د. زيد الرماني

د. زيد الرماني

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

السمات الاقتصادية لفريضة الصوم

يرى دافيد سترى أنَّ الصوم اقتصادي، ويقوم مقام مستحضرات التجميل، ويعطي جهاز الهضم راحة تامة، ويتيح للجسم الفرصة ليتخلص من السموم والفضلات المتراكمة، ويرمِّم نفسه بنفسه.

وفيما يلي نستعرض أهم السمات الاقتصادية لفريضة الصوم:

أولاً: الصوم والاستهلاك: من الواضح أنَّ هناك علاقة طردية بين شهر الصوم المبالغ فيه، والمرء يدهش من هذا النهم الاستهلاكي الذي يستشري لدى الناس عامة في هذا الشهر، فالجميع يركض نحو دائرة الاستهلاك والاستعداد للاستهلاك في رمضان، يبدأ مبكراً مصحوباً بآلة رهيبة من الدعاية والإعلانات التي تحاصر الأسرة في كل وقت ومن خلال أكثر من وسيلة، وبالتالي يكون المرء مهيأ للوقوع في دائرة الاستهلاك الرهيبة، الزوجة تضغط باتجاه شراء المزيد، والأولاد يُلحون في مطالبهم الاستهلاكية، والمرء نفسه لديه حالة شرهة لشراء أي شيء قابل للاستهلاك.  

إنَّ هناك تبذيراً وإسرافاً إلى حد السفه، فالكميات التي يتم شراؤها في الأيام العادية، يتم تجاوزها إلى أضعاف الأضعاف في شهر رمضان، على الرغم من أنه لا يحتوي إلا وجبتين فقط.

ثانياً: الصوم والإنفاق: من الإنفاق ما افترض على سبيل الكفارة لمن لم يقدر على الصوم، ومنها زكاة الفطر.

إنَّ من معاني الصوم أنه إمساك عن شهوة البطن، وبالمعنى الاقتصادي هو تخفيض للإنفاق، أو ترشيد للإنفاق، ثم إنَّ الإنفاق البذخي في رمضان أمر لا يمكن أن يتسق مع وضعية مجتمعاتنا الإسلامية التي في أغلبها مجتمعات نامية تتطلب المحافظة على كل جهد وكل إمكانية من الهدر والضياع للموارد الاستهلاكية، وما نصنعه في رمضان هو هدرٌ لإمكانات مادية نمتلكها في غير موضعها، وهدرٌ لقيم سامية طالبنا الدين الإسلامي بالتمسك بها، وهدرٌ لسلوك قويم هو القناعة.

إن شهر الصوم فرصة ولا شك يتعلم فيها أفراد أمتنا عادة اقتصادية حميدة هي ترشيد الإنفاق، ليكون شهر الصوم فرصة دورية للتعرف على قائمة النفقات الواجبة، وفرصة لترتيب سلّم الأولويات، وفرصة للتعرف على مستوى الفائض الممكن الذي ينبغي توجيهه إلى أغراض استثمارية.

كما إنَّ شهر الصوم فرصة لتحقيق هذا الترشيد، ولتوسيع وعاء الفائض الممكن، ولكن شريطة أن يرتبط بقاعدة لا إسراف ولا تبذير، ولا شك أنها هي ميدان الترشيد، على المستوى الفردي والمستوى العام، انطلاقاً من قوله سبحانه: (وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ) (الأعراف:31)، ومن قوله صلى الله عليه وسلم: "كل واشربْ والبسْ ما أخطأتك خصلتان: سرفٌ ومخيلة".

ثالثاً: نتائج وتوصيات: إنَّ هذه الخصائص الاقتصادية هي خصائص كامنة في جوهر الصوم، باعتباره مرتبطاً بقوى اقتصادية مثل: الاستهلاك والإنفاق والأموال ودرجة الحاجة ودرجة الإشباع، وأن تحريك هذه الخصائص وتنشيط  فاعليتها هو مهمة البشر في الأمة الصائمة، على مستوى الأفراد ضبطاً لاستهلاكهم، وتقويماً لسلوكهم الاقتصادي، وعلى مستوى المؤسسات توفيراً للنظم الكفيلة بحسن تجميع وتوجيه أموال الكفارة وأموال الزكاة والصدقة، وحسن توظيف قوتها الاقتصادية.

إنَّ في شهر الصوم فرصة للقادرين لاستجلاء مشاعر المحتاجين، ولكن هذا مرتبط بعدة عوامل، منها: أن يُحدث الصوم أثره في نفوس القادرين إزاء المحتاجين، ومنها توافر الحس الديني الذي يكفل التقدير المناسب لضرورة بذل الكفارة وأهمية إخراج زكاة الفطر، ومنها حسن توجيه هذه الأموال.

إنَّ خطة لمواجهة الشراهة الاستهلاكية أصبحت مطلوبة في رمضان وغير رمضان، إن هذه الحالة من شراهة الاستهلاك المتنامية فينا، دلالة على المدى الهائل من التخلف السلوكي الذي تعيشه مجتمعاتنا الإسلامية، والمتأمل لصناديق وأكياس القمامة يرى أننا في حاجة إلى إعادة النظر في قيمنا الاستهلاكية باتجاه تعديلها لتصبح قيماً إنتاجية أو قيماً استهلاكية رشيدة.

إذن؛ الاستهلاك والإنفاق لهما أبعاد خطيرة كثيرة تهدِّد حياتنا الاقتصادية، وتهدِّد أمننا الوطني، فهل يكون شهر رمضان فرصة ومجالاً لامتلاك إرادة التصدي لحالة الاستهلاك الشرهة، وأساليب الإنفاق البذخية؟!

ليس في العبادات أفضل من الصيام؟

يقول ابن الجوزي رحمه الله في كتابه "رياض السامعين" الله الله عباده الله صوموا جوارحكم عن المنكرات، واستعملوها في الطاعات، تفوزوا بنعيم الأبد في قرار الجنات، والتمتع بالنظر إلى جبار الأرض والسموات.

وشهـر الـصـوم شاهـده عـلينا    بأعمال القبائح والذنوبِ

فـيا رباه عـفـواً مـنك وألطف    بفضلك للمجير والكئيب

وهذا الصوم لا تجعله صوماً     يُصيِّرنا إلى نـار اللهيب

وقد قيل: ليس في العبادات أفضل من الصيام، لأنه باب العبادة. وقد جعل الله تبارك وتعالى هذا الشهر العظيم كفارة للذنب العظيم وليس في الذنوب إلا عظيم، لأننا إنما نعصي بها الرب العظيم. وقد قالوا لا تنظر إلى صِغر ذنبك ولكن انظر إلى من عصيت!!.

والحكمة في فرض شهر رمضان، أنَّ الله تعالى أمرنا أن نصوم فيه ونجوع، لأن الجوع ملاك السلامة في باب الأديان والأبدان عند الحكماء والأطباء. فما ملأ ابن آدم وعاءً شرّاً من بطنه، والحكمة ملك لا يسكن إلا في بيت خال.

وقد قيل شعراً:

تجوّع فإن الجـوعَ يُورث أهله   عواقب خير عمّها الدهرُ دائمُ

ولا تكُ ذا بطن رغيب وشهوة   فـتصبح في الدنيا وقلبُك هائمُ

مَرَّ الحسن البصري رحمه الله بقوم يضحكون فوقف عليهم وقال: إن الله تعالى قد جعل شهر رمضان مضماراً لخلقِه يستبقون فيه بطاعته، فسبق أقوام ففازوا، وتخلف أقوام فخابوا، فالعجب للضاحك اللاعب في اليوم الذي فاز فيه المسارعون وخاب فيه الباطلون.

أتى شهر رمضان، شهر الرحمة والغفران شهر البر والإحسان، شهر مغفرة الديّان، شهر العتق من النيران.

قـل لأهـل الذنـوبِ والآثـام       قابلوا بالمتابِ شهر الصيام

إنه في الشهور شهرٌ جـليلٌ       واجــبٌ حــقه وكـيدُ الزِّمام

شهر فيه جزيل الثواب، وهو شهر المتاب، لياليه أنور من الأيام، وأيامه مطهرة من دنس الآثام، وصيامه أفضل الصيام، وقيامه أجل القيام.

قال ابن الجوزي رحمه الله في كتابه "بستان الواعظين" عن شهر رمضان: شهرٌ فضّل الله به أمة محمد عليه أفضل الصلاة والسلام، شهرٌ جعله الله مصباح العام، وواسطة النظام، وأشرف قواعد الإسلام، المشرق بنور الصلاة والصيام والقيام.

في شهر رمضان أنزل الله كتابه، وفتح للتائبين أبوابه، فلا دعاء فيه إلا مسموع، ولا عمل إلا مرفوع، ولا خير إلا مجموع، شهرٌ السيئات فيه مغفورة، والأعمال الحسنة فيه موفورة، والمساجد معمورة، وقلوب المؤمنين مسرورة.

أيـن أهـلُ القـيـام لله دأبـاً         بذلوا الجهدَ في رضا الجبار

أنتم الآن في ليال عـظام         قدرُهـا زائــدٌ عــلى الأقــدار

إن الصوم ثلاثة: صوم الروح وهو قصر الأمل، وصوم العقل وهو مخالفة الهوى، وصوم الجوارح وهو الإمساك عن الطعام والشراب والجماع.

الـصـوم جــنـة أقــوام مــن الـنـار     

والصوم حصنٌ لمن يخشى من النار

والصومُ سترٌ لأهل الخـيـر كـلهم

الـخــائــفــيـن مـن الأوزار والـعـــار

فـصـام فـيه رجــالٌ يـربـحـون به

ثــوابــهــم مـن عــظيـم الشأن غـفار

فأصبحوا في جنان الخلد قد نزلوا

مـن بـيــن حــور وأشــجـار وأنهـار

رمضان.. وإدمان التسوق والشراء!

فيما مضى، كان كل شيء يُقتنى ويُشترى موضع رعاية وعناية خاصة واستخدام إلى آخر حدود الاستخدام، وكانت الأشياء والسلع تـُشترى ليحافظ عليها، وكأن شعار ذلك الزمان: ما أجمل القديم.

أما اليوم، فقد أصبح التأكيد على الاستهلاك وليس على الحفظ، وأصبحت الأشياء تشتري كي تـُرمى فأياً كان الشيء الذي يُشترى، سيارة، أو ملابس أو آلات من أي نوع، فإن الشخص سرعان ما يمل منه ويصبح توّاقاً للتخلص من القديم وشراء آخر طراز وموديل، وكأن شعار هذا الزمان: ما أجمل الجديد.

يقول أحد الباحثين: شخص يحتاج إلى سيارة واحدة فقط، لكننا نجده يجمع ثلاث سيارات، زعماً منه بأن منزلته الاجتماعية سوف ترتفع وتكون له وجاهة بين الناس. وآخر يحتاج إلى هاتف، ولكنه يطلب - أيضاً - هاتفاً نقالاً، وجهاز نداء آلي، وهاتفاً خاصاً بالفاكس، إنه إغراء الاستهلاك غير المتزن!

للأسف، فقد أصبحت المصانع تنتج آلاف السلع الكرتونية التي لا يتجاوز عمرها الافتراضي بضع سنوات قليلة، مما يجعلها لا تعدو كونها قبراً متناقلاً يدفع ثمنه الفرد برضا تام، ومَنْ يبقى على قيد الحياة، فإنه - بلا شك - سوف يقوم بإصلاح ذلك القبر المتنقل بكل مدخراته أو جزءاً كبيراً منها، فهناك السموم المزخرفة خارجياً، المليئة بالكيماويات والمواد الحافظة والملونة والمسرطنة داخلياً!

إن الإدمان على الشراء قد يكون رد فعل للكآبة والتوتر النفسي وحالات القلق، فيجد المرء المتنفس الوحيد له في الإغراق في الشراء، وقد يشتري سلعاً ليس في حاجة لها، ثم إن المدمن على الشراء يعاني من نوع من الندم أو تأنيب الضمير؛ لأنه يندم بعد الشراء، كما أن المدمن على الشراء كثيراً ما يعاهد نفسه ألا يفعل ذلك.

ومما يلاحظ أن الإدمان على الشراء ينتشر كثيراً بين الناس غير السعداء في حياتهم الزوجية وهم يجدون فيه عملية هروب من وضع غير مريح.

وللأسف، فإنه نتيجة للإدمان على الشراء، فإن المدمن على ذلك يصاب بنوع من الاستهتار بالالتزامات وربما يكون عرضة لمشاكل الديون والأقساط. يقول أحد الباحثين: تنشأ المشكلات الزوجية بسبب رغبة قوية في نفس الزوجة بالشراء، شراء ما تحتاجه وما لا تحتاجه.

ختاما إليكم بعض النصائح المفيدة المجربة:

تخلصوا من القيم الاستهلاكية السيئة الضارة، حتى لا يتسبب الاستهلاك الترفي في وجود الفقر وسط الرخاء، إذ باستمراره قد تضيع موارد الأسرة ويُفقد معها التوازن الأسري والنفسي والاجتماعي.

قدِّروا الكميات المطلوبة والجودة والنوعية والفترة الزمنية لاستهلاك السلع والخدمات.

اكبحوا جماح انفعالاتكم العاطفية المتعلقة بالكميات المطلوب شراؤها واستهلاكها سواء على مستوى الأطفال أو النساء أو الأسرة.

راقبوا الاستهلاك بصفة مستمرة وتحكموا فيه عن طريق التوعية المستمرة والقرارات الرشيدة ونبِّهوا أفراد الأسرة على خطورة الاستهلاك المرتفع.

احذروا تأثير وسائل الإعلان وفنون الدعاية التي تدعو إلى الشراهة الاستهلاكية ونهم الإنفاق وإدمان التسوق والشراء.

خرافات اقتصادية في بلاد المسلمين!

الخرافات هي كل باطل وخطأ وكذب وزور، ينشر بين الناس. فالدعوات الباطلة، والشعارات الزائفة والرايات المنكرة التي ترتفع في سماء المسلمين والإشاعات والأغاليط والأباطيل، من أشكال هذه الخرافات، الموّجه غالباً للحياة السياسية أو الاجتماعية أو الأخلاقية أو الثقافية أو الاقتصادية.

وقد غزت الخرافات المجال الاقتصادي ونشرت فيه كثيراً من إشاعاتها وأباطيلها، وسمّمت الحياة الاقتصادية ولوثتها وأفسدتها.

يقول د. صلاح الخالدي في كتابه: "إسرائيليات معاصرة": يريد اليهود من وراء ذلك استمرار تحكمهم في الاقتصاد العالمي، وفي الأموال والأرصدة للدول الأخرى.

وقد وجّه اليهود ومعهم مروجو الخرافات إشاعاتهم وأباطيلها للاقتصاد عند المسلمين.

شككوا في وجود نظام اقتصادي في الإسلام، وأنكروا أية صلة بين الإسلام والاقتصاد، وقرنوا الاقتصاد بالرِّبا، وجعلوا الرِّبا ضرورةً اقتصادية عالمية وجعلوا جمع المال غاية، أجازوا لها كل وسيلة واعتبروا التجارة شطارة، وأجازوا الرشوة والقمار والسرقة وأكل الأموال بالباطل.

وللأسف، فقد حققوا بخرافاتهم الاقتصادية المعاصرة إلى حد ما ما يريدون من استغلال وتحكّم وسيطرة.

وفيما يلي نعرض أبرز مظاهر الخرافات في المجال الاقتصادي في بلاد المسلمين:

أولاً: خرافة "انقطاع الصلة بين الإسلام والاقتصاد": حيث يوهم مروجو الخرافات الاقتصادية المثقفين المسلمين بعدم وجود صلة بين الإسلام والاقتصاد.

إذ يتساءلون باستنكار وخبث: ما للإسلام والاقتصاد؟ الإسلام ينظِّم صلة المسلم بربه عن طريق العبادة والذكر، والاقتصاد يبحث في عمل وجهد وكسب المسلم في الحياة، فأية صلة بينهما؟!

وتقرِّر خرافاتهم أنه لا اقتصاد في الإسلام، وأن الإسلام قاصر عن سّن تشريعات اقتصادية، ويعتبرون تدخُّل الإسلام في الاقتصاد تعطيلاً له وإفساداً وتخريباً.

يقول مروجو الخرافات الاقتصادية لدعاة الإسلام ونظامه الاقتصادي: نحن ندع لكم المساجد لتمارسوا إسلامكم فيها وعليكم أن تدعوا لنا أموالنا وأسواقنا ومشاريعنا الاقتصادية لنفعل فيها ما نشاء.

وموقف مُروِّجي هذه الخرافات الاقتصادية، كموقف أهل مدين الذين استغربوا تدُّخل نبيهم شعيب عليه السلام في انحرافاتهم المالية وتجاوزاتهم التجارية الاقتصادية، وكأنهم يقولون له: ما لدينك واقتصادنا؟، وما دخل صلاتك وعبادتك في أموالنا وتجارتنا.

يقول تعالى في ذلك: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْباً قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُواْ اللّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَـهٍ غَيْرُهُ وَلاَ تَنقُصُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ إِنِّيَ أَرَاكُم بِخَيْرٍ وَإِنِّيَ أَخَافُ عَلَيْكُمْ عَذَابَ يَوْمٍ مُّحِيطٍ {84} وَيَا قَوْمِ أَوْفُواْ الْمِكْيَالَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ وَلاَ تَبْخَسُواْ النَّاسَ أَشْيَاءهُمْ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ {85} بَقِيَّةُ اللّهِ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ وَمَا أَنَاْ عَلَيْكُم بِحَفِيظٍ {86} قَالُواْ يَا شُعَيْبُ أَصَلاَتُكَ تَأْمُرُكَ أَن نَّتْرُكَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا أَوْ أَن نَّفْعَلَ فِي أَمْوَالِنَا مَا نَشَاء إِنَّكَ لَأَنتَ الْحَلِيمُ الرَّشِيدُ {87}) (هود).

إن الخرافات الاقتصادية حول خلو الإسلام من التقريرات الاقتصادية، داحضة باطلة، ينقضها أيّ ناظر في آيات القرآن التي تقدِّم حقائق اقتصادية ثابتة، ومنها:

المال مال الله وليس مال الإنسان، والله هو الذي يرزق الإنسان هذا المال.

الإنسان مستخلف في مال الله، وليس مالكاً له، والمُسْتخلف مطالب أن يتصرف في المال كما حدّد له الله مال المالك.

الطرق المباحة للتصرف في المال حدّدها الله للمسلم وحذره من الطرق المحرمة في ذلك.

توزيع المال يريده الإسلام على أكبر قدر ممكن، ولا يريد تجميعه في يد فئة قليلة.

لذا، فقد استخلص المفكرون والباحثون من الإسلام نظاماً اقتصادياً متكاملاً، وبيّنوا أسسه وجوانبه، وعقدوا مقارنات موضوعية بينه وبين النظم الاقتصادية الأخرى.

وقد تبيّن لكل باحث ومفكر أسبقية الاقتصاد الإسلامي ورياديته وشموله وربانيته وأخلاقياته وأنه نسيج وحده.

ثانياً: خرافة "الحرية الاقتصادية: دعه يعمل دعه يمّر": حيث يقوم الاقتصاد الرأسمالي الغربي على خرافة اقتصادية رفعها مروجو الخرافات المعاصرة شعاراً بارزاً لذلك الاقتصاد، وهو "دعه يعمل، دعه يمّر".

أي لا تتدخل بالمال، بل دع هذا المال يعمل ويتحرك ودعه يمّر أينما شاء ويذهب كيف يشاء. لا تقيده. طالما يحقق لك الربح والفائدة.

ولذلك، وصف النظام الاقتصادي الغربي الرأسمالي بأنه اقتصاد حر، لأنه يقوم على الحرية الاقتصادية المنفلتة ويعمل بدون كوابح أو قيود أو ضوابط.

المال والاقتصاد عند مصدقي هذه الخرافة هو الأساس وهو غاية بحد ذاته، وهو عصب الحياة وهو الذي يتكلم ويقرِّر، وهو أساس تكريم الرجال، ولسان حالهم يقول: إن أكرمكم عندنا أغناكم وأقواكم عندنا أغناكم، هكذا يوزن الرجل بمقدار ما يملك من المال.

"دعه يعمل، دعه يمّر" خرافة اقتصادية وتضليل. فرغم اعترافنا بأهمية المال وضرورته للفرد والأمة، إلا أن إسلامنا يقرِّر بمنهاجه الاقتصادي المنضبط أن المال وسيلة لعبادة الله، وسيلة لإنشاء الحياة الكريمة.

الإسلام في مناهجه الاقتصادي، يقيِّد حركة المال بالقيود الضرورية ويضع له الضمانات اللازمة حتى يبقى عملاً نافعاً وليس طوفاناً مدمِّراً.

الإسلام لا يُقر إلا وسائل الكسب الحلال، والتجارة الأخلاقية المباحة، والتملك المشروع، وهو في المقابل يحرِّم وسائل الكسب غير المشروع والتملك الحرام.

الإسلام يرسم الطريق الصحيح لاستثمار المال وتشغيله ويمنع المسلم من تشغيل المال في طرق محرمة حتى لو درّت عليه فائدةً وربحاً وكسباً.

الإسلام لا يدعُ المال يعمل ولا يدعه يمّر، هكذا بلا ضوابط، لذلك يحارب هذا الخرافة الاقتصادية التي يتباهى بها الغربيون ومن حذا حذوهم ويعتبر الحرية الاقتصادية المنفلتة من كل قيد أو شرط أو ضابط جرثومة فتكٍ باقتصاد الفرد والأمة.

ثالثاً: خرافة "الرِّبا ضرورة اقتصادية": حيث أطلق مروجو الخرافات الاقتصادية هذه الخرافة "الرِّبا ضرورة اقتصادية" وهي خرافة من أسوأ الخرافات الاقتصادية.

تقول هذه الخرافة الاقتصادية: إن الرِّبا ضرورة لأي نظام اقتصادي معاصر، وتصَّرف مالي بين الدول والبنوك والشعوب والأفراد، وإن المال والرِّبا أمران متلازمان لا ينفصلان وإنه يستحيل إنشاء نظام اقتصادي على غير الرِّبا، أو نجاح تبادل تجاري غير ربوي، أو تعامل مالي غير ربوي.

على أساس هذه الخرافة أقيمت أنظمة اقتصادية، وأنشئت بنوك، وأعطيت قروض وقررت خطط ووضعت مناهج دراسية في الكليات والجامعات، ودُرِّست فيها النظريات الاقتصادية، وأُلّفت لها كتب، ورُفعت لها شعارات ونُشرت لها دعايات، وقام أساتذة اقتصاديون بتدريسها للطلبة، وتخرّج عليها جموع من الخريجين.

وتكونت قناعة اقتصادية بهذه الخرافة الاقتصادية، وأصبحت عقيدة جازمة عند قطاعات واسعة من المفكرين والمنظرِّين والمخططين والمحللين.

ووصلت عدوى هذه الخرافة إلى بلاد المسلمين ومراكز التعليم ومحاضن التربية، وراجت على جموع من الدارسين والباحثين والخريجين، ممن يزعمون أنهم مسلمون.

وأقامت حكومات المسلمين أنظمتها وخططها ومشاريعها الاقتصادية على أساس هذه الخرافة الاقتصادية فأنشأت البنوك والشركات والمؤسسات الربوية وقررت التصرفات المالية الربوية، وعقدت الاتفاقيات المالية الربوية مع الدول الأخرى وأخذت القروض المالية الربوية.

وإذا وقف داعية مصلح وأنكر هذه الخرافات الاقتصادية، وبيّن خطورة وآثار وحرمة الرِّبا، وطالب المسلمين بالتخلي عنه وإعادة بناء المال والاقتصاد على أساس الاقتصاد الإسلامي، فإن مروجي الخرافات ومصدقيها، يستغربون دعوته وينكرون عليه تفكيره ويتهمون في فهمه وعقله وفكره، إذ كيف يتجرأ ويخالف أمراً أجمع عليه العالم المعاصر ويعتبرونه مدمراً للاقتصاد الوطني مخرباً للنشاط التجاري، لذلك فهو عدو للأمة واقتصادها ومالها وتقدمها وازدهارها.

أما إذا بشّر هذا المسلم الداعية بنظام اقتصادي إسلامي ناجح خالٍ من الرِّبا، وبيّن أسسه وقواعده فإن مصدّقي الخرافات الاقتصادية يجعلونه مادة للسخرية والاستهزاء، فهو - في نظرهم - غبي جاهل ضعيف العقل غير واقعي يقولون عنه هذا حتى لو كان من كبار المفكرين الاقتصاديين والمختصين في شؤون المال والتجارة.

علماً بأن الإسلام حرّم الرِّبا تحريماً جازماً صريحاً، وآيات القرآن واضحة في تحريمه وبيان خطورته المدمرة على الاقتصاد الوطني والعالمي، كما في سورة البقرة (الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَـئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ {275} يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ {276} إِنَّ الَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ الصَّالِحَاتِ وَأَقَامُواْ الصَّلاَةَ وَآتَوُاْ الزَّكَاةَ لَهُمْ أَجْرُهُمْ عِندَ رَبِّهِمْ وَلاَ خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ {277} يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ {278} فَإِن لَّمْ تَفْعَلُواْ فَأْذَنُواْ بِحَرْبٍ مِّنَ اللّهِ وَرَسُولِهِ وَإِن تُبْتُمْ فَلَكُمْ رُؤُوسُ أَمْوَالِكُمْ لاَ تَظْلِمُونَ وَلاَ تُظْلَمُونَ {279} وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ {280} وَاتَّقُواْ يَوْماً تُرْجَعُونَ فِيهِ إِلَى اللّهِ ثُمَّ تُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَّا كَسَبَتْ وَهُمْ لاَ يُظْلَمُونَ {281}‏) (البقرة).

وقد ورد في تفسير هذه الآيات حقائق ثمانية، تبيِّن كذب الخرافة الاقتصادية في اعتبار الرِّبا ضرورة اقتصادية عالمية:

لا إسلام مع قيام نظام ربوي في بلاد المسلمين.

النظام الربوي بلاء على الإنسانية في إيمانها واقتصادها.

النظام الاقتصادي في الإسلام لا ينفصل عن النظام الأخلاقي.

التعامل الربوي يفسد ضمير الفرد المرابي وخلقه.

حين حرّم الإسلام التعامل الربوي أقام نظم حياة المسلمين على أساس الاستغناء عنه.

يستحيل أن يحرّم الله الرِّبا ويكون فيه خير أو منفعة للبشرية.

الإسلام لا يلغي المؤسسات المصرفية، ولكنه يطهرها من لوثة الرِّبا.

الزعم باستحالة قيام الاقتصاد العالمي على أساس غير الأساس الربوي، ما هو إلا خرافة وأكذوبة ضخمة.

ومما يُثبت كذب هذه الخرافة، نجاح المسلمين وبجهودهم المتواضعة في تأسيس مصارف إسلامية وشركات ومؤسسات إسلامية، وبيوت استثمار لمشاريع تجارية إسلامية، على أساس النظام الاقتصادي الإسلامي، خالية من التعامل الربوي.

وقد اعترف اقتصاديون وخبراء ماليون، حتى من الغربيين، بنجاح النشاط التجاري الإسلامي غير الربوي، واعترفوا بإمكانية إقامة نظام اقتصادي غير ربوي وبذلك تلاشت تلك المزاعم والخرافات الاقتصادية !!. وما الأزمة المالية العالمية الأخيرة ببعيدة ؟؟.

فكيف لو صاغت دول المسلمين أنظمتها الاقتصادية على غير الرِّبا؟!

رابعاً: خرافة "التجارة شطارة": حيث دعا مروجو الخرافات الاقتصادية إلى الفصل التام بين النظام الأخلاقي والتعامل التجاري، وطالبوا بعدم إقحام العنصر الأخلاقي في العمل التجاري، ورأوا أن مكان مكارم الأخلاق ليس السوق والتجارة ولا الاقتصاد، وإنما المساجد وبيوت العبادة، واعتقدوا بوجود التناقص الشديد بين القيم الأخلاقية والمعاملات التجارية.

يروِّجون هذه الخرافات بين التجار والاقتصاديين ورجال الأعمال والمال. ويقولون لهم: اختاروا إحدى سبيلين:

إما طريق رجال الأعمال الناجحين والتجار الرابحين، وعندها لا تفكروا بالقيم والفضائل الأخلاقية.

وإما عن طريق الأخلاق والفضائل، وعندها عليكم أن تهجروا طريق التجارة والاقتصاد والمال.

ويرفع مروجو هذه الخرافات شعار "التجارة شطارة"؛ أي أن الأخلاق والتجارة نقيضان لا يجتمعان.

ومعنى كون التجارة شطارة عند هؤلاء: أنها تقوم على استغلال الظّرف واقتناص الفرص، واستخدام أية وسيلة تقود للربح، بغض النظر عن كون هذه الوسيلة مباحة أم محظورة، مقبولة أم مرفوضة، أليست هذه الوسيلة تحقق مالاً وربحاً؟! إنها مقبولة في العرف التجاري، لأن التجارة شطارة!

وراجت هذه الخرافات في السوق التجاري والتعامل المالي، وانتشرت بين كثير من التجار ورجال المال والأعمال.

إذا نهيت تاجراً عن التعامل بالرِّبا، قال لك: دعني أُتاجر وأربح وأكسب، لأن "التجارة شطارة".

إذا دعوت تاجراً إلى الصدق التجاري وترك الغش والتزوير والخداع والمكر والتحايل، قال لك: دعني أستخدم من الوسائل ما يحقق الربح، لأن "التجارة شطارة".

وإذا نهيت تاجراً عن المتاجرة بالرذائل والفواحش وبيع الأعراض وترويج الدعارة وترويج المخدرات وتنشيط السياحة الضارة وترغيب السائحين بهذه القاذورات، رفض ذلك، لأن "التجارة شطارة".

وإذا دعوت تاجراً إلى رحمة الضعفاء، والصدقة على المساكين ومساعدة المحتاجين، وإنظار المعسرين، وتأخير مطالبة المدينين العاجزين، رفض هذه الفضائل الأخلاقية، لأن "التجارة شطارة".

الحقيقة، فالإسلام يحارب هذه الخرافات التجارية والشعارات الاقتصادية، ويربط ربطاً وثيقاً بين النظام الأخلاقي والتعامل التجاري، ويدعو التاجر المسلم الناجح إلى اعتبار التجارة عبادة لله وليس شطارة، يراعى أحكام الإسلام فيها ويتقرب بها إلى الله سبحانه ويرجو منه الرِّزق والرِّبح والتوفيق.

والآيات القرآنية والأحاديث النبوية التي تدعو إلى ذلك كثيرة، نعرض بعضاً منها للتأكيد، والتدليل والبرهنة.

يقول تعالى: (وَإِن كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَن تَصَدَّقُواْ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ {280}) (البقرة).

ويقول عز وجل: (وَيْلٌ لِّلْمُطَفِّفِينَ {1} الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُواْ عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ {2} وَإِذَا كَالُوهُمْ أَو وَّزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ {3}) (المطففين).

ويقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "إياكم وكثرة الحلف في البيع، فإنه ينفق ثم يمحق" (رواه مسلم)، ويقول عليه الصلاة والسلام: "رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع وإذا اشترى وإذا اقتضى" (رواه البخاري).

وهكذا، يتضح مما سبق من آيات وأحاديث الرباط الوثيق بين الأخلاق والاقتصاد.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top