د. زيد الرماني

د. زيد الرماني

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

البطاقات الذكيّة وعالمنا الرقمي

يجري حالياً تطوير العديد من أشكال النقود الإلكترونية. ومن المفيد هنا أن نعرض لثلاث مجموعات حديثة هي: نظم المديونية والائتمان الإلكترونية والأشكال المتنوعة للبطاقات الذكية، والنقود الرقمية الفعلية التي تحمل الكثير من الصفات المميزة للأموال النقدية.

إنّ نظم المديونية والائتمان الإلكترونية موجودة ومستخدمة بالفعل الآن. فحين يستخدم أحد المستهلكين بطاقة صراف آلي للشراء، تحوّل النقود من حسابه إلى حساب التاجر.

كذلك يستخدم بطاقات الائتمان في المدفوعات عبر الانترنت. وتتيح برامج الحاسوب دفع الفواتير إلكترونياً، وما هي إلا خطوات قصيرة حتى نصل إلى الشيكات الإلكترونية الحقيقية التي يمكن نقلها إلى المستفيد مظهّرة ومودعة عبر الإنترنت. وتمثل نظم التسجيل على الحساب والائتمان الإلكترونية وسيلة جديدة وأكثر ملاءمة في الدفع بَيْدَ أنها ليست أنظمة دفع حديثة. فعند نهاية كل سلسلة من التعاملات يوجد مصرف تقليدي أو تعامل ببطاقة اعتماد.

وتمثل البطاقات الذكية والنقود الرقمية نظم دفع جديدة تنطوي على تأثيرات ونتائج رهيبة. والبطاقات الذكية هي بطاقات اعتماد بلاستيكية يستخدم منها الكثير حالياً كأدوات دفع رسوم الهاتف.

إنّ البطاقة الذكية لا تتعدّى كونها بطاقة تسجيل على الحساب لا تحتاج إلى موافقة المصرف لدى كل تعامل، فالمقاصة وتصفية الحسابات بين المصرفين تحدث يومياً وتستقر القيمة في حساب الطرف الثالث. ولا يوجد أي سبب لحصر وظيفة البطاقات الذكية في تلك الحدود. ذلك أن في إمكان المصارف والمؤسسات الأخرى إضفاء مزيد من القيمة على البطاقات الذكية من خلال القروض والدفع مقابل الخدمات أو المنتجات.

كما تستطيع النقود الرقمية أن تأخذ شكلاً رقمياً فعلياً بحيث توجد كوحدات قيمة على شكل بايتاتbytes(وحدة لقياس سعة الذاكرة) مخزنة في ذاكرة الحاسب الشخصي، الذي يمكن دعمه بحسابات احتياطية من النقود الحقيقية.

إنّ النقد الإلكتروني والأهمية المتزايدة للأسواق الرقمية يمكن أن تـُحدث مشكلات عديدة أمام سيطرة الحكومة المركزية على الاقتصاد وسلوك الفاعلين الاقتصاديين، كما تجعل الحدود المحيطة بالأسواق القومية والدول القومية أكثر قابلية للاختراق.

ففي عام يصبح فيه النقد الالكتروني الحقيقي واقعاً يومياً سوف يعاد تحديد الدور الأساسي للحكومة في اقتصاد السوق الحر، كما سيعاد تعريف مدى لزومية الحدود والجغرافيا بصورة جذرية.

إنّ هذه الإشكاليات تعكس انقطاعاً تقليدياً بين القضايا المحلية والدولية، فإنّ حلول النقد الإلكتروني يثير في واقع الأمر أسئلة جدية حول فكرة المحلي والدولي، ذاتها كمفاهيم متميزة وذات معنى.

إنّ العالم الرقمي الجديد يطرح عدداً من القضايا ومن ذلك:

  1. هل تستطيع المصارف مراقبة معدل النمو وكمية عرض النقود؟.
  2. هل ستظل هناك تعاملات رسمية بالنقد الأجنبي؟.
  3. هل سيوسع النقد الإلكتروني والتجارة الإلكترونية الهوة بين الأثرياء والأغنياء؟.
  4. هل سيزيد الاحتيال والنشاط الإجرامي في ظل اقتصاد النقد الإلكتروني؟.

إنّ الرقمية أو التحول إليها إنما هو فصل للنقود والأموال عن مراسيها الجغرافية. كما أنّ النظام المالي الدولي الذي يتألف من مئات الآلاف من شاشات الحواسيب المنتشرة في أرجاء العالم، هو أول سوق إلكترونية دولية. ولن تكون هذه السوق آخر الأسواق.

إنّ بدايات القرن الحادي والعشرين ينظر إلى النقود الإلكترونية والبطاقات الذكية والنقود الرقمية على أنها عالم العملات الإلكترونية المتنافسة..

أهل البشرى

إنّ البشرى والاستبشار خلق كريم من الأخلاق الإسلامية التي حض عليها القرآن الكريم والسنة النبوية، بل إن البشرى جزء من الهدي النبوي.

فالمؤمن الذي خالطت بشاشة الإيمان قلبه من شأنه أن يكون مبشراً بالخير في كل حين، ومبشراً بدعوة الحق في مكانها، ومستبشراً بين الناس.

والبشرى تلقى الضوء على ما يقوم به المؤمن من عمل؛ لأنه على ثقة من قبول هذا العمل.

وقد بين الله تعالى سرور وفرح الشهداء، واستبشارهم عندما قال: "فرحين بما ءاتهم الله من فضله، ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم من خلفهم"(آل عمران/170).

وللبشرى والاستبشار مكانة سامية في سُدّة الفضائل، فقد أخبر الله تعالى بأنه هو الذي يُبشر من يستحقون البشرى؛ ليكونوا من أهل الاستبشار، قال سبحانه :"الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله بأموالهم وأنفسهم أعظم درجة عند الله وأولئك هم الفائزون يبشرهم ربهم برحمة منه ورضوان وجنات لهم فيها نعيم مقيم" (التوبة/20ـ21).

ومما لاشك فيه أن أهل البشرى سيلقون نعيماً وملكاً كريماً عند مليك مقتدر، فهم ضاحكو الوجوه مستبشرون بالنعيم "وجوه يومئذ مسفرة، ضاحكة مستبشرة"(عبس/38ـ39).  

إنَّ هناك علاقة لطيفة بين البُشرى والعبادات التي افترضها الله عز وجل على المؤمنين.

فلقد عُني الإسلام بأمر الصلاة عناية فائقة، وحضّ عليها، ورغّب بمحاسنها، فهي مفاتيح الجنان، ومن خير الأعمال بعد شهادة الإيمان، وأول ما يحاسب عليه العبد بعد مفارقة الأهل والخِلان، عندما يقابل ملائكة الملك الدّيان.

وقد جعل الله تعالى الصلاة صفة كريمة وحلية مباركة للمتقين المسلمين به، والمسلمين له، "ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين..."( البقرة/2).

فهؤلاء لهم رتبة مرموقة يوم القيامة، ومكانة محمودة، لأنهم من فريق المفلحين "أولئك على هدى من ربهم وأولئك هم المفلحون" (البقرة/5).

وفي السنة النبوية دعوة مرغبة إلى أداء الصلاة في جماعة في سائر الأوقات، وخصوصاً في صلاة الصبح والعشاء، حيث جاءتهم البشرى بذلك، فعن بريدة بن الحُصيب الأسلمي رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "بشروا المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة" (أخرجه أبو داود في سننه).

والزكاة ركن مهم من أركان الإسلام، ودعامة من دعائم الإسلام، أداؤها عنوان على العمل بطاعة الله عز وجل: "ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون"(الحشر/9). فلما سمع المسلمون الأوائل هذه الدعوة المباركة: "فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة" (الحج/78)، إلى الإنفاق فاضت أيديهم بالمعروف طلباً لرضوان الله سبحانه.

وقد حض الإسلام على الصدقة لما فيها من الخير العميم والثواب العظيم "الذين ينفقون أموالهم بالليل والنهار سراً وعلانية فلهم أجرهم عند ربهم، ولا خوف عليهم ولا هم يحزنون" (البقرة/274).

ولقد خصّ الله تعالى الصيام بنفحات مباركات وجعل شهره وهو رمضان شهر الصيام، وشهر القرآن العظيم؛ حيث أنزل فيه القرآن العظيم؛ حاملاً معه البشرى والهدى والهداية للناس.

وقد فرض الله سبحانه الحج على كل مسلم يملك الاستطاعة، والحج فريضة يؤديها المسلم في العمر مرة، حينما تتوافر الاستطاعة من الصحة وإمكان السفر، وأمن الطريق،  والحج مؤتمر المسلمين السنوي العام، يتلاقون فيه عند البيت العظيم الذي صدرت لهم الدعوة منه ذلك البيت الذي جعله الله أول بيت في الأرض لعبادته.

لذا، كثرت البشائر بالجنة وبألوان النعيم لمن أحسن أداء العبادات التي افترضها الله عز وجل على المؤمنين. 

أزاهير رمضانية

يقول ابن قيم الجوزية رحمه الله: المقصود من الصيام حبس النفس عن الشهوات وفطامها عن المألوفات وتعديل قوتها الشهوانية لتستعد لطلب ما فيه غاية سعادتها ونعيمها وقبول ما تزكو به مما فيه حياتها الأبدية ويكسر الجوع والظمأ من حدتها وسورتها ويذكرها بحال الأكباد الجائعة من المساكين وتضييق مجاري الشياطين من العباد بتضييق مجاري الطعام والشراب وتحبس قوى الأعضاء عن استرسالها لحكم الطبيعة فيما يضرها في معاشها ويسكن كل عضو فيها وكل قوة عن جماحه، وتلجم بلجامه فهو لجام المتقين وجنة المتحابين ورياضة الأبرار المقربين.

ويضيف أبو الفرج ابن رجب الحنبلي رحمه الله، مؤكداً تلك الفوائد والأسرار، قائلاً كما كان الصيام في نفسه مضاعفاً أجره إلى سائر الأعمال، كان صيام شهر رمضان مضاعفاً على سائر الصيام لشرف زمانه وكونه هو الصوم الذي فرضه على عباده وجعل صيامه أحد أركان الإسلام التي بني الإسلام عليها.

قيل للأحنف بن قيس: إنك شيخ كبير وإن الصوم يضعفك، فقال: إني أعدّه لسفر طويل، والصبر على طاعة الله أهون من الصبر على عذابه.

ورد عن الحسن البصري رحمه الله قوله: إن الله جعل الصوم مضماراً لعباده ليستبقوا إلى طاعته، فسبق قوم ففازوا ولعمري لو كشف الغطاء لشغل محسن بإحسانه ومسيء بإساءته عن تجديد ثوب أو ترجيل شعر.

أما الشافعي رحمه الله فيقول: أحب للصائم الزيادة بالجود في شهر رمضان اقتداء برسول الله صلى الله عليه وسلم ولحاجة الناس فيه إلى مصالحهم ولتشاغل كثير منهم فيه بالعبادة عن مكاسبهم.

وهذا أبو حامد الغزّالي يقول: الصيام زكاة للنفس ورياضة للجسم وداع للبر فهو للإنسان وقاية وللجماعة صيانة، في جوع الجسم صفاء القلب وإيقاد القريحة وإنفاذ البصيرة لأن الشبع يورث البلادة ويعمي القلب ويكثر الشجار في الدماغ فيتبلد الذهن، والصبي إذا ما كثر أكله بطل حفظه وفسد ذهنه أحيوا قلوبكم بقلّة الضحك وقلة الشبع وطهروها بالجوع تصفُ وترق.

لقد كان شهر رمضان المبارك، ولا يزال، مبعثاً لكوامن الشعور النبيل والأفكار النيّرة والأوصاف الحسنة والمواعظ الطيبة من قبل العلماء والأدباء والمفكرين والشعراء.

وقد جادت قرائحهم بقطوف دانية من الأقوال والحكم والمواعظ التي تعكس مزية هذا الشهر الفضيل ومنزلته في النفوس والقلوب، قطفنا منها أزاهيرها.

الصوم فرصة لإذابة شحوم المترهلين

جعل الله الصوم شهراً في السنة يتزود فيه المؤمنون بحكم الصوم وفضائله لباقي شهور العام حتى يصلوا إلى التقوى بحيث يتقون بتلك الفضائل الشرور والآثام.

ومن أهم حِكم الصوم وفضائله أنه يربي في الصائم المؤمن ملكة الصبر والمصابرة عن الشهوات المفسدة للأخلاق، إذ من ربّى نفسه طيلة شهر رمضان على ترك شهواته المباحة الميسورة امتثالاً لأمر الله تعالى واحتساباً، عنده يُرجى من أن تتربى عنده ملكة ترك الشهوات طيلة شهور السنة.

إن من أهم حِكم الصوم تربية ملكة الصبر على المكاره والمشاق، إذ مَنْ صبر طيلة أيام شهر كامل على احتمال مشقة الجوع والعطش، سيما في الأيام الطوال الحارة فإنه يُرجى أن تتربى عنده ملكة الصبر في المواطن التي تحتاج إلى ذلك.

ومن فضائل الصيام تربية ملكة الشفقة والرحمة على الفقراء والمساكين، فإنه حينما يشتد جوع الصائم وعطشه يشعر بحاجة إخوانه المحتاجين، وربما حمله ذلك على الإحسان إليهم وفي ذلك إصلاح اجتماعي، وبهذا ترتبط فريضة الزكاة بفريضة الصيام برباط ديني اجتماعي إنساني متين.

ومن خصائص شهر رمضان تربية مراقبة الله عز وجل في جميع أعمال الصائم طيلة شهور السنة، إذ عند ترك الصائم كل ما يرغب فيه أثناء أيام صيامه من أكل نفيس وشراب عذب وفاكهة شهية وكل ما يستهويه من الملذات امتثالاً لأمر الله تعالى، فإن من نتائج هذا أن تتقوّى ملكة المراقبة ومحاسبة النفس بقية شهور العام.

وفريضة الصيام تربي في نفسية الصائم ملكة النظام في جميع أعماله، فإنه حينما يلتزم وقتاً محدداً لصومه وإفطاره وسحوره وقيامه وتلاوته للقرآن وزيارة الأقارب والأصحاب، فإن ذلك يربي عنده حب النظام والمحافظة على ترتيب الأعمال.

ونضيف إلى ما سبق من الخصائص والسمات والفضائل المرتبطة بفريضة الصيام في شهر رمضان المبارك أيضاً؛ أن في الصوم فرصة لإذابة شحوم المترهلين وإفناء المواد السامة المترسبة في الأبدان، لا سيما أبدان المترفين أولي النهم قليلي العمل، وتطهير الأمعاء من السموم التي تحدثها البطنة، فكثير من المرضى يتعافون أثناء شهر رمضان.

إن رمضان مصنع للرجال وليس مطبخاً للطعام، فلو تجوّل الإنسان في الأسواق عشية الإفطار لرأى العجب العجاب من تهافت الناس القادرين على شراء اللحوم والخضار والحلويات والمآكل المتنوعة، حتى ترتفع الأسعار تبعاً لزيادة الطلب وتُفقد أحياناً هذه المواد الغذائية من الأسواق ويتعذر بالتالي على الفقراء شراء ما يحتاجون منها بريالات محدودة.

وللأسف، فإننا نشاهد في أيامنا هذه ما وصل إليه الناس من فهم لرمضان وممارسة للصيام، فهم يتبارون في صنع الأطباق المتنوعة ولا يكتفون بطعام واحد بل يضعون على موائد الإفطار كل ما اشتهته نفوسهم أثناء النهار، فإذا دوّى مدفع الإفطار انطلقوا على سجيتهم يملؤون بطونهم من كل نوع حتى التخمة.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top