د. زيد الرماني

د. زيد الرماني

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الفساد من منظور اقتصادي!

عندما يصبح الفساد شاملاً، تكون التدابير العادية ضد الفساد غير كافية، إنها لن تكون عتيقة أو عفا عليها الزمان بالتأكيد، فستكون هناك دائماً حاجة لرفع الوعي بتكلفة الفساد ولجعل مؤسسات الدولة والسوق أقل قابلية للفساد، ولكننا نحتاج أيضاً إلى التفكير في أساليب جديدة للعمل بواسطة أنواع جديدة من العاملين لتيسير الجهود المشتركة للقضاء على الفساد.

وكثيراً ما بدا لنا أن خطر الفساد لا يقهر، ولكن مؤخراً، وبعد التحسن الذي طرأ على التنظيم والإدارة، وأصبح صنع القرار أكثر شفافية من خلال جهود الحكومات والمنظمات الخاصة والأفراد، حدث تقدم ملحوظ في كبح الفساد.

إذن: ما المشكلة بشأن الفساد؟ هذا السؤال وجهه عالم السياسة كولين لييز منذ ما يقرب من أربعين عاماً.

إن جهود البلدان تبدأ في العادة لمناهضة الفساد برفع الوعي ثم إجراء تغييرات لجعل الحكومات أقل قابلية للفساد ثم بالتصدي لمشكلة الأنظمة الفاسدة، وعند الوصول إلى هذه المرحلة الثالثة، ما التدابير التي تستطيع الحكومات والمواطنون المعنيون وغيرهم اتخاذها لاقتلاع الفساد من جذوره؟!

الحقيقة، إننا الآن نحتاج لأن نتعلم ونفعل المزيد في المرحلة الثالثة من العمل المناهض للفساد، فما الذي يمكن عمله إذا فشل رفع الوعي وتدابير الوقاية وإذا أصبح الفساد هو الأصل.

ما يمكن أن يطلق عليه المرحلة الأولى لرد الفعل لكل من الفساد        أو المرض هو رفع الوعي، وفي عدد من الكتب التي صدرت أخيراً، مثل صانعوا البؤس لبلينيو أبوليو وآخرين، يعزى الفساد للمواقف السيئة تجاه السلطة، ودعوته السياسية هي نوع خبيث من خصخصة الدولة أي الاستخدام الخاص غير الرسمي وغير المشروع للحكومة بواسطة الطبقة السياسية.

وتؤكد المرحلة الثانية لرد الفعل للمرض أو الفساد على الوقاية، الإبقاء على الأجسام السليمة بعيدة عن العدوى، والتدابير المضادة للفساد التي وصفناها أعلاه، التي تتراوح ما بين اختيار موظفين أفضل ورفع التكلفة الاقتصادية والاجتماعية للفساد مشتقة من هذا الأسلوب.

ولكن ماذا نفعل لو كان الفساد قد ترسخ بالفعل؟! عندما تفشل الوقاية، فإننا نحتاج لمرحلة ثالثة من محاربة الفساد، مرحلة تتعقب المرض.

إن معظم مؤسسات التنمية اليوم تسعى إلى تحسين وسائل التنظيم والإدارة سعياً إلى ضمان نجاح المشروعات التي تساعد في تمويلها، وهي تركز على كبح جماح الفساد بين موظفي الحكومة، وإساءة استخدام الوظيفة العامة لتحقيق مكاسب خاصة.

ولكن التحديات التي تواجه منع الفساد والحد منه أصبحت رغم كل شيء أكثر تعقيداً، وتؤكد خبرات هيئة الشفافية الدولية وخبرات المجموعات الوطنية المنتمية إليها أن العدد المتزايد من مبادرات مكافحة الفساد التي يجري القيام بها يصطدم بجدار ضخم من ممارسات الفساد، ويظهر من مؤشر مفهوم الفساد لدى هيئة الشفافية الدولية ومؤشر دافعي الرشوة، اتساع نطاق الرشوة في كثير من البلدان النامية والبلدان التي تمر بمرحلة انتقال.

ويرجع ذلك في الأساس إلى ضعف رواتب القطاع العام وحصانة كبار الموظفين ورجال السياسة في الواقع من الملاحقة في الغالب وما يتسمون به من جشع، هذا فضلاً عن نزوع الشركات غير الوطنية بدرجة كبيرة إلى دفع الرشى، ولكي تكون مبادرات مكافحة الرشوة فعالة، ينبغي أن نعترف بهذه الحقائق ونواجهها.

ختاماً يقول أيان ماكدونالد: الفساد مثل وحش هيدرا الأسطوري، عدو متعدد الرؤوس يتشكل إلى كل جزء من النسيج الاجتماعي، ويضعف الجسد السياسي ويعرض آفاق النمو الاقتصادي للخطر.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

التقنية يمكن أن تلد البطالة!

إن الاقتصاد يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى كفاءات متنوعة، وطبيعة المواهب المكتسبة لا تتوقف عن التبدل وذلك بوتيرة متسارعة، إن اليد العاملة شديدة التنوع، والاقتصاد الحالي مختلف جداً وخصب جداً ومتنافر جداً، وإن جيوب الركود مجاورة للفروع الصناعية المزدهرة، والنتيجة هي أنه من غير الممكن منذ الآن فصاعداً إيقاف البطالة بفضل ترسانة التدابير البسيطة والعمومية، إن البطالة نفسها أكثر تنوعاً في أصولها.

لذا، يمكن إحصاء سبعة تيارات متميزة على الأقل وهي ترفد البطالة الشاملة.

قبل كل شيء هنالك البطالة البنيوية التي تدين لاستبدال صناعات الموجة الثانية بصناعات الموجه الثالثة، وهذه ظاهرة عالمية، إن الصناعات التقليدية العتيقة التي تتصدع أو تهاجر تترك ثقوباً فاغرة في اقتصاديات البلدان المصنعة، ويجد ملايين من الناس أنفسهم محرومين من العمل.

وتثير هذه البلبلة إلى جانب أمور أخرى، اشتداد المنافسة على مستوى المبادلات العالمية، ولجوءاً إلى إغراق الأسواق بالبضائع، واختلالات، واندفاعات محمومة مفاجئة، وارتباكات مباغتة تهز السوق العالمية، هذا الوضع يخلق تياراً ثانياً من فقدان الوظائف: أي البطالة المرتبطة بالتجارة.

ثم إن هناك توتراً عاماً آخر يهدد الوظيفة ويبرز بمقدار ما ترتقي التقنية ومع التساوي على صعيد الإنتاج تتناقص الحاجة إلى الأشخاص بالتدريج وهذه هي البطالة التقنية الشهيرة والتي يدور حولها جدل كثير.

وهناك بطالة أسبابها محلية محضة أو إقليمية، فائض منتظم في الإنتاج، تغير في أذواق المستهلكين، اندماجات، مشكلات بيئية إلخ، ونطلق عليها اسم البطالة "العادية".

كما أننا نذكر معدلاً لبطالة تخمينية أن مستوى البطالة الذي لا يمكن تجنبه هو بشكل جوهري مؤقت وتنشئة الحواس – عمل بانتظار وظيفة جديدة – أعلى من المعدل العادي، وإنه لمن الواضح كلما سارت الأمور بسرعة تسارع التغيير وتضخم هذا الرقم.

شكل آخر من البطالة هو البطالة التي تعود بمجملها تقريباً إلى انقطاع المعلومات، فالوظائف القابلة للتبادل فيما بينها تزداد ندرة بمقدار ما يصبح تقسيم العمل أكثر دقة، والمشكلة التي تتمثل في إقامة توافق بين الكفاءة وبين المهمة المتوجب إنجازها سهلة الحل نسبياً عندما كانت توكل إلى العمال أعمال روتينية وقابلة للتبادل فيما بينها وهي تصبح الآن شاقة إلى درجة كبيرة، ولكي نواجهها لابد من نظام للمعلومات أكثر حداثة بكثير من هذا الموجود حالياً، وإلى أن يصبح هذا النظام حقيقة قائمة سيكون علينا أن نتوقع للبطالة الإعلامية مستوى يزداد ارتفاعاً.

وسوف نذكر أخيراً ما يطلق عليه اسم البطالة الخرقاء وهي البطالة التي تغذيها دون تعمد سياسة حكومية خرقاء، ترمي في الغالب إلى زيادة عدد الوظائف، وأظن أن جزءاً مهماً من البطالة غير البنيوية يرتد إلى هذه المقولة الأخيرة أنها مرض يحدثه الطبيب ولا شفاء منه على الأرجح، ولسوء الحظ أنه لا يمكن ملاحقة السياسيين والاقتصاديين أمام العدالة بسبب خطأ مهني لا علاج له.

ومن الممكن أيضاً تعداد كثير من التيارات المغذية للبطالة وهي تتقاطع فيما بينها وتتراكب بعضها فوق بعض، ولقد كان الهدف من وضع هذه القائمة أن نبرهن بوضوح على أننا لا نجابه مشكلة واحدة وحسب بل نجابه عديداً من المشكلات المتشابكة ذات التعقيد الهائل.

وعليه يجب ألا يغرب عن بالنا، مثلاً، أنه عندما يقال: إن التقنية يمكن أن تلد البطالة فإنه لا يؤخذ بالاعتبار غير واحدة من نتائجها إذ يمكن أن تخلق كذلك وظائف في أماكن أخرى ولكن دائماً داخل النظام وهذا هو ما يجري بصورة عامة.

والحقيقة أن البطالة ذاتها تخلق الوظيفة فهي تقود إلى تجنيد عمال اجتماعيين وأطباء وجهاز شرطة، وفي بعض الصناعات تغير سلم الأجور ويمكنها أيضاً أن تفتح إمكانات جديدة لتشغيل العمال بأصغر كلفة ممكنة في المشاريع المعنية.

إن جميع المبادرات التي اتخذت كانت لها نتائج متعددة وهذه بدورها كانت لها نتائج من الدرجة الثانية والدرجة الثالثة والدرجة الألف، وكلما تجرد النظام من طابعه المكثف وتخلص من التعقيد فقدت الصيغ الموجودة القوة التي كانت لها في الماضي.

وفي كل حال، إن الفكرة القائلة بأن البطالة هي مشكلة إجمالية وبأنها من طبيعة كمية لا كيفية، هي فكرة تصنيعية نمطية تم تجاورها وهي مبنية على أساس أننا ما نزال نواجه اقتصاداً مكثفاً تقليدياً.

وعلى غرار ما يجرى في الاقتصاد ذاته، فإن أسباب البطالة وبالتالي العلاجات المقترحة لإيقافها هي مختلفة دائماً، فكل شكل من أشكال البطالة يتطلب تدابير مقابلة له ونحن ما نزال نحاول أن نداوي المرض بمساعدة مضادات الحيوية ذات الطيف الواسع بدلاً من اللجوء إلى علاجات "ذكية" ونوعية بالمعنى الضيق.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عادة التفاخر من منظور اقتصادي!

من الطريف أن أول من أشار إلى أهمية الاستهلاك التفاخري هو ثورشتاين فبلن في كتابه "نظرية الطبقة المترفة"، وهو بذلك يشير إلى أن بذور هذا المجتمع الجديد قد ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية منذ نهاية القرن الماضي. ولم ينظر إلى أثر الاستهلاك كقيمة اجتماعية في النظرية الاقتصادية  إلا عندما كتب دوزنبري عن "أثر التقليد"، حين بين أن استهلاك الفرد لا يتوقف على ذوقه وما يريده هو، بقدر ما يتأثر بما يستهلكه الآخرون. وبذلك أدخل فكرة التداخل بين أذواق المستهلكين في تحديد ذوق المستهلك. ومعنى ذلك أن الاستهلاك أصبح قيمة اجتماعية. فالفرد لا يستهلك ما يريده فحسب، وإنما يستهلك ما يجد جيرانه وزملاءه يستهلكونه. ومن هنا نفهم الدور التي يقوم به الإعلان في العصر الحديث.

وإذا كان الاستهلاك ونوعه وتنوعه يحدِّد في العصر الحديث - إلى حد ما - مكانة العائلة الاجتماعية، فإن ذلك لم يكن كذلك دائماً. ففي القديم لم يكن المركز الاجتماعي يتحدد للفرد بمقدار ما يستهلكه، بل إنه من مدعاة السخرية أن يحاول الفرد أن يجاري النبلاء في حياتهم، وأن يحاول أن يستمد مركزه الاجتماعي من زيادة إنفاقه الاستهلاكي.

ومع ذلك فإن الاستهلاك في ذاته قيمة اجتماعية كبرى، ويقاس مركز الفرد الاجتماعي بقدر ما يستهلكه من السلع والخدمات، ومدى قدرته على التغيير المستمر، "الموضة" دائماً في تغيير، حتى يشعر الفرد بحاجته إلى التغيير في استهلاكه، مما يؤدي إلى الاستهلاك المستمر.

إن التقدم الفني الهائل المتاح الآن والمستخدم في أساليب الإنتاج قد وفر القدرة المستمرة على زيادة الإنتاج والإنتاجية مما زاد من فرص الاستهلاك، وقد نجم عن ذلك أن الاستهلاك في المجتمع الحديث قد زاد بشكل لم يكن معروفاً فيما سبق، كما نجمت عنه مجموعة من القيم والقواعد التي تنظم حياة المجتمع في ضوء زيادة الاستهلاك. فزيادة الاستهلاك في حد ذاتها، وبصرف النظر عن الحاجات التي يشبعها هذا الاستهلاك المتزايد، قد أصبحت من قواعد الإنتاج في العصر الحديث.

وقد كان لهذه الظاهرة آثار بعيدة على الاقتصاد، كما لها آثار ونتائج خطيرة على السلوك الاجتماعي.

يقول فرانسوا دال في كتابه "مستقبل السياسات الإدارية": "إن غزو المستهلك لشيء مثير..."، إن ما تعمد إليه بعض الشركات المنتجة من إحلال سلع مماثلة أقل جودة، وبالطبع أقل سعراً، ليقبل الناس عليها، حتى تزول السلع الأصلية من السوق، وعندها ترفع سعر السلعة المثيلة، إن هذا نموذج من نماذج إغراء المستهلك، وأسلوب من أساليب غزوه.

تقول الإحصاءات الأخيرة: إن من العوامل التي تمثل نمطاً في الحياة يؤذي البيئة: السيارات، والبيوت الفخمة، ومراكز التسوق الكبرى، والسلع الاستهلاكية، ونوع الطعام المرتكز على الإفراط في أكل اللحوم، والغذاء غير الصحي.

إن السلوكيات الاستهلاكية بدأت تتغير اليوم، إما بسبب ثورة المتغيرات والإنتاجية الكبيرة، أو لأننا ننتهج مسلكاً استهلاكياً لإخفاء شيء معين في نفوسنا، كمستوانا المالي أو الثقافي مثلاً. ولذلك كان خيارنا عشوائياً، حسب ما يمليه ذوق المصمم أو حسب النص الإعلاني في التليفزيون، ولا خيار لنا كمستهلكين. ففي بعض الأحيان نشتري بضاعة لا لتلبية حاجة خاصة، بل لأنها ظهرت في إعلان مثير، إن شريحة كبيرة في مجتمعنا الاستهلاكي لا تتابع بدقة واهتمام وموضوعية مجريات الأحوال السوقية داخل وخارج بلادنا. ثم إن كثيراً من المستهلكين تستهويهم وتثير أحاسيسهم الاستهلاكية عقدة الندرة، فكل شيء نادر، يتسابق الناس لاختطافه من الأسواق.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الجزء الأعظم من علم الاقتصاد

 

 إن إيمان علماء الاقتصاد بالتأثير القوي للتحفيز يقدم لهم الكثير، فهم يعتمدون عليه كمرشد في المجالات المجهولة لهم، في عام 1965، نشر رالف نادر كتاباً يلفت انتباه القارئ إلى عدة أمور في تصميم السيارات تزيد خطورة القيادة عن الحد المقبول، واستجابت الحكومة الفيدرالية سريعاً بإصدار عدة تشريعات لتحقيق القيادة الآمنة، ومنها إلزام مصانع السيارات بتركيب حزام الأمان، واستخدام عجلات القيادة المتحركة ونظام الكوابح الثنائية، وزجاج الأمان الأمامي المقوى.

وقبل أن يبدأ تفعيل هذه القوانين، كان بإمكان أي عالم اقتصاد التنبؤ بإحدى النتائج المترتبة عليها، وهي زيادة عدد حوادث السيارات، والسبب في ذلك أن الخوف من الموت في حادث سيارة يمثل حافزاً قوياً للقيادة الآمنة، في حين أن القائد الذي يضع حزام الأمان لا يخشى هذا الخطر بنفس الدرجة، ولأن الناس تستجيب للتحفيز، فإن قيادتهم تصبح أقل حذراً ومن ثم يرتفع عدد الحوادث.

إن المبدأ المطبق هنا هو المبدأ ذاته الذي تنبأ باختفاء طوابير البنزين، فعندما ينخفض سعر البنزين، يزداد إقبال الناس عليه، كذلك فعندما ينخفض سعر حادث السيارة (ويقصد بذلك احتمالات الوفاة أو القيمة المتوقعة للفواتير الطبية)، تزداد نسبة وقوع حوادث السيارات.

بعد هذا الاستطراد عن التحديات التي تواجه البحث التجريبي، أعود إلى الموضوع الأساس وهو: قوة التحفيز، إن طبيعة عالم الاقتصاد أن يفسر هذه القوة، هل تقلل السيارات الموفرة للطاقة استهلاكنا من البنزين؟ ليس بالضرورة، فهذه السيارات إنما تقلل ثمن القيادة، فيختار الناس الإكثار من القيادة.

في عام 1983، قام البروفيسور إدوارد ليمر من جامعة كاليفورنيا بولاية لوس أنجلوس، بنشر مقالة طريفة بعنوان "لنبعد الأهواء عن الاقتصاد القياسي"، حذر فيها من أن التحيزات المسبقة للباحث قد تؤثر بشدة فيما يتوصل إليه من نتائج.

إن التحفيز أمر له أهميته، وتحوي مؤلفات علم الاقتصاد عشرات الآلاف من الدراسات التجريبية التي ترسخ هذا الرأي، ولا توجد دراسة واحدة تجعلنا نفنده بطريقة مقنعة، وعلماء الاقتصاد دائماً يختبرون هذه المقولة (في حين أنهم ربما يتمنون سراً لو يكونون أول من يثبت عدم صحتها ليجنوا لأنفسهم الشهرة بذلك)، ويعملون دائماً على توسيع مجال تطبيقها.

وفيما كنا سابقاً لا نفكر إلا في استجابة المشتري لأسعار اللحوم، فقد أصبحنا الآن نفكر في استجابة سائق السيارة لحزام الأمان.

وقد درس علماء الاقتصاد الأسس التي يعتمد عليها الناس في اختيار شريك الحياة، أو تحديد حجم الأسرة (وبالغ بعض الباحثين في الاهتمام بهذا الاتجاه لدرجة أن جريدة "جورنال أوف بوليتيكال إكونومي" نشرت مقالة ساخرة حول اقتصاديات تنظيف الأسنان، و"قدّرت" هذه المقالة أن الناس يقضون نصف ساعات يقظتهم بالكامل في تنظيف أسنانهم، وقد تباهى مؤلف هذه المقالة بأنه "ما من نموذج اجتماعي يستطيع الوصول إلى مثل هذه النتائج الدقيقة"، ومع كل هذه التغيرات، هناك شيء واحد ثابت، ألا وهو قوة التحفيز.

"الناس يستجيبون للتحفيز"، تبدو عبارة مقبولة وسوف يقر الجميع تقريباً بصلاحيتها كمبدأ عام، وما يميز عالم الاقتصاد عن غيره هو إصراره على أخذ هذا المبدأ على محمل الجد طوال الوقت.

إذن؛ يتلخص الجزء الأعظم من علم الاقتصاد في جملة يسيرة، وهي أن "الناس يستجيبون للتحفيز"، وما دون ذلك هو تعليق على هذه الجملة.

 

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

(*) المستشار الاقتصادي، وعضو هيئة التدريس بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top