د.أشرف دوابة

د.أشرف دوابة

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

متفرقات.. حول المرأة

ـ بعض الغربيين احترموا مكانة المرأة المسلمة وفي مقدمتهم الأمير «تشارلز» ولي عهد بريطانيا

ـ المرأة تزاول دورها المجتمعي ارتباطاً بحاجتها الشخصية للإنفاق على نفسها إذا لم يوجد من يتولى أمرها

ـ أسماء بنت أبي بكر كانت نعمت المرأة المقتصدة في بيتها المعينة لزوجها بجهدها ومالها

 


لعل قصة الفتاة التركية كريمان خالص تعكس مدى الحقد التاريخي الذي يكنه الغرب للمرأة المسلمة، ففي 31 يوليو 1932م، عقدت مسابقة اختيار ملكة جمال أوروبا في العاصمة البلجيكية بروكسل، وكان من ضمن المتسابقات فتاة تركية اسمها كريمان خالص ممثلة لتركيا، وذلك لأول مرة في تاريخ تركيا، بل وفي تاريخ بلاد المسلمين، بعد إلغاء الخلافة العثمانية على يد «أتاتورك».
وتقدمت الفتاة التركية مستعرضة مفاتنها بلباس البحر على خشبة المسرح، وحرصت لجنة التحكيم على منحها لقب ملكة جمال العالم، ولم يقتصر الأمر على ذلك، بل توجه رئيس لجنة التحكيم بالحديث لأعضاء اللجنة قائلاً: «أيها السادة، أعضاء اللجنة، إن أوروبا كلها تحتفل اليوم بانتصار النصرانية، لقد انتهى الإسلام الذي ظل يسيطر على العالم منذ 1400 عام، إن كريمان خالص ملكة جمال تركيا تمثل أمامنا المرأة المسلمة، ها هي كريمان خالص حفيدة المرأة المسلمة المحافظة تخرج الآن أمامنا بالمايوه، ولا بد لنا من الاعتراف أن هذه الفتاة هي تاج انتصارنا».
واستطرد قائلاً: ذات يوم من أيام التاريخ انزعج السلطان العثماني «سليمان القانوني» من فن الرقص الذي ظهر في فرنسا، عندما جاورت الدولة العثمانية حدود فرنسا، فتدخل لإيقافه خشية أن يسري في بلاده، ها هي حفيدة السلطان المسلم، تقف بيننا، ولا ترتدي غير المايوه، وتطلب منا أن نُعجب بها، ونحن نعلن لها بالتالي: إننا أُعجبنا بها مع كل تمنياتنا بأن يكون مستقبلاً لفتيات المسلمات يسير حسب ما نريد، فلتُرفع الأقداح تكريماً لانتصار أوروبا».

غربيون يحترمون المسلمة
وإذا كان هذا العداء التاريخي بارزاً في هذا السلوك الهمجي الغربي الحاقد لكل عفة، ومكانة للمرأة المسلمة فإن هناك من الغربيين أنفسهم من احترموا مكانة المرأة المسلمة وفي مقدمتهم الأمير «تشارلز»، ولي عهد بريطانيا، الذي أشاد بالمرأة المسلمة، قائلاً: لقد نالت المرأة المسلمة حريتها قبل أن تنالها جدتي ملكة بريطانيا.
ومن العجيب أن نرى بالغرب في واقعنا المعاصر من هو أقل وطأة على المرأة المسلمة من بعض المسلمين أنفسهم ممن تسموا بأسمائنا وتكلموا بلغتنا، والذين قاسوا حرية المرأة بمدى عريّها، وتجرؤوا على أحكام الله في الميراث وغيرها! ويقابلهم في ذلك من الوجه الآخر الذين صوروا المرأة على أنها حبيسة البيوت ولا تصلح لممارسة دورها في مجتمعها بأي حال من الأحوال!
لقد جعل الإسلام خروج المرأة للعمل ليس بقصد تقليد زائف أو صراع لا حقيقة له بينها وبين الرجل، فالمرأة تزاول دورها المجتمعي ارتباطاً بحاجتها الشخصية للكسب للإنفاق على نفسها إذا لم يوجد من يتولى أمرها وينفق عليها، أو لكسب مال تبذله في وجوه الخير، أو ارتباطاً بحاجتها الأسرية من خلال مساعدة زوجها لتحسين ظروف الأسرة الاقتصادية، أو الإنفاق على أولادها إذا كان لا عائل لها، أو ارتباطاً بالمجتمع لأداء بعض فروض الكفاية التي تفرضها حاجة المجتمع المسلم على مجموع النساء، وتكون بمثابة ضرورات اجتماعية أو اقتصادية، لحفظ كيان المجتمع المسلم، وتقدمه وتطوره، سواء كانت تلك الحاجات خدمية كالتعليم والتطبيب والتمريض النسائي وحضانة وتعليم الأطفال ورعاية اليتامى، أو زراعية أو صناعية أو تجارية وبما يتفق مع طبيعة المرأة وفطرتها.

نماذج مشرقة
وقد أشار القرآن الكريم إلى خروج المرأة لحاجة شخصية وأسرية في قصة ابنتي الرجل الصالح مع نبي الله موسى عليه السلام في قوله تعالى: (قَالَ مَا خَطْبُكُمَا قَالَتَا لَا نَسْقِي حَتَّى يُصْدِرَ الرِّعَاء وَأَبُونَا شَيْخٌ كَبِيرٌ ‭{‬23‭}‬) (القصص)، فقد بينتا لموسى عليه السلام أنهما ما خرجتا من بيتهما إلا لحاجتهما لذلك؛ فأبوهما شيخ كبير لا يقدر على القيام بسقيا الغنم وهما تقومان بهذا العمل بأنفسهما.
كما كانت أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها تصنع بيدها؛ حيث كانت تدبغ وتخيط الجلد وتتصدق، وكانت رابطة زوجة ابن مسعود صنعاء اليدين تنفق عليه وعلى ولده، ولما طلقت خالة جابر بن عبدالله لم يمانع النبي صلى الله عليه وسلم في عملها بقطع ثمار نخلها عسى أن تتصدق أو تفعل معروفاً، كما خرج العديد من نساء الصحابة في ميادين الجهاد لسقي العطشى وعلاج الجرحى، وبرعت رفيدة رضي الله عنها في الطب ودفعها للعمل حاجة المجتمع لها، كما برعت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها في العلم، وغيرهن الكثير.

سيدات الأعمال في الإسلام

  لا توجد قضية اختلط فيها الصواب بالخطأ، والتبس فيها الحق بالباطل، ووقع فيها غلو وتقصير، وإفراط وتفريط، مثل قضية عمل المرأة في مجتمعاتنا الإسلامية؛ حيث ذهبت طائفة إلى القول بحبس المرأة في البيوت وعدم الخروج ولو لأداء نشاط نافع يخدم المجتمع؛ لأن في هذا خروجاً عن فطرتها وطبيعتها التي جبلها الله عليها؛ مما يؤدي إلى انفلاتها من بيتها وتفكك الأسرة، وذهبت طائفة أخرى إلى القول بفتح الباب أمام المرأة للخروج من بيتها دون ضابط أو رابط تاركة لها الحبل على الغارب لتعمل ما تشاء دون قيد أو شرط، أسوة بالمرأة الغربية، وليت هؤلاء تدبروا الظروف التي جبلت المرأة الغربية على الخروج للعمل؟!

ما عرفت المرأة الغربية طريقها للعمل إلا بعد الحروب العالمية حينما خلفت وراءها الملايين من القتلى من الرجال الذين خلفوا –بدورهم- وراءهم الملايين من الأرامل بلا معيل، فاضطرت المرأة للخروج إلى ميدان العمل لتحصل على قوت عيالها، كما أن الثورة الصناعية دفعت النساء الغربيات للعمل دفعاً، ففي ظل استغلال أصحاب الأعمال للعمال من الرجال، ولجوء العمال إلى الإضراب عن العمل، لجأ أصحاب الأعمال إلى تشغيل النساء لسد احتياجاتهم من العمال، إضافة إلى أن المرأة الغربية التي لا تعمل لا تجد من ينفق عليها، فهي مسؤولة عن نفسها في النفقة والمعيشة منذ أن تبلغ السادسة عشرة من عمرها.

المرأة في الإسلام

والإسلام لا يرضى بهذا الرأي أو وذاك، ولا يقبل أن يخير المرء بين شرَّي حبس المرأة في البيت حتى تدخل القبر، أو إطلاقها للعمل دون قيد أو شرط، والسير في فلك المرأة الغربية شبراً بشبر وذراعاً بذراع، فالإسلام نظام غير هذا وذاك، فهو منهج وسطي يرتفع بقيمة المرأة وكرامتها باعتبارها أنثى، وبنتاً، وزوجة، وأماً وعضواً في المجتمع، وقبل ذلك كله باعتبارها إنساناً كرّمه الله تعالى على سائر خلقه، وإذا كانت المرأة بمنطق الإحصاء والتعداد نصف المجتمع فإنها بحكم تأثيرها في زوجها وأولادها ومحيطها أكثر من النصف.

إن الإسلام دين واقعي، لا يحول دون قيام المرأة بالأنشطة الاقتصادية التي تتلاءم مع طبيعتها وفطرتها، فينظر إليها على أنها شريكة الرجل في تعمير الأرض، وبناء المجتمع الصالح، فلها أن تمتهن المهن، وتبيع وتتاجر وتعقد الصفقات، وأن تقوم بالغرس والزراعة والحصاد وغيرها من الأعمال بما يصون كرامتها ولا يسيء إليها.

مسلمات وسيدات أعمال

وقد عرف التاريخ الإسلامي منذ عهد النبوة نماذج لسيدات أعمال مسلمات جمعن بين الدنيا والآخرة، ونجحن في إدارة أعمالهن وإدارة بيوتهن، وكن جنباً إلى جنب مع الرجل في بناء الحضارة الإسلامية، يزاولن التجارة، ويصنعن السلع، ويزرعن الأرض، ويتعلمن ويعلّمن العلم، ويخرجن مجاهدات يداوين الجرحى ويسقين العطشى ويذدن عن الإسلام والمسلمين.

ففي مجال التجارة: تعد السيدة خديجة رضي الله عنها أول سيدة أعمال في تاريخ الإسلام، وقد ضارب رسول الله عليه الصلاة والسلام بمالها، وكانت مصدرة ومستوردة للبضائع على المستوى الدولي، فكانت قوافلها تمتد بين اليمن والشام مكاناً، وبين الصيف والشتاء زماناً، وتعتبر بحق أول من رفعت الحواجز أمام المسلمات لدخول مجال الأعمال الحرة.

وهذه قيلة أم بني أنمار –وهي امرأة من الأنصار- تأتي إلى رسول الله وهو جالس عند المروة، فتقول: يا رسول الله، إني امرأة أبيع وأشتري، فإذا أردت أن أبتاع الشيء سمت به أقل مما أريد ثم زدت حتى أبلغ الذي أريد، وإذا أردت أن أبيع الشيء سمت به أكثر من الذي أريد ثم وضعت حتى أبلغ الذي أريد، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لا تفعلي يا قيلة، إذا أردت أن تبتاعي شيئاً فاستامي به الذي تريدين أعطيت أو منعت، وإذا أردت أن تبيعي شيئاً فاستامي به الذي تريدين أعطيت أو منعت” (رواه ابن ماجه).

وذكر ابن هشام في السيرة النبوية أن امرأة تاجرة ذهبت إلى سوق بني قينقاع بِجَلَبٍ لها (أي بسلع جَلَبَتْهَا)، فباعته، ثم جلست إلى صائغ –وكان يهودياً- لتشتري منه شيئاً من الحلي، فراودها ومن معه على كشف وجهها فأبت، فعمد الصائغ إلى طرف ثوبها فعقده إلى ظهرها، فلما قامت انكشفت سوءتها فضحكوا بها فصاحت؛ فوثب رجل من المسلمين على الصائغ فقتله، وشدت اليهود على المسلم فقتلوه، فاستصرخ أهل المسلم المسلمين على اليهود، فغضب المسلمون، فوقع الشر بينهم وبين بني قينقاع، وكان هذا العمل السبب المباشر لإجلاء يهود بني قينقاع من المدينة، كما ذكر ابن سعد في “الطبقات الكبرى” أن عبدالله بن ربيعة كان يبعث بعطر من اليمن إلى أمه الرُّبَيّع بنت مُعَوّذ، فكانت تبيعه إلى أجل، وذلك في خلافة عمر بن الخطاب رضي الله عنهم.

وفي الصناعة

وفي مجال الصناعة: ذكر ابن حجر العسقلاني في «فتح الباري» أن أم المؤمنين زينب بنت جحش رضي الله عنها كانت نموذجاً للمرأة الصانعة بيديها؛ تدبغ وتخرز وتتصدق في سبيل الله من نتاج عملها، كما ذكر الطبراني في صحيحه أنها كانت تغزل الغزل وتعطيه سرايا النبي صلى الله عليه وسلم يخيطون به ويستعينون به في مغازيهم، وروى مسلم عن السيدة عائشة رضي الله عنها عن الرسول صلى الله عليه وسلم قوله: «أولُكُنّ لحاقاً بي أطولكن يداً»، قالت عائشة: فكُنّ يتطاولن، أيتهن أطول يداً، قالت: وكان أطولنا يداً زينب، أنها كانت تعمل بيدها وتتصدق.

وهذه امرأة أخرى صانعة تغزل الخيوط، وتنسجها، تأتي النبي صلى الله عليه وسلم ببردة فتقول: يا رسول الله، إني نسجت هذه بيدي أكسوكها، فأخذها النبي صلى الله عليه وسلم محتاجاً إليها وخرج إلى صحابته وإنها لإزاره (رواه البخاري).

وهذه امرأة عبدالله بن مسعود كانت أيضاً امرأة صانعة تصنع بيديها ولم يكن لزوجها مال، وكانت تنفق عليه وعلى ولده من ثمرة صنعتها، فقالت: يا رسول الله، إني امرأة ولي صنعة، فأبيع منها، وليس لي ولا لزوجي ولا لولدي شيء، وشغلوني، فلا أتصدق، فهل لي في النفقة عليهم من أجر؟ فقال: “لك في ذلك أجر ما أنفقت عليهم، فأنفقي عليهم” (رواه ابن حبان).

مسلمات زارعات

وفي مجال الزراعة: كانت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما تمد يد العون لزوجها في عمله فتقول: تزوجني الزبير وما له في الأرض من مال ولا مملوك ولا شيء غير ناضح (هو الجمل الذي يسقي عليه) وفرسه، فكنت أعلف فرسه وأستقي الماء وأخرز غربه (الدلو الكبير) وأعجن، ولم أكن أحسن الخبز، وكان يخبز جارات لي من الأنصار، وكن نسوة صدق، وكنت أنقل النوى من أرض الزبير -التي أقطعها رسول الله- على رأسي وهي مني على ثلثي فرسخ (يعادل 3696 متراً)، فجئت يوماً والنوى عليَّ، فلقيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه نفر من الأنصار، فدعاني ثم قال: «إخ إخ» (كلمة تقال لإناخة البعير)، ليحملني خلفه، فاستحييت أن أسير مع الرجال، وذكرت الزبير وغيرته، وكان أغير الناس، فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم أني قد استحييت فمضى، فجئت الزبير فقلت: لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى رأسي النوى ومعه نفر من أصحابه، فأناخ لأركب، فاستحييت منه وعرفت غيرتك، فقال: والله لحملك النوى أشد عليَّ من ركوبك معه، قالت: حتى أرسل إليَّ أبو بكر بعد ذلك بخادم يكفيني سياسة الفرس فكأنما أعتقني.

وكانت أم مبشر الأنصارية تعمل في الزراعة، ودخل عليها الرسول صلى الله عليه وسلم في نخل لها فقال لها: “من غرس هذا النخل أمسلم أم كافر؟ فقالت: بل مسلم، فقال: “لا يغرس مسلم غرساً ولا يزرع زرعاً فيأكل منه إنسان ولا دابة ولا شيء إلا كانت له صدقة”.

وهذه خالة جابر بن عبدالله، لما طُلقت أرادت أن تجذ نخلها (تقطع ثمارها)، فزجرها رجل أن تخرج، فأتت النبي صلى الله عليه وسلم فقال: “بلى فجذي نخلك، فإنك عسى أن تصدقي أو تفعلي معروفاً” (رواه البخاري).

إن الإسلام يفسح المجال للاستثمار الأمثل للعنصر البشري في المجتمع من خلال الاعتماد على الرجال والنساء، وقد كان المجتمع الإسلامي برجاله ونسائه عاملاً ومنتجاً دون ضجيج، ولا دخول في متاهات الجدال، وخلق القضايا الوهمية، وقد عاشت المرأة المسلمة معززة مكرمة تخوض دورها الاقتصادي والاجتماعي جنباً إلى جنب مع الرجل.

والمرأة في عصرنا الحاضر أولى بها أن تسير على درب سلائفها، فتكون سيدة أعمال تمارس دوراً اقتصادياً تتعدد أشكاله بدءاً من الدور الذي تمارسه كربّة منزل في صورة الخدمات التي تقدمها لأسرتها، مروراً بعملها في المنزل لإنتاج منتجات تقوم ببيعها، أو انخراطها كقوة عاملة في مؤسسات العمل الحرفي والمهني بما يلائم طبيعتها وفطرتها، أو ملكيتها أو إدارتها لمؤسسات العمل المختلفة، على أن يحكمها في ذلك مرجعية إسلامية تربطها بالجوانب الإيمانية والأخلاقية والتنموية، حتى يكون خروجها للعمل خروجاً شرعياً يكافئها الله عليه بالثواب في الآخرة مع ما تعطى في الدنيا (فَاسْتَجَابَ لَهُمْ رَبُّهُمْ أَنِّي لاَ أُضِيعُ عَمَلَ عَامِلٍ مِّنكُم مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى بَعْضُكُم مِّن بَعْضٍ) (آل عمران: 195).

تعد قضية التنمية الاقتصادية من القضايا التي هي محل اهتمام الدول المتقدمة والمتخلفة على السواء، وقد بدا الاهتمام بالتنمية واضحاً من خلال اعتبارها فرعاً مستقلاً من فروع علم الاقتصاد يعرف باسم «اقتصاديات التنمية»، فضلاً عن اهتمام المؤسسات الدولية بها سواء من حيث مدلولها أو وضع المؤشرات اللازمة لقياسها، كما اتسمت الدراسات والتطبيقات الخاصة بها بالديناميكية، فلم تعد مقصورة على التنمية الاقتصادية، بل امتدت إلى الاهتمام بالتنمية الشاملة، والتنمية المستدامة، والتنمية البشرية، وإيلاء أهمية لجودة حياة البشر.

التنمية الاقتصادية تعني تغيراً هيكلياً يؤدي إلى زيادة معدل نمو الدخل أو الناتج القومي الحقيقي، وتتفق التنمية الاقتصادية مع النمو الاقتصادي في أن كليهما يعني زيادة الدخل أو الناتج القومي الحقيقي، إلا أنها تتطلب شرطاً إضافياً؛ وهو التغير الهيكلي في النشاط الاقتصادي.

التغير الهيكلي يعني تغير هيكل النشاط الاقتصادي في بلد ما، والنشاط الاقتصادي يقاس بحجمه أو بهيكله، ويعبر عن حجم النشاط الاقتصادي بالدخل القومي أو الناتج القومي، وكذلك حجم القوة العاملة المستخدمة في الاقتصاد، أما هيكل النشاط الاقتصادي فهو يعكس توزيع النشاط الاقتصادي بين القطاعات الرئيسة من صناعة وزراعة وخدمات.

والتنمية بذلك تعني تغييراً نوعياً في بنية الاقتصاد يتأتى بتنوع وتعدد الأنشطة الاقتصادية والمكانة المتزايدة التي يأخذها تدريجياً قطاع الصناعة والصناعة التحويلية بالذات، ومن ثم فإن التغير الهيكلي هو شرط أساس لتحقيق التنمية الاقتصادية، وهو الذي يميزها عن النمو الاقتصادي، وهذا التغير الهيكلي يرتبط تحقيقه بعدد من السنوات؛ أي في الأجل المتوسط والطويل، كما استخدم مفهوم التنمية الاقتصادية في الفكر الاقتصادي لمجموعة البلدان النامية ليعني زيادة الدخل القومي الحقيقي للمجتمع على مدى الزمن بمعدلات لا تسمح فقط بزيادة متوسط نصيب الفرد من هذا الدخل، وإنما تعمل أيضاً على تضييق أو سد فجوة التخلف الاقتصادي بين المجتمع والمجتمعات الأكثر تقدماً، وهو ما يتضمن حدوث تغيرات جذرية في هيكل النشاط الاقتصادي القومي سواء نظرنا إلى هذا النشاط من جهة الناتج أو التوظف أو ميزان المدفوعات.

وبإلقاء نظرة على واقع التنمية في الدول العربية، نجد أن أجيالاً عاشت وماتت بحثاً عن هذه التنمية، وعجلتها التي تغنت بعض الدول العربية بتحريكها، ولكن كان السراب نتيجتها، إنه لا ينكر أحد تميز بعض الدول العربية في ارتفاع مستوى دخول أفرادها، وهي على وجه التحديد دول الخليج، ولكن لا يمكن وضعها في مصاف الدول التي حققت تنمية لاقتصادها، حيث إنها تعتمد في دخلها على إنتاج ريعي ممثل في النفط، ولا تقوم بتوفير حاجتها من الإنتاج، فتعتمد اعتماداً شبه كلي في غذائها وملبسها وكافة حاجاتها على غيرها، بل إن سياسة «البترودولار» قضت على أي توجه فعال للتصنيع فيها؛ فهي تبيع البترول بالدولار، وتعتمد على استيراد حاجتها من الدول المتقدمة المستوردة للبترول، وتشتري بما لديها من فوائض دولارية سندات أمريكية، ولا يختلف وضع باقي الدول العربية عن وضع الدول الخليجية إلا في انخفاض مستوى الدخول مع اعتمادها نفس الشيء على اقتصاد ريعي.

ومن خلال إيلاء نظرة فاحصة لآخر بيانات مجمعة متاحة عن الدول العربية، يتكشف بوضوح ما وصلت إليه حال التنمية الاقتصادية لديها؛ حيث تشير بيانات التقرير الاقتصادي العربي الموحد (عام 2017م) لصندوق النقد العربي إلى تراجع الناتج المحلي الإجمالي بالأسعار الجارية في الدول العربية من حوالي 2437 مليار دولار عام 2015م إلى حوالي 2347 مليار دولار عام 2016م، وبالتالي انخفض متوسط  نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي من حوالي 6832 دولاراً إلى حوالي 6420 دولاراً، كما تراجع معدل نمو الناتج المحلي بالأسعار الثابتة من حوالي 3.2% عام 2015م إلى حوالي 1.7% عام 2016م، وفي دول مجلس التعاون الخليجي تراجع هذا المعدل من حوالي 4% عام 2015م إلى حوالي 2.5% عام 2016م.

ومن خلال نظرة فاحصة كذلك إلى حصة قطاعات النشاط الاقتصادي من الناتج المحلي، وما حدث فيها من تراجع، يعكس الوضع ما آلت إليه الدول العربية التي تتغنى بالتنمية، فقد أظهرت مؤشرات الهيكل القطاعي للناتج المحلي الإجمالي، أن قطاع الزراعة يقدر فيه الناتج الزراعي بالأسعار الجارية بحوالي 142.1 مليار دولار في عام 2016م بنسبة 5.8% من الناتج المحلي الإجمالي بانخفاض بنحو 1.4% مقارنة بالعام 2015م، وبلغ نصيب الفرد من الناتج الزراعي حوالي 389 دولاراً خلال عام 2016م، وهو ما يعكس بصورة عامة انخفاض مساهمة القطاع الزراعي في الناتج المحلي الإجمالي رغم استيعابه نسبة عالية من قوة العمل تبلغ حوالي 20%، ويرجع ذلك بصفة رئيسة إلى انخفاض نسبة الأراضي المستغلة للإنتاج الزراعي حيث تمثل نحو 60% من مساحة الأراضي القابلة للزراعة، فضلاً عن أزمة المياه، والفجوة التكنولوجية بين مخرجات البحوث الزراعية من جهة، ومتطلبات التنمية الزراعية من جهة أخرى.

وبالنسبة لقطاع الصناعة، فقد أظهرت مؤشرات الهيكل القطاعي للناتج المحلى الإجمالي أن الناتج الصناعي الإجمالي للدول العربية بلغ في عام 2016م حوالي 701 مليار دولار، وبنسبة 29% من الناتج المحلي الإجمالي العربي، مقارنة بنسبة بلغت 32.9% خلال عام 2015م، وقد سجلت مساهمات الصناعات الاستخراجية في عام 2016م تراجعاً ملحوظاً في الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية، بلغت حوالي 18.8% مقابل 21.9% خلال عام 2015م، وذلك نتيجة للاستمرار في انخفاض أسعار النفط.

أما بالنسبة للصناعات التحويلية التي تعد كاشفاً مهماً للتنمية الاقتصادية، فقد أظهرت مؤشرات أدائها نتائج سلبية، حيث تراجعت القيمة المضافة من 268.1 مليار دولار في عام 2015م إلى 259.5 مليار دولار في عام 2016م؛ أي بنسبة 3.2%، وبلغت نسبة مساهمات الصناعات التحويلية خلال عام 2016م نحو 11.1% من الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية، وهو ما يبرز ضعف مكونات التنمية الاقتصادية في الدول العربية، علماً أن قطاع الصناعة برمته يوفر فرص عمل لنحو 17.8% من إجمالي القوى العاملة العربية، وبلغ نصيب الفرد من الناتج الصناعي لعام 2016م حوالي 1917 دولاراً.

تشوّه واضح

إن الواقع يكشف أن هيكل الاقتصاد العربي يُظهر تشوهاً واضحاً في القطاعات الإنتاجية الرئيسة، لا سيما قطاع الصناعة والصناعة التحويلية بصفة خاصة، وهو ما يبرز ريعية الاقتصاد العربي واعتماده بصفة رئيسة في جله على الصناعات الاستخراجية التي في جلها تتمثل في النفط والغاز، فضلاً عن قطاع الخدمات الذي يستحوذ على النصيب الأكبر من الناتج المحلي الإجمالي للدول العربية، وكل ذلك يعكس بصورة واضحة عدم قدرة الدول العربية على خلق تنمية مستدامة يستفيد منها الجيل الحالي ويورثها لما بعده من أجيال.

ورغم ما سعت إليه العديد من الدول باسم برنامج الإصلاح الاقتصادي رفع شعار التنمية، لكن هذا الإصلاح كان إصلاحاً شكلياً خلا من المضمون وتمسك بالمظاهر، بل رهنت بعض الدول اقتصادها ومواردها لصندوق النقد الدولي، والتسليم التام لروشتة الصندوق، رغم نواياه الاستعمارية الناعمة المعروفة، وتجاربه المميتة لأكثر من ستين دولة على مستوى العالم، ذلك الصندوق الذي يعمل لصالح الكبار، كما وصفه العالم الاقتصادي المعروف «إستجلز» (Stiglitz)، الأستاذ الجامعي والنائب السابق لرئيس البنك الدولي للشؤون الاقتصادية، والحاصل على جائزة «نوبل» في الاقتصاد.

لقد أدى اتباع هذه السياسات إلى زيادة في مستويات الفقر في العديد من الدول العربية، لا سيما في ظل انخفاض مخصصات الحماية الاجتماعية والتعليم والصحة وتأثير ذلك على إنتاجية الفرد، فما زالت الأمية في الدول العربية مرتفعة، حيث تقدر نسبتها بين البالغين (15 سنة فما فوق) في عام 2016م بحوالي 19.5%، وبذلك تفوق مثيلتها في جميع الأقاليم بالعالم، كما أن نسبة الإنفاق على التعليم إلى الدخل القومي الإجمالي وإن كانت تمثل نسبة 4.5% في عام 2015م وهي قريبة من النسبة العالمية التي تقدر بحوالي 4.6%، فإن العالم العربي يعاني من انخفاض جودة التعليم وعدم إيلاء العناية الكافية بالبحث العلمي، حتى خلت جامعاته من أفضل 100 جامعة على مستوى العالم، وفقاً لتصنيف شنغهاي للعام 2016م.

وبالنسبة للصحة، فقد بلغت نسبة الإنفاق عليها من إجمالي الناتج المحلي في الدول العربية في عام 2015م حوالي 5.3%، وهي نسبة تقل كثيراً عن المتوسط العالمي البلغ حوالي 9.9%، وما زالت الخدمات الصحية تفتقر في العديد من الدول العربية إلى توافر الجودة والمهارة، وهو ما يدفع السكان العرب للسفر للعلاج بالخارج.

ومن العجب أن نجد بعض المتفيقهين ما زالوا يحمّلون الإخفاق في التنمية للزيادة السكانية، هذه الزيادة التي لو نظر إليها الإنسان بمنظور اقتصادي سليم لوجدها نعمة لا نقمة، فالكون كله مسخر للإنسان، وفيه من الموارد ما يكفيه، وما عليه إلا السعي، أما الرزق فهو وعد من الرحمن للساعين، كما أن الله تعالى خلق للإنسان فماً واحداً ويدين، واليدان لهما القدرة على إطعام الفم بالسعي، كما أن الإنسان هو من يكتشف آلاف الأفكار التي يمكنها أن تخلق قدرة علـى فتح مجالات للعمل والإنتاج وتحقيق قيمة مضافة لا يستهان بها.

لقد آن لتجارب الإصلاح في الدول العربية أن تخرج من سجن التركيز على الطلب والسياسة النقدية والمالية إلى رحاب السياسة الهيكلية بتنويع الهياكل الاقتصادية، والتركيز على القطاعات عالية القيمة المضافة والقطاعات التصديرية وقطاع الاقتصاد المعرفي، وفتح المجال للقطاع الخاص لممارسة دوره التنموي بمسؤولية، والاستفادة من الاستثمار الأجنبي وتقنيته وفقاً للمصالح المتبادلة دون التفريط في الثروات وسيادة البلاد والعباد، مع توفير حاضنة حقيقية للمشروعات الصغيرة والمتوسطة بصورة تمكنها من المساهمة بفعالية في التصدير وخلق فرص عمل، مع إصلاح التعليم وربطه بمخرجات سوق العمل، وتفعيل البحث العلمي، والخدمات الصحية، وكل هذا لا بد أن يكون في ظل حاضنة كبرى تحترم الحرية السياسية ومن ثم الحرية الاقتصادية، وترسي مبادئ العدالة والشفافية والنزاهة والحوكمة.

هكذا الأيام الطيبة المباركة تمر سراعاً؛ فرمضان ذلك الضيف الكريم الذي عشنا معه أياماً معدودات، جاء سريعاً وانقضى سريعاً، وإذا كنا عشنا معالم العديد من الدروس الاقتصادية في رمضان، فينبغي أن تستمر تلك الدروس بقية العام، ويكفي أن هذا الشهر الكريم أعطانا صورة واقعية عن الوقت الذي هو كالسيف، إذا لم نقطعه يسبقنا هو بالقطع.

 

لقد انقضى رمضان، لكن أعمال البر لا تنقضي، والاستفادة من فضله لا ينتهي، ومن ثم تبدو أهمية الحفاظ على قيمة الوقت ما بعد رمضان أيضاً، بإعماره بالعمل الصالح، وفي مقدمة ذلك الإنتاج النافع؛ فاستثمار الوقت فيما ينفع قيمة عظمى ومرتبة كبرى، لذا كان النبي، صلى الله عليه وسيلم، يقول: «نعمتان مغبون فيهما كثير من الناس؛ الصحة والفراغ» (رواه البخاري)، والصحة الجيدة تعني مزيداً من الإنتاجية ومن ثم الإنتاج، كما أن استهلاك الوقت فيما لا ينفع بالفراغ القاتل هو قتل لصاحبه.

كما حث النبي، صلى الله عليه وسلم، على اغتنام الوقت باعتباره هو الحياة بكل جوانبها، فقال صلى الله عليه وسلم: «اغتنم خمساً قبل خمس: شبابك قبل هرمك، وصحتك قبل سقمك، وغناك قبل فقرك، وفراغك قبل شغلك، وحياتك قبل موتك» (رواه الحاكم)، وهذا الحديث يعكس قيمة الشباب، والصحة، والغنى، الفراغ، والحياة بصفة عامة باعتبارها مواطن قوة لا بد من استغلالها بما يحقق المنفعة لصاحبها ومجتمعه من حوله، ولا يمكن التغاضي عن قيمة عناصر القوة هذه في زيادة الإنتاجية، والإنتاج قوة.

وفي هذا الإطار أيضاً يأتي حديث النبي، صلى الله عليه وسلم: «لا تزول قدم عبد يوم القيامة حتى يُسأل عن أربع خصال: عن عمره فيم أفناه، وعن شبابه فيم أبلاه، وعن ماله من أين اكتسبه وفيم أنفقه، وعن علمه ماذا عمل فيه» (رواه الترمذي).

ولعل إثارة قضية المال في الحديث تعكس قيمة الاقتصاد في حياة المسلم كسباً وإنفاقاً، فلا يكسب إلا حلالاً، ولا ينفق إلا حلالاً بعيداً عن الإسراف والتبذير والترف، ومن ثم يوفق بين موارده واحتياجاته وهذا هو عينه موضوع علم الاقتصاد في واقعنا المعاصر.

الوقت والإنتاج

كما أن النبي، صلي الله عليه وسلم، ربط الوقت بالإنتاج ربطاً دقيقاً في صورة رائعة حينما قال: «إن قامت الساعة وبيد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل» (رواه أحمد).

فما أحوجنا إلى تقرير قيمة الوقت في حياتنا واستغلاله بصورة رشيدة، ورحم الله ابن مسعود، رضي الله عنه، الذي كان يقول: “ما ندمت على شيء ندمي على يوم غربت شمسه، نقص فيه أجلي، ولم يزدد فيه عملي”.

وعجباً كل العجب لإنسان يغتم بما ينقص من ماله ولا يبكي على ما ينقص من عمره، كما كان يقول السري بن المفلس، رحمه الله، وكان الحسن البصري، رحمه الله، يقول: “أدركت أقواماً كانوا على أوقاتهم أشد منكم حرصاً على دراهمكم ودنانيركم”.

إنه إذا كان من فضل الله علينا أن أكرمنا بالاستفادة من الأوقات في رمضان عبادة ومعاملة وإنتاجاً وتنمية، فليكن ذلك الشعاع الذي ينير لنا الطريق من رمضان إلى رمضان، وليكن شعارنا كما كان شعار السلف الصالح عمارة الوقت بدلاً من هدره وقتله، فلنستثمر أوقاتنا بالحفاظ على كل دقيقة فيها، واحترام أعمالنا، وترشيد استهلاكنا، والتمسك بأذكارنا، والارتباط اليومي بقرآننا، وصلة أرحامنا، وسعينا على المسكين واليتيم والأرملة، حتى يتحقق العمران المادي والمعنوي لمجتمعاتنا، الذي هو من ثمار التقوى التي يخرج بها المسلم في رمضان، وهي في الوقت نفسه الحكمة الظاهرة من الصيام، قال تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلَى الَّذِينَ مِن قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ {183}) (البقرة)، فالتقوى هي مفتاح تحقيق التنمية الاقتصادية، والله تعالى يقول: (وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُواْ وَاتَّقَواْ لَفَتَحْنَا عَلَيْهِم بَرَكَاتٍ مِّنَ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ) الأعراف: 96)، كما أن التقوى هي مفتاح إزالة الهموم وغم الديون وتوسيع الأرزاق للعباد، والله تعالى يقول: (وَمَن يَتَّقِ اللَّهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجاً {2} وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لَا يَحْتَسِبُ) (الطلاق).

تكافل القلوب

كما أن من قوام العمران تكافل القلوب والنفوس، وإذا كان هذا من الدروس العملية التي طبقناها عملياً في رمضان؛ فإنه يجب العض عليها بالنواجذ، فهذا من الأسس المتينة والأركان الوثيقة للنظام الاقتصادي الإسلامي، باعتبار المجتمع كالبنيان يشد بعضه بعضاً، وأنه كالجسد الواحد إذا اشتكى منه عضو تداعى له سائر الأعضاء بالسهر والحمى.

إن من أجمل الخصال الأخلاقية مد يد العون والرعاية والبذل للمحتاجين في رمضان وغير رمضان، فإذا كانت صدقة الفطر تجبر نقصان الصوم وتطهر صاحبه مما ارتكبه من لغو أو رفث في رمضان، وفرصة يواسي فيها الصائم إخوانه الفقراء والمساكين ويحس بحاجتهم وآلامهم، ويشاركهم ويشاركونه فرحة العيد ويكفيهم ذل السؤال في هذا اليوم الفضيل؛ مما يزيد من الحب والود والتراحم، ويغلق أبواب الحقد والحسد والكره؛ فإن الصدقة بصفة عامة ينبغي أن تكون سلوكاً يلازمنا طوال العام لتحقيق تماسك البنيان الاقتصادي والاجتماعي للمجتمع، خاصة أن فيها من المنافع لصاحبها ما يجعله أشد حرصاً عليها.

فمن يريد أن ينمي ماله ويوسع أرزاقه فعليه بالصدقة “ما نقصت صدقة من مال” (رواه مسلم)، “ما فتح رجل باب عطية يريد بها صلة إلا زاده الله بها كثرة” (رواه أحمد)، ومن يريد مغفرة خطاياه فعليه بالصدقة؛ “الصدقة تطفئ الخطيئة كما يطفئ الماء النار” (رواه أحمد)، ومن يريد الشفاء من الداء فعليه بالصدقة؛ “داووا مرضاكم بالصدقة” (رواه البيهقي)، ومن يريد أن يبعد عن نفسه مصارع السوء فعليه بالصدقة؛ “صنائع المعروف تقي مصارع السوء” (رواه الطبراني).

وكل هذا يحتم علينا أن يكون ارتباطنا مع دروس رمضان الاقتصادية ارتباطاً ربانياً لا رمضانياً، فنتخذ من تلك الدروس الاقتصادية في رمضان وقوداً يعيننا على باقي شهور العام.

الصفحة 1 من 5
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top