هكذا سأقضي يومي الأول في القدس

19:44 16 أبريل 2016 الكاتب :   زياد هاشم المدني

كل لحظةٍ تمضي يكون فيها الأقصى تحت سيطرة اليهود، هي لحظة ذلٍ وهوانٍ مكتوبةٌ علينا، لكنّا سنظل في كل يومٍ نعمل من أجل قضيتنا، حتى يحرره الله تعالى من براثنهم بإذنه تعالى، فهو محررٌ إن شاء الله، حتماً لا حلماً، وإني متيقنٌ من ذلك الفتح القريب، أكاد أراه رأي العين، بل إني قد خططت مسبقاً كيف أقضي يومي الأول في القدس بإذن الله تعالى.

حتماً سأبدأ جولتي في القدس الشريف من المسجد الأقصى المبارك، سأدخله صاعداً من باب المغاربة الذي دخله منه المصطفى صلى الله عليه وسلم، وعمرُ رضي الله عنه من بعده، وأول ما سأقوم به هو سجدة شكرٍ لله تعالى أن بلغني هذا الأمر، سجدة شكرٍ لله تعالى أن بلغني ما تمنيتهُ وعملت لأجله منذ نعومة أظافري، سجدة شكرٍ لله تعالى أن قد منَّ عليَّ فأوقع حبه في قلبي لكي أصل إلى سجدتي هذه.

سأتجول بعدها في باحاته، ماراً بمصاطب العلم والآبار والأسبلة والقباب، في طريقي إلى قبة الصخرة، فأتأمل بركة هذه الأرض الطاهرة، وأشتم رائحة الزيتون المروعة عبر السنين، سأستشعر نسيم ريح القدس على جبيني، ثم سأملأ عينيّ بعظمة بناء قبة الصخرة.

ياللهول، إنها أكبر وأعظم مما تخيلت، يا لها من تحفةٍ فنية، فهذا أجمل ما بنى بنو البشر، لولا اشتياقي لرؤية باقي القدس لقضيت يومي كلّه متأملاً هذا الجمال.

في القدس تعريفُ الجمالِ مُثَمَّنُ الأضلاعِ أزرقُ، فَوْقَهُ، يا دامَ عِزُّكَ، قُبَّةٌ ذَهَبِيَّةٌ، تبدو برأيي، مثل مرآة محدبة ترى وجه السماء مُلَخَّصَاً فيها، سأقرأ، قبل أن أتشرف بدخولها، سورة "يس" المخطوطة على جدرانها، ثم سأدخل مصلى قبة الصخرة من الباب الشرقي المقابل لقبة السلسلة، وأتساءل: أما آن لهذه الأبواب أن تُغطى بالذهب من جديد؟

فإذا بهذا المبنى داخله أجمل من خارجه! ثم سأصلي ركعتين في المغارة تحت الصخرة، فأقرأ في الركعة الأولى آية الكرسي، وفي الثانية سورة الإخلاص، المكتوبتين من حولي.

سأستشعر بركة المكان الذي أقف فيه، نعم، فهذا هو مركز البركة في الأرض (الْمَسْجِدِ الْأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ)، وإلى هذا المكان سينادى الناس فيحشرون يوم القيامة (وَاسْتَمِعْ يَوْمَ يُنَادِ الْمُنَادِ مِن مَّكَانٍ قَرِيبٍ)، وإلى هذا المكان توجه خير الأنام صلى الله عليه وسلم مصلياً لمعظم حياته بعد البعثة.

بعد خروجي من مصلى قبة الصخرة من بابه الجنوبي، سأتوجه شمالاً إلى المصلى المرواني، فهو أحدث مصليات المسجد الأقصى.

سأستعيد في طريقي إليه شريط التاريخ في مخيلتي، فأرى المصطفى صلى الله عليه وسلم فوق البراق من خلفي، وأرى جمع الأنبياء والمرسلين يؤمهم النبي صلى الله عليه وسلم على الساحة التي أمشي عليها، ومن هنا دخل عمرُ رضي الله عنه حافياً وهو يجر بعيره، ومن أمامي اعتكف الغزالي كاتباً الإحياء، وهنا حمل صلاحٌ منبر نور الدين زنكي، وهنا وهنا وهنا، فلكل شبر في هذا المكان المقدس تاريخٌ وقصص.

ثم سأنزل إليه لأستعيد ذكرى هذا المبنى، بما مر عليه من عهود الصليبيين، وعهود الفاتحين المسلمين، إلى أن من الله علينا فحُوّل إلى مصلى في زماننا هذا.

ثم سأستشف، بين جدرانه، المستقبل المنير لهذه الأمة، فهذه القدس وقد تحررت، وما يفصلنا عن أستاذية أمتنا للعالم إلا الزمان بإذن الله تعالى.

وبعد خروجي منه صاعداً سأتوجه إلى باب الرحمة، فأنظر من خلف السور في طريقي إليه، لأرى قبور الصحابة والشهداء، فأتذكر:

في القدس تنتظمُ القبورُ، كأنهنَّ سطورُ تاريخِ المدينةِ والكتابُ ترابُها، الكل مرُّوا من هُنا، فالقدسُ تقبلُ من أتاها كافراً أو مؤمناً، اُمرر بها واقرأ شواهدَها بكلِّ لغاتِ أهلِ الأرضِ.

فيها الزنجُ والإفرنجُ والقِفْجَاقُ والصِّقْلابُ والبُشْنَاقُ والتاتارُ والأتراكُ، أهلُ الله والهُلّاكُ، والفقراءُ والمُلّاكُ، والفجارُ والنساكُ، فيها كلُّ من وطئَ الثَّرى.

كانوا الهوامشَ في الكتابِ فأصبحوا نَصَّ المدينةِ قبلنا!

وأرى جبل الزيتون برهةً، ثم يلمح ناظري من بعيد بقايا ذلك الجدار العنصري الفاصل، الذي بناه اليهود فكان سبباً في إهلاكهم، لكن ليبقى شاهداً عليهم، أنهم حينما حكموا بطشوا، واليوم هانوا وخنعوا واستذلوا.

أعادني من عالم التاريخ صوت الأذان المقدسي منادياً لصلاة المغرب، فأتوجه للجامع القِبلي، ماراً بمدخل الأقصى القديم، فأدخل الجامع لأتقدم الصفوف.

أمّا هنا فلي وقفةٌ خاصةٌ بي، فذروني وحدي حتى أُنهي صلاتي الأولى بالمسجد الأقصى.

يا له من جامعٍ بهي، في كل شبرٍ أرى تاريخنا مسطراً عليه، وفي كل شبرٍ أرى عبقرية الهندسة الإسلامية عبر القرون.

سأعود الآن أدراجي إلى حيث دخلت، لأخرج فأتجول في البلدة القديمة بالقدس وأحيائها وحاراتها وأزقّتها وأسواقها، فإذا بها مدينة أخرى غيّر الغروب شكلها!

هذا جزءٌ من يومي الأول بالقدس، فإن لم يكتب الله لي ذلك، فأسأله ألا يقبضني إليه إلا شهيداً في سبيل تحريرها، فأقضي هذا الأمر في جنات الفردوس بإذن الله تعالى.

وإلى حين أن يكتب الله لنا إحدى الحسنيين؛ سأسألُ رَبِّي، وأمضي بِدَربي بِروحي وقَلبي، ولَن أستَكين فهذا يَميني، لِرَبي وديني وشَعبي الثخينِ، ولا لَن أخون.

عدد المشاهدات 2689

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top