د. زيد الرماني

د. زيد الرماني

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

ملامح عصرنا الجديد!

إنه ليس ثمة مسوغ مقبول لانجراف المرء في التسابق على إرواء حاجات الجسد، ما دام يعتقد أن الآخرة هي دار العيش الحقيقي، وما دام يعتقد أن الله تعالى سائله عما استخلفه فيه من مال، وما دام يعتقد أن حماية البيئة والمحافظة على موارد الأرض من مسؤوليات المسلم.

ويبقى السؤال قائماً: هل نحن نعيش الآن عصر العيش الصعب؟!

كيف يستقيم أن نشكو من صعوبة العيش في زماننا، ونحن نرى أشكال الخيرات وأنواع المرفهات وأصناف النعم، كما نرى سهولة الاتصال والانتقال وانتشار المؤسسات التعليمية والتربوية وتعدد الخيارات أمام الإنسان في كل شأن من شؤون الحياة.

إن كل هذه الأشياء لا ينبغي أن تُرى من خلال منظور محدود ونظرية ضيقة أو من خلال رؤية بعض الناس وإنما من خلال معايير قيمية وضوابط توازنية، وإذا استخدمنا معايير بهذه السمات، فإننا سنجد أن قسماً كبيراً من سكان الأرض لا يتمتعون بكثير من خيراته، العصر الحديث، ولكن تحترق قلوبهم بسبب الصور التي يرون فيها تنعم المترفين وتطلعات المتخمين، كما يرون بؤسهم الشديد من خلال مشاهدة الهوة التي تفصل بينهم وبين سكان العالم الصناعي.

في العالم، كما يفيد تقرير منظمة "الفاو" أكثر من مليار نسمة لا يحصلون على كفايتهم من الغذاء، وفي تقرير آخر فإن 63% من سكان آسيا و61% من سكان أفريقيا و36% من سكان أمريكا اللاتينية و33% من سكان الشرق الأوسط يواجهون حالة الجوع.

يقول د. عبدالكريم بكار في كتابه البديع «عصرنا ملامحه وأوضاعه»: إن المقارنات تأتي دائماً بمفارقات، ففي الماضي كانت هناك فوراق بين الناس في مستوى العيش، لكنها كانت فوارق محدودة، أما اليوم فمأساة الفقراء والجياع والمحرومين أنهم في مواجهة الحياة المتفاقمة، أشبه بمن استعد بقوس وسهم لمواجهة خصم مسلح بالدبابات والصواريخ!

إن الناس الذين يقارنون أنفسهم بمن هم أعلى منهم، هم على خطأ، إذ من الواجب في أمور الدين أن ينظر المرء إلى مَنْ هو دونه، حتى يستشعر نعمة الله تعالى عليه، وللأسف؛ فإن شح الموارد قد حمل كثيراً من الناس على الاختلاس وقبول الرشوة واقتراف الكذب والاحتيال وإراقة ماء الوجه وتحمل الجور والهوان، بل صار كثير من المسلمين يعيش حياة هي أقرب إلى حياة النبات، هو يأكل ويشرب ما يتيسر له ويتنفس ويتكاثر ثم يموت!

في أكثر بلدان العالم الإسلامي يحتاج الموظف متوسط الدخل إلى أن يدخر كل مرتباته التي يتقاضاها خلال عشرين سنة، حتى يتمكن من امتلاك بيت يؤويه مع أسرته! فكيف إذا علمنا أن مرتبه لا يكفيه للإنفاق على حياة شبه كريمة سوى نصف شهر، ويدبر نفقات باقيه عن طريق الاقتراض والاستدانة!

وتظل مشكلة المشكلات بالنسبة لكثير من الشباب هي البطالة الضاربة أطنابها في معظم الدول الإسلامية، والآخذة في التفاقم، حيث الركود العام وصعوبة الحصول على عمل ذي أجر مناسب، حتى قال أحد الباحثين: إن هناك أجيالاً قد تولد وتعيش وتموت، دون أن تجد عملاً ملائماً!

وإذا تأملنا مرة أخرى في المسافات الفاصلة بين الشعوب الإسلامية والصناعية، وجدنا أن تلك المسافات تزيد والهوة تتسع، فعلى حين ترتفع أسعار منتجاتهم بصورة مطردة، فإن أسعار صادراتنا تتدهور أو تتجمد وهذا يعني أنه يحب أن نصدِّر أكثر حتى نستطيع الحصول على عين القَدْر من الواردات.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

هيروشيما من منظور اقتصادي!

في البدء أقول: ينبغي ألاّ يُنظر إلى العالم الثالث باعتباره مصبًّا لفائض إنتاج العالم الغني الذي ينتج بهدف الهدر والتسلُّح، بل ينبغي تحويل صناعات العالم الغربي، وتغيير نمط عيشنا؛ لتلبية حاجات العالم الثالث الأساسية.

هيروشيما! هل يحق لنا تشبيه العالم الثالث بها؟! بالطبع، فكما عانت هيروشيما من لا مبالاة الغرب، وكانت حقلاً لتجاربه، يدفع العالم الثالث اليوم ثمن نمو هذا الغرب وتطوره.

يقول روجيه جارودي في كتابه "نداء جديد إلى الأحياء": لقد أدّت خمسة قرون من الاستعمار إلى نهب ثروات ثلاث قارات، وإلى تدمير اقتصادها، وكذلك إلى المبادلات غير المتكافئة وإلى الديون.

وفي هذا العصر، ناب صندوق النقد الدولي والبنك الدولي للإنشاء والتعمير، ومنظمات أخرى عن هذا الاستعمار، واستمرت هذه المؤسسات والمنظمات في فرض قوانين السوق الغربية على العالم الثالث، إن هذا اختلال يقوم على الرعب والتحدي والقهر.

ونتيجة لذلك، فقد أصبحت سفينة الأرض التي نركبها جميعًا، وبعد أكثر من خمسة قرون من السيادة الغربية، مهددة اليوم بالغرق، إذا ما بقي الوضع على هذه الحال، واستمر الاتجاه إلى ذلك الغرب.

كتب مالرو - ذات مرة - قائلاً: إن حضارتنا هي الحضارة الوحيدة في التاريخ التي تجيب عن سؤال: ما معنى حياتنا؟! بلا أعرف.

يقول جارودي في كتابه السابق: يضني قلق عظيم في نهاية قرننا هذا ملايين الرجال والنساء، وليس هذا القلق سوى وليد البطالة والشقاء، وانعدام الأمن والعنف، ويعززه شعورنا بأن حياة كل منَّا الخاصة، وتاريخنا المشترك قد فقدا معنييهما، فيكتب الشبان على قمصانهم ليس من مستقبل!

ثم، أليس العالم مهددًا بدخول زمن الانحطاط؛ بسبب سيادة العولمة وتوحيد السوق؟!

إن الانحطاط على مستوى الفرد هو انطواء الفرد الأناني على ذاته، ورفض مسؤوليته تجاه الآخرين، وهو على مستوى الجماعة رغبة السيطرة، فعبادة السوق، وملكية المال المطلقة يؤديان بمجتمعاتنا إلى الانحطاط فالموت.

وقد أصبح الإعلام سوقًا ضخمة أوسع من سوق الصناعة والمال فيما يُسمِّيه الآن كوتًا بالرأسمالية الوساطية، وقد سمح تخصيص مجموعة المحطات الإذاعية أو التلفزيونية بجعل الحدث سلعة، وتكييفه وفقًا لذوق الزبون، وقد أصبح الإعلام داعمًا للدعاية التي تتحكم بتمويل البرامج واختيار المقدمين.

فالتلفزيون يتغلب على المدرسة؛ لأنه يعفي الأفراد من جهد التعلُّم، وتمهد متعة مرور الصور الانتقال من الطفولة المتلفزة إلى الشيخوخة السياحية، وكما كتب مارك فومارولي التلفزيون سياحة ثابتة، والسياحة تليفزيون متحرك، وللأسف فلم يقض التلفزيون على المدرسة فحسب، بل قضى أيضًا على السياسة، فمن جهة الطلب ليس شيء أسهل من حكم شعب أُميّ، ومن جهة العرض ليس من وظيفة في السلطة؛ الأعمال أو الفنون من دون مسحة التلفزيون، إنه المجتمع الذي يحكمه السوق، فمظهر المرشح أهم من مشاريعه أو أقواله.

ومِن ثَمَّ، يمكن القول: إن الثقافات الأوروبية تتجه نحو الطابع الأمريكي في الميادين كلها، ولأسباب السيادة الاقتصادية؛ حيث لا تستطيع أسواق أوروبا التلفازية المنافسة، ويبقى المثال الأوضح مثال التلفزيون، الذي يطلق المشاهير والنوابغ بصناعة أمريكية.

إن مشكلاتنا الأساسية: الفقر والمجاعة والتلوث البيئي، والبطالة والهجرة والعنف، والمخدرات والانحراف والحرب، ناتجة عن مشكلة رئيسية، هي: تمزيق العالم ما بعد الاستعمار، ويكمن مفتاح علاج مشاكلنا الاقتصادية في تغيير علاقة العالم الغني مع العالم الثالث تغييرًا جذريًّا، وبتغيير نموذج النمو الغربي تغييرًا جذريًّا، وهكذا تتاح لدول العالم الثالث إمكانية إحداث أنماط تطور داخلي، لا تخضع للنماذج المفروضة من صندوق النقد الدولي المسببة للديون والتبعية والبؤس.

حفارو قبور! إنهم كذلك يسيطرون على العالم من دون أن يردعهم رادع، فيعيدوننا إلى زمن الاستعمار متحكّمين بالدول الفقيرة الآخذة بالتقهقر. إن النظام العالمي الذي خلّفه الاستعمار المتحكم بفضله خمس سكان الأرض بأربعة أخماس من مواردها، يؤدي كل سنة إلى وفاة 60 مليون كائن بشري من المجاعة أو سوء التغذية، وللأسف، فإن هذا النظام العالمي يكلف الجنوب؛ دولاً وشعوبًا بما يشبه مأساة هيروشيما كل يوم.

 

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

الفساد من منظور اقتصادي!

عندما يصبح الفساد شاملاً، تكون التدابير العادية ضد الفساد غير كافية، إنها لن تكون عتيقة أو عفا عليها الزمان بالتأكيد، فستكون هناك دائماً حاجة لرفع الوعي بتكلفة الفساد ولجعل مؤسسات الدولة والسوق أقل قابلية للفساد، ولكننا نحتاج أيضاً إلى التفكير في أساليب جديدة للعمل بواسطة أنواع جديدة من العاملين لتيسير الجهود المشتركة للقضاء على الفساد.

وكثيراً ما بدا لنا أن خطر الفساد لا يقهر، ولكن مؤخراً، وبعد التحسن الذي طرأ على التنظيم والإدارة، وأصبح صنع القرار أكثر شفافية من خلال جهود الحكومات والمنظمات الخاصة والأفراد، حدث تقدم ملحوظ في كبح الفساد.

إذن: ما المشكلة بشأن الفساد؟ هذا السؤال وجهه عالم السياسة كولين لييز منذ ما يقرب من أربعين عاماً.

إن جهود البلدان تبدأ في العادة لمناهضة الفساد برفع الوعي ثم إجراء تغييرات لجعل الحكومات أقل قابلية للفساد ثم بالتصدي لمشكلة الأنظمة الفاسدة، وعند الوصول إلى هذه المرحلة الثالثة، ما التدابير التي تستطيع الحكومات والمواطنون المعنيون وغيرهم اتخاذها لاقتلاع الفساد من جذوره؟!

الحقيقة، إننا الآن نحتاج لأن نتعلم ونفعل المزيد في المرحلة الثالثة من العمل المناهض للفساد، فما الذي يمكن عمله إذا فشل رفع الوعي وتدابير الوقاية وإذا أصبح الفساد هو الأصل.

ما يمكن أن يطلق عليه المرحلة الأولى لرد الفعل لكل من الفساد        أو المرض هو رفع الوعي، وفي عدد من الكتب التي صدرت أخيراً، مثل صانعوا البؤس لبلينيو أبوليو وآخرين، يعزى الفساد للمواقف السيئة تجاه السلطة، ودعوته السياسية هي نوع خبيث من خصخصة الدولة أي الاستخدام الخاص غير الرسمي وغير المشروع للحكومة بواسطة الطبقة السياسية.

وتؤكد المرحلة الثانية لرد الفعل للمرض أو الفساد على الوقاية، الإبقاء على الأجسام السليمة بعيدة عن العدوى، والتدابير المضادة للفساد التي وصفناها أعلاه، التي تتراوح ما بين اختيار موظفين أفضل ورفع التكلفة الاقتصادية والاجتماعية للفساد مشتقة من هذا الأسلوب.

ولكن ماذا نفعل لو كان الفساد قد ترسخ بالفعل؟! عندما تفشل الوقاية، فإننا نحتاج لمرحلة ثالثة من محاربة الفساد، مرحلة تتعقب المرض.

إن معظم مؤسسات التنمية اليوم تسعى إلى تحسين وسائل التنظيم والإدارة سعياً إلى ضمان نجاح المشروعات التي تساعد في تمويلها، وهي تركز على كبح جماح الفساد بين موظفي الحكومة، وإساءة استخدام الوظيفة العامة لتحقيق مكاسب خاصة.

ولكن التحديات التي تواجه منع الفساد والحد منه أصبحت رغم كل شيء أكثر تعقيداً، وتؤكد خبرات هيئة الشفافية الدولية وخبرات المجموعات الوطنية المنتمية إليها أن العدد المتزايد من مبادرات مكافحة الفساد التي يجري القيام بها يصطدم بجدار ضخم من ممارسات الفساد، ويظهر من مؤشر مفهوم الفساد لدى هيئة الشفافية الدولية ومؤشر دافعي الرشوة، اتساع نطاق الرشوة في كثير من البلدان النامية والبلدان التي تمر بمرحلة انتقال.

ويرجع ذلك في الأساس إلى ضعف رواتب القطاع العام وحصانة كبار الموظفين ورجال السياسة في الواقع من الملاحقة في الغالب وما يتسمون به من جشع، هذا فضلاً عن نزوع الشركات غير الوطنية بدرجة كبيرة إلى دفع الرشى، ولكي تكون مبادرات مكافحة الرشوة فعالة، ينبغي أن نعترف بهذه الحقائق ونواجهها.

ختاماً يقول أيان ماكدونالد: الفساد مثل وحش هيدرا الأسطوري، عدو متعدد الرؤوس يتشكل إلى كل جزء من النسيج الاجتماعي، ويضعف الجسد السياسي ويعرض آفاق النمو الاقتصادي للخطر.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

التقنية يمكن أن تلد البطالة!

إن الاقتصاد يحتاج أكثر من أي وقت مضى إلى كفاءات متنوعة، وطبيعة المواهب المكتسبة لا تتوقف عن التبدل وذلك بوتيرة متسارعة، إن اليد العاملة شديدة التنوع، والاقتصاد الحالي مختلف جداً وخصب جداً ومتنافر جداً، وإن جيوب الركود مجاورة للفروع الصناعية المزدهرة، والنتيجة هي أنه من غير الممكن منذ الآن فصاعداً إيقاف البطالة بفضل ترسانة التدابير البسيطة والعمومية، إن البطالة نفسها أكثر تنوعاً في أصولها.

لذا، يمكن إحصاء سبعة تيارات متميزة على الأقل وهي ترفد البطالة الشاملة.

قبل كل شيء هنالك البطالة البنيوية التي تدين لاستبدال صناعات الموجة الثانية بصناعات الموجه الثالثة، وهذه ظاهرة عالمية، إن الصناعات التقليدية العتيقة التي تتصدع أو تهاجر تترك ثقوباً فاغرة في اقتصاديات البلدان المصنعة، ويجد ملايين من الناس أنفسهم محرومين من العمل.

وتثير هذه البلبلة إلى جانب أمور أخرى، اشتداد المنافسة على مستوى المبادلات العالمية، ولجوءاً إلى إغراق الأسواق بالبضائع، واختلالات، واندفاعات محمومة مفاجئة، وارتباكات مباغتة تهز السوق العالمية، هذا الوضع يخلق تياراً ثانياً من فقدان الوظائف: أي البطالة المرتبطة بالتجارة.

ثم إن هناك توتراً عاماً آخر يهدد الوظيفة ويبرز بمقدار ما ترتقي التقنية ومع التساوي على صعيد الإنتاج تتناقص الحاجة إلى الأشخاص بالتدريج وهذه هي البطالة التقنية الشهيرة والتي يدور حولها جدل كثير.

وهناك بطالة أسبابها محلية محضة أو إقليمية، فائض منتظم في الإنتاج، تغير في أذواق المستهلكين، اندماجات، مشكلات بيئية إلخ، ونطلق عليها اسم البطالة "العادية".

كما أننا نذكر معدلاً لبطالة تخمينية أن مستوى البطالة الذي لا يمكن تجنبه هو بشكل جوهري مؤقت وتنشئة الحواس – عمل بانتظار وظيفة جديدة – أعلى من المعدل العادي، وإنه لمن الواضح كلما سارت الأمور بسرعة تسارع التغيير وتضخم هذا الرقم.

شكل آخر من البطالة هو البطالة التي تعود بمجملها تقريباً إلى انقطاع المعلومات، فالوظائف القابلة للتبادل فيما بينها تزداد ندرة بمقدار ما يصبح تقسيم العمل أكثر دقة، والمشكلة التي تتمثل في إقامة توافق بين الكفاءة وبين المهمة المتوجب إنجازها سهلة الحل نسبياً عندما كانت توكل إلى العمال أعمال روتينية وقابلة للتبادل فيما بينها وهي تصبح الآن شاقة إلى درجة كبيرة، ولكي نواجهها لابد من نظام للمعلومات أكثر حداثة بكثير من هذا الموجود حالياً، وإلى أن يصبح هذا النظام حقيقة قائمة سيكون علينا أن نتوقع للبطالة الإعلامية مستوى يزداد ارتفاعاً.

وسوف نذكر أخيراً ما يطلق عليه اسم البطالة الخرقاء وهي البطالة التي تغذيها دون تعمد سياسة حكومية خرقاء، ترمي في الغالب إلى زيادة عدد الوظائف، وأظن أن جزءاً مهماً من البطالة غير البنيوية يرتد إلى هذه المقولة الأخيرة أنها مرض يحدثه الطبيب ولا شفاء منه على الأرجح، ولسوء الحظ أنه لا يمكن ملاحقة السياسيين والاقتصاديين أمام العدالة بسبب خطأ مهني لا علاج له.

ومن الممكن أيضاً تعداد كثير من التيارات المغذية للبطالة وهي تتقاطع فيما بينها وتتراكب بعضها فوق بعض، ولقد كان الهدف من وضع هذه القائمة أن نبرهن بوضوح على أننا لا نجابه مشكلة واحدة وحسب بل نجابه عديداً من المشكلات المتشابكة ذات التعقيد الهائل.

وعليه يجب ألا يغرب عن بالنا، مثلاً، أنه عندما يقال: إن التقنية يمكن أن تلد البطالة فإنه لا يؤخذ بالاعتبار غير واحدة من نتائجها إذ يمكن أن تخلق كذلك وظائف في أماكن أخرى ولكن دائماً داخل النظام وهذا هو ما يجري بصورة عامة.

والحقيقة أن البطالة ذاتها تخلق الوظيفة فهي تقود إلى تجنيد عمال اجتماعيين وأطباء وجهاز شرطة، وفي بعض الصناعات تغير سلم الأجور ويمكنها أيضاً أن تفتح إمكانات جديدة لتشغيل العمال بأصغر كلفة ممكنة في المشاريع المعنية.

إن جميع المبادرات التي اتخذت كانت لها نتائج متعددة وهذه بدورها كانت لها نتائج من الدرجة الثانية والدرجة الثالثة والدرجة الألف، وكلما تجرد النظام من طابعه المكثف وتخلص من التعقيد فقدت الصيغ الموجودة القوة التي كانت لها في الماضي.

وفي كل حال، إن الفكرة القائلة بأن البطالة هي مشكلة إجمالية وبأنها من طبيعة كمية لا كيفية، هي فكرة تصنيعية نمطية تم تجاورها وهي مبنية على أساس أننا ما نزال نواجه اقتصاداً مكثفاً تقليدياً.

وعلى غرار ما يجرى في الاقتصاد ذاته، فإن أسباب البطالة وبالتالي العلاجات المقترحة لإيقافها هي مختلفة دائماً، فكل شكل من أشكال البطالة يتطلب تدابير مقابلة له ونحن ما نزال نحاول أن نداوي المرض بمساعدة مضادات الحيوية ذات الطيف الواسع بدلاً من اللجوء إلى علاجات "ذكية" ونوعية بالمعنى الضيق.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top