الاقتصاد الدائري.. اقتصاد صناعي أكثر استدامة

15:13 09 مايو 2016 الكاتب :   د. مجدي سعيد

التأثيرات الضارة للنظم الاقتصادية الصناعية العالمية باتت من الأمور المعلومة للكافة، الأمر الذي حفز الكثيرين من العلماء والمفكرين من القلب النابض لهذه النظم في الغرب على السعي لإيجاد رؤى بديلة أكثر توافقاً مع الطبيعة، وأقل إضراراً بالبيئة، واستنزافاً لمواردها، ومن ثم أكثر استدامة.

من بين تلك الأفكار الكبرى البازغة في العالم الآن، نتاجاً لهذا السعي فكرة الاقتصاد الدائري Circular Economy، والتي أفردت لها دورية "Nature" الملف الرئيس لأحد أعدادها، وقدمت الطبعة العربية للدورية ترجمة لبعض مختاراته في عدد مايو 2016م.

"الاقتصاد الدائري" مصطلح عام يعني الاقتصاد الصناعي الذي لا ينتج نفايات أو يحدث تلوثا، من بداية تصميمه ومنذ النية في إنشائه، والذي يحتوي على نمطين من تدفق المادة:

مغذيات بيولوجية مصممة لكي تعود للدخول في المجال الحيوي بأمان، ومغذيات تقنية وهي مصممة للتدوير بجودة عالية داخل منظومة الإنتاج دون أن تدخل المجال الحيوي فضلاً عن أن تكون قابلة للإصلاح والتجديد منذ تصميمها.

يشتمل المصطلح على معنى أوسع من مجرد إنتاج واستهلاك السلع والخدمات، إذ يشمل التحول من الوقود الأحفوري إلى استخدام الطاقة المتجددة، والتأكيد على دور التنوع كسمة من سمات الأنظمة المرنة والمنتجة، كما يشتمل على مناقشة دور المال والتمويل كجزء من نقاش أوسع، كما أن بعض رواد هذا الاقتصاد دعوا إلى تجديد أدوات قياس الأداء الاقتصادي.

استخدم المصطلح للمرة الأولى من قبل اثنين من خبراء الاقتصاد البيئي البريطانيين، هما بيرس، وتومر في كتابهما "اقتصاديات الموارد الطبيعية والبيئة"، حيث أشاروا إلى أن الاقتصاد الشائع مفتوح النهاية تطور دون أن يتضمن في بنيته الأساسية فكرة إعادة التدوير، الأمر الذي انعكس في التعامل مع البيئة باعتبارها مستودعا للنفايات، بينما الاقتصاد الدائري (غير الخطي) يرتكز على دراسة الأنظمة الغنية بردود الأفعال، وبشكل خاص المنظومات الحيوية، إحدى النتائج الرئيسة لذلك هي مفهوم تحسين النظم بدلاً من المكونات، ومفهوم التصميم للملاءمة.

وكفكرة عامة يستمد المصطلح وجوده من عدد من النهج الأكثر تحديداً بما في ذلك: من المهد إلى المهد، ومحاكاة الطبيعة، والإيكولوجيا الصناعية، والاقتصاد الأزرق، وفي معظم الأحيان يوصف المصطلح بأنه إطار للتفكير، ويزعم أنصاره أنه يمثل نموذجاً متماسكاً له قيمة كجزء من الاستجابة إلى نهاية عصر النفط والمواد الرخيصة.

وبينما يقوم الاقتصاد الصناعي الخطي على عملية "خذ، صنع، تخلص"، وأساليب الحياة التي تتغذى عليه تستنزف الاحتياطات المحدودة من الخامات لخلق منتجات ينتهي بها المطاف في مقالب القمامة أو في المحارق، يقوم الاقتصاد الدائري على عدة مبادئ:

- النفايات مغذيات: لا وجود للنفايات، فالمكونات البيولوجية والتقنية تم تصميمها عن قصد كي تدخل ضمن دورة المواد.

- التنوع قوة: فالمنتجات والمواد والأنظمة المتنوعة مع مزيد من الصلات والمقاييس تكون أكثر مرونة في مواجهة الصدمات الخارجية من التي يتم بناؤها لمجرد الكفاءة.

- الطاقة يجب أن تأتي من مصادر متجددة.

- التفكير المنظومي: النظر للأشياء على أنها تؤثر في بعضها البعض في إطار كل متكامل، واعتبار العناصر مناسبة في إطار سياقات البنية التحتية، والبيئة، والمجتمع.

- الأسعار وآليات التغذية المرتدة الأخرى يجب أن تعكس التكلفة الحقيقية: في الاقتصاد الدائري تعمل الأسعار كوسائل وبالتالي يجب أن تعكس التكاليف الكاملة من أجل أن تكون فعالة بما فيها العوامل الخارجية السلبية.

وكما قلنا، فإن الاقتصاد الدائري هو إطار جامع تطور عن مجموعة من الأفكار المؤسسة له، والتي تشمل:

-محاكاة الطبيعة: وتعني وفقاً لجانين بنيوسJanine Benyus العمل من خلال دراسة النظم والتصميمات الطبيعية وتقليدها من أجل حل مشكلات الإنسان، على سبيل المثال دراسة ورقة نبات من أجل ابتكار خلية شمسية أفضل، وذلك وفق ثلاثة مبادئ: الطبيعة كنموذج، الطبيعة كمقياس، والطبيعة كمرشد.

- الإيكولوجيا الصناعية: وتعني دراسة تدفقات المواد والطاقة من خلال المنظومات الصناعية، وذلك بهدف خلق منظومات دائرية مغلقة، يتم فيها النظر للنفايات كمدخلات ومن ثم إلغاء فكرة وجود منتج جانبي غير مرغوب فيه، وينظر لهذه الفكرة على أنها "علم الاستدامة" Science of Sustainability.

- من المهد إلى المهد: وهو المبدأ الذي صكه والتر ستاهل Walter Stahel المهندس المعماري، والخبير الاقتصادي والذي له الفضل في صياغة تعبير "من المهد إلى المهد" لمناقضة "من المهد إلى اللحد" - والذي يعبر عن وسيلة عمل الاقتصاد السائد "من الموارد إلى النفايات" - وفي نهاية السبعينيات، عمل ستاهل على تطوير مفهوم "الدائرة المغلقة" في العمليات الإنتاجية، وشارك في تأسيس معهد حياة المنتج Product-life Institute في جنيف، بهدف تحقيق الاستدامة الصناعية من خلال تمديد حياة خدمة السلع، وإعادة استخدامها، وإصلاحها وإعادة تصنيعها، ورفع مستوى الفلسفات تكنولوجيا من حيث انطباقها على الاقتصاديات الصناعية.

- الاقتصاد الأزرق: وهي حركة مفتوحة المصدر أسسها رجل الأعمال البلجيكي جونتر باولي Gunter Pauli، نشأت من خلال تقرير وبيان رسمي تأسيسي ضم عدداً من دراسات الحالة المحددة، وواحد وعشرين مبدأ تأسيسياً كاستخدام الموارد المتاحة في النظم المتتالية، وأن نفايات منتج ما تكون مدخلاً في بناء منتج آخر، وتصميم حلول بناء على البيئة والخصائص الفيزيقية والإيكولوجية المحلية والتركيز على الجابية كمصدر أساسي للطاقة.

الموضوع واسع المدى، بعيد الأغوار، وربما يبدو صعباً للقارئ، وقد حاولت هنا – وأنا غير المتخصص في الاقتصاد - أن ألم ببعض أطرافه بشكل عاجل بما يسمح به إطار المقال، وبما يفتح شهية القارئ النهم للمعرفة بأن يستزيد، وإن كنت أظن أن الأمر يحتاج إلى نقل أكثر تمكناً، وأكثر تبسيطاً، لتغذية أفكار الجيل الناشئ بأفكار أكثر إنسانية واستدامة في مجال الاقتصاد، وهو أمر ربما يفلح في فعله المتخصصون الواعون.

 

المصدر: "مصر العربية".

عدد المشاهدات 955

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top