الأسد سجيناً

18:55 21 مايو 2016 الكاتب :   د. جمال الباشا

عندما يعجزُ منطقُ القوَّةِ أمامَ قوَّةِ المنطق، لا يجِدُ الباطل إلا القيدَ والسوطَ لإسكاته، فيفوحُ عبيرُ الصبر المتزاوج باليقين، وتولدُ من رحِمِ المجاهدة إمامةُ الدين.

وتتحوَّلُ كلماتُ التنظير إلى نبراسٍ يُنيرُ دروبَ السالكين.

لقد سجنَ الجلادونَ الأسدَ عندما صدعَ بالحقّ على الملأ بأنَّ نكاحَ أميرهم "الخاقان" من عتيقته قبلَ الإبراءِ باطلٌ في حكم الشرع.

وليتك تعلم أين كان الحبسُ؟!

في جُبٍّ مُظلمٍ تحتَ الأرض، ليتأدَّب سائرُ العلماءِ وليضبطوا ألسنتهم، ويُداهنوا الأمراء ولو على حساب دينهم ومرضاة ربهم.

لم يكن الإمامُ السرخسيُّ من صنفِ المستسلمين المحبَطين، بل كان إيجابيًا لدرجةٍ قلبَ فيها المحنَةَ منحَةَ، والبلايا عطايا.

لقد أملى على طلابه من محبسه في الجُبّ كتابه الشهير "المبسوط" وهو في ثلاثين جزءاً، وهم يكتبون في قراطيسهم ما يمليه عليهم من غير مرجع، إلا من فتح الفتاح الوهاب.

لم تذهب السنواتُ الخمسةَ عشرَ التي قضاها تحت الأرض سُدى، فقد جعل الله ثوابَها العاجلَ رفعةً ومنزلة في قلوب الخلق، فلقَّبوه بـ "شمسُ الأئمة"، وكأنهُم يصرخون في وجه الخاقان: آمنّا بربّ السرخسيّ.

وأما مبسوطه بمجلداته العشرة فلا تكاد تخلو منه مكتبةُ طالب علم، ولا بحثٌ فقهيٌّ من العَزو إليه.

وأما الأميرُ.. فإلى مزبلة التاريخ ذهبَ غير مأسوفٍ عليه مع الجلادِ والسجّان.

وقريباً سيكونُ المُلتقى عندَ الديّان.

إلى ديّان يوم الدّين نمضي         وعند الله تجتمعُ الخصومُ

لقد أبكاني هذا الأسدُ عندَ خاتمةِ بعضِ الأبوابِ من كتابهِ وكان يذيّلُه بوصف حاله.

فقد قال في المبسوط عند فراغه من شرح العبادات:

هذا آخرُ شرح العبادات بأوضح المعاني، وأوجز العبارات، أملاه المحبوسُ عن الجُمَعِ والجماعات.

وقال في آخر كتاب الطلاق:

هذا آخرُ كتاب الطلاق المؤثر من المعاني الدقاق، أملاه المحبوس عن الانطلاق، المبتلى بوحشة الفراق، مصلياً على صاحب البراق.

وقال في آخر كتاب العتاق:

انتهى شرح العتاق من مسائل الخلاف والوفاق، أملاه المستقبل للمحن بالاعتناق، المحصور في طرق من الآفاق، حامداً للمهيمن الرزاق، ومصلياً على حبيب الخلاق، ومرتجى إلى لقائه بالأشواق وعلى آله وصحبه خير الصحب والرفاق.

وقال في آخر شرح الإقرار:

انتهى شرح كتاب الإقرار المشتمل من المعاني ما هو سر الأسرار، وأملاه المحبوس في موضع الأشرار، مصلياً على النبي المختار.

أيها الأسدُ..

وداعًا إلى حين.

عدد المشاهدات 319

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top