وداعا ترمب! (قصة قصيرة)

15:49 09 نوفمبر 2020 الكاتب :   د. السيد شعبان

ركبت السيارة صباح الجمعة الماضية، رغم أنني لا أحب السفر في ذلك اليوم المبارك ألتمس السكون وبعض عبقه، لافتات على الحوائط وعلى الأشجار؛ بعضهم رمزه الكف وآخر بندقية وثالث هاتف؛ ورابع نخلة؛ رموز شتى ومقاعد محسومة؛ في عجالة تبادر إلى ذهني سؤال: ليتهم خاطوا منها كساء للعراة أو ادخروا ثمنها طعاما للجوعى.

 سافرت وهل يحلو البقاء في بيت لا يجد أطفاله كوب اللبن؟

لا جدوى من أنثى ذبل عودها..

إنه اليوم التالي للخميس الأسود، فبعد أيلول كل أيامنا سوادا ذلك الصاخب في تاريخنا، مثل تلك الخنازير البرية طوال ثلاثين عاما إنه بكل نزق يتمثل فعل البطريك في خريف ماركيز.

شعره الذي يحركه يمنة ويسره، كم كان نزقا!

 يهزأ بنا ويتراقص مع عبد الله الصغير. تساقطت كل الأوراق نحسبها سترت عوراتنا؛ انكشفت حيل الممثلين فوق خشبة مسرح الملهاة.

نظرت إليه في دهشة؛ الجميع في عراك، الصخب والهياج حديثهم عن لصين أحدهما فيل والآخر حمار.

ترى من سنتبعه؟

  لم يبد تفاعلا مع الحدث، ظننته فاقد الوجود، يدور بعينيه في سقف السيارة الذي ينز مطرا، يصعد في السماء جهة نجم يتبعه كلما تحركت السيارة في الخلف امرأة تتباكى؛ تمتلك عينن ساحرتين.

تظهر جمالها كلما تحركت، أتلصص على بياض يديها؛ ما تخفيه منها أعظم، يصب السائق غضبه على الركاب، يرقب حركة عينيها في المرآة، طفل صغير يتأوه من شدة الجوع، بجواري رجل رجلاه مصبوبتان في قالب من جبس، فتى يهمس في أذن فتاته: كتب علينا أن نقضي عمرنا هكذا، ما جدوى الحب إذا لم يجد من يرويه؟

يواعدها مكانا سريا؛ ربما في حجرة مظلمة أسفل بئر الخيانة.

 صوت مذياع السيارة يتحدث عن اكتشاف آبار بترول جديدة!

أبتسم في صمت.

أخرج الأخرس لفافة تبغ وبدأ ينفث فيها، لا يكترث كثيرا بقواعد المرور، يتفل ملء فمه من نافذة السيارة، يتملل منه السائق، جذبه منظرها، ذلك النقاب الأسود، كانت عيناها تبرقان منه كأنما هما طلقتا رصاص أصابت قلبه؛ مغن يشدو:

رمش عينه!

الصخب يزداد.. الأصوات تختلط، لكن عالمه المنتشي بذلك الخدر يروق له، بدا له الصباح بهيجا، مثل يمامة فرت من شباك الصياد تبادلت معهم الحديث بدموعها التي سحت دونما توقف، تتأوه، تندبه كل آونة في ميعة الصبا اقتنصه ذلك الوحش الرابض في عالم يمور قيحا وقبحا، دق صوت الهاتف، أحد الركاب كان يشغل تلك الأغنية المستجلبة من جبل علي مثل كل الأشياء التي من حولي.

تعطل إطار السيارة نزلت من مقعدها تبعها مثل ظلها، أخذ ينفث دخان سيجارته، يتحسس جيبه وقد امتلأ بالأوراق الخضراء بادر أحدهم صائحا: مدد يا صاحب الحضرة!

نظرت ملتفتا إليه؛ عمامة خضراء يتعمم بها ومسبحة طويلة تتدلى من عنقه، لأول مرة ينطق: لعن الله ترمب هو من فعل بنا، هذا ألقى هاتفه صاح غاضبا: "ذلك جيل أضاعنا بصمته، هاهو الآن يقتلنا بعجزه" نطقت شفتي ازداد توجعها، ليته ما هدر في الميدان ليثا!

لقد خلطوا دمه برغيف عشاء صنعه يهوذا!

حاولت أن أتفل في وجهه، منعني من ذلك وقار مصطنع ربما أصابني الخرس، كلانا به ذلك الداء، هو متمرغ في وحل الشعارات الزاعقة المتشنجة، وأنا يقتلني الوهن.

 لم يعرها أحد انتباها مثل اليتيمة هي، إنه البله الذي فرد جناحيه الأسودين لملمت جراحها كتمت حسرتها حين أصلح إطار السيارة ولى هاربا!

صوت المذياع يهدر: عاش الوطن!

انتقلت العدوى إلي فيما سلف كنت مثل الذي يقذف فمه نارا، وصدري كان يفور!

الصمت يمسك بي فيلفني بأسماله المهترئة، حاولت أن أمزقها كانت تطبق على خناقي تدثرت بها كفنا للمسافرين أعين أحدهم يسجل كل شيء أخرج هاتفه ذلك ظني، تداعى جسدي الواهن تحسست جسدي، كم ترك السوط أخاديده!

حين دارت تلك الآلام بذهني بصقت على مقعد الأخرس عند أول مفرق طريق كان الهروب الكبير، الذى أخرج هاتفه، حياني، لوح بيديه رافعا شارة النصر.

أختلس نظرة إلى تلك المرأة؛ أتخيل جمالها؛ يقتلني العجز؛ أحاول ملء ذلك الفراغ؛ الشتاء على الأبواب؛ هل تكون لي؟

تعاودني صورة ترمب مثل ثور هائج يلوح صاخبا.

لم أجد حافظة نقودي!

عدد المشاهدات 3967

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top