب على ترميم المعبد، ولكن الآثار رفضت قبول أي منح مادية من العدو لترميم المعبد لأن المعبد تراث مصري خالص، وسبق للسفير الصهيوني ديفيد غوفرين أن عرض مبلغاً ضخماً لترميم المعبد الذي يعد ثاني أكبر معبد يهودي على مستوى العالم.

يقع المعبد اليهودي (معبد الياهو حنابي) بشارع النبي دانيال، ويعد من أقدم وأشهر معابد اليهود في الإسكندرية، بني عام 1354 وتعرض للقصف من الحملة الفرنسية على مصر عندما أمر نابليون بقصفه لإقامة حاجز رماية للمدفعية بين حصن كوم الدكة والبحر، وأعيد بناؤه مرة أخرى عام 1850 بتوجيه ومساهمة من أسرة محمد على باشا، وكانت الآثار المصرية قد قامت من قبل بترميم معبد الفسطاط ومعبد موسى بن ميمون، وهناك 12 معبداً تحتاج إلى الترميم، كانت تخدم حوالي مائة ألف يهودي حتى منتصف القرن العشرين، خان معظمهم وطنه الذي آواه ورباه وأغناه، وهرب إلى فلسطين المغتصبة، وجُنّد كثير منهم في جيش الدفاع، وقاتل أبناء شعبه في الحروب التي شنها اليهود ضد مصر والعرب.

لم يبق في مصر غير 18 يهودياً، منهم 6 في القاهرة و12 في الإسكندرية، وتعاملهم الدولة بوصفهم مواطنين درجة أولى؛ فوق بقية المواطنين، وتحرص على التفريق بين اليهودي والصهيوني كي لا تتهم بالعداء للسامية، مع أن اليهود غير الصهاينة قلة لا تذكر وتثبت القاعدة، وقد اتجه بعض كتاب الرّواية في مصر إلى جعل المعابد اليهودية المهجورة في الأقاليم مكاناً لأحداث رواياتهم عسى أن يكون ذلك جالباً لجائزة "نوبل"!

مقابل هذه الحفاوة بالمعابد اليهودية والمشاعر اليهودية، يقوم اليهود الغزاة في فلسطين المحتلة بتدنيس المساجد الإسلامية، وفرض ضرائب على الكنائس المسيحية، والاحتيال لشراء الأوقاف الكنسية! فضلاً عن اقتحام المسجد الأقصى والحرم الإبراهيمي في الخليل، وسن تشريعات تحرم الأذان في فلسطين المسلمة!

نبهت مؤسسة "الأقصى" لحماية المقدسات في فلسطين إلى أن العدو الصهيوني يواصل استهداف المساجد والمقابر والمقامات الإسلامية منذ ستة عقود، بغية إزالة الملامح الإسلامية والعربية من البلاد ومحو ذاكرتها، جاء ذلك في دراسة ميدانية للمؤسسة ضمن مشروع المسح الشامل للأوقاف والمقدسات الذي تشرف عليه للتعرف على كل أثر أو موقع مقدس عربي في فلسطين، وذكرت الدراسة الميدانية الموثقة التي نشرت أخيراً أن سلطات الاحتلال الصهيوني هدمت آلاف المساجد والمقابر الإسلامية منذ النكبة، كما حولت العشرات منها إلى كنس يهودية (معابد) وملاهٍ ليلية ومطاعم وخمارات وأماكن للعب القمار، ومنعت ترميم بعضها الآخر والإبقاء عليه في حالة يرثى لها.

ورصدت الدراسة نماذج كثيرة على ذلك منها مقبرة قرية بيا عدس المهجّرة التي لم يبق منها سوى بعض بقايا شواهد قبور بعدما حولت في معظمها إلى موقف للسيارات وممر للمشاة وموضع لحاويات القمامة وسط مستوطنة "هود هشارون" القائمة على أنقاض القرية، وفي مدينة يافا أنشئ على أجزاء واسعة من مقبرة عبد رب النبي فندق هيلتون، في حين غطى العشب قرية عمقا المهجرة في قضاء عكا التي دمرت بيوتها ولم يبق فيها سوى مسجد متداع تمنع السلطات اليهودية ترميمه.

وفي وسط مدينة طبريا تطل مئذنة مسجد السوق أو المسجد العمري المبني في القرن الثامن عشر وتردد عليه عشرات الآلاف من المصلين واعتلى منبره مئات الأئمة والعلماء، إلى أن أحكمت الصهيونية قبضتها عليه وتركته عرضة للانتهاك فأصبح مجمعاً للقمامة وتحُول بلدية المدينة دون صيانته وترميمه. وفي شمال مدينة طبريا تقع المقبرة الإسلامية الواسعة، وقد شقت المؤسسة اليهودية شارعاً رئيساً شطرها إلى قسمين لتستبيح المركبات حرمتها منذ عقود. وأشارت الدراسة إلى وجود مقام مجاور هو مصلى "الست سكينة" التاريخي المبني في العهد المملوكي الذي حولوه إلى كنيس باسم "قبر راحيل"، وهو ما يندرج ضمن عمليات تزييف التاريخ وقلب الحقائق وسرقة التراث.

وتضمنت الدراسة قائمة بعشرات المساجد التي انتهكت سلطات الاحتلال اليهودي حرماتها منذ النكبة، منها مسجد قرية الزيب قضاء عكا الذي حولته إلى مخزن للأدوات الزراعية، ومسجد عين الزيتون في قضاء صفد الذي حولته إلى حظيرة للأبقار، والمسجد الأحمر في صفد (بلد آية الله محمود عباس، رئيس السلطة الوهمية في رام الله!) الذي حوّلته إلى ملهى ليلي، والمسجد اليونسي الذي حول إلى معرض تماثيل وصور، ومسجد القلعة في صفد الذي جعلته مقراً لمكاتب البلدية.

كما حولت مسجد الخالصة قضاء صفد إلى متحف بلدي، ومسجد عين حوض قضاء حيفا إلى مطعم وخمارة، والمسجد القديم في قيساريا قضاء حيفا إلى مكتب لمهندسي شركة التطوير، أما المسجد الجديد في قيساريا والمبني منذ عهد الخليفة عبدالملك بن مروان فتحول إلى مطعم وخمارة.

وأوردت الدراسة سجلاً بالمساجد المحولة إلى كنس منها المسجد اليعقوبي في صفد، ومسجد ياقوق قضاء طبريا، ومسجد العفولة، ومسجد كفريتا، ومسجد طيرة الكرمل، ومصلى أبي هريرة في قرية يبنى قضاء الرملة، وفي الدراسة أمثلة كثيرة مخجلة!

أما ما يحدث في المسجد الأقصى والخليل، ويراه العالم بصورة شبه يومية على شاشة الفضائيات فحدّث ولا حرج، ومع ذلك فالشعب المصري الفقير (أوي) يقتطع من قوته اليومي ليصون المعابد اليهودية، ويعيد إليها الرونق القديم! وبالطبع فإن أم الدنيا لا تقايض الاهتمام بالمعابد بالاهتمام بالمساجد في فلسطين المحتلة! هم يدنسون المساجد، ونحن نرمم المعابد.. "كبّر دماغك!".

الله مولانا، اللهم فرّج كرب المظلومين، اللهم عليك بالظالمين وأعوانهم!

الصفحة 1 من 16
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top