الحجاب الذي أرّق إيران.. بين الحظر والفرض

18:29 30 مايو 2016 الكاتب :   ياسمين رزق

لم يقض جمال الدين الأفغاني، والإمام محمد عبده أغلب سنوات حياتهما في الدعوة إلى إعادة إحياء الأمة الإسلامية لتواكب متطلبات العصر، والقضاء على الجمود الفكري الإسلامي والحضاري والمغالاة في الدين عبثاً، إنما لما كان مشهوداً آنذاك في العديد من البلاد الإسلامية من استغلال الدين كغطاء للكثير من الممارسات التعصبية التي دائماً ما كان يفرضها صاحب السلطة لضمان التبعية له، غير عابئ بحقوق أولئك الأتباع أو رضاهم من سخطهم.

فبالتزامن مع تلك الدعوات كانت قرة العين القزوينية تُعدم حرقاً في طهران عام 1852م، وهي الشاعرة التي تجرأت وخرجت دون حجاب للعلن في سابقة هي الأولى بين النساء آنذاك، ولكنها لم تكن الأخيرة وإن اختلفت أساليب العقاب، فالمرأة في إيران لم تكن مخيرة يوماً في أمر حجابها، حيث دائماً ما كان يعود أمر ذلك الحجاب وعلى مدار التاريخ إلى الحاكم وتوجهه السياسي، وعلى النساء إلغاء إرادتهن باتباع ذلك والرضوخ له.

فبعد أن كان الإعدام ولقرون عدة يتربص بكل من تجرؤ وتحذو حذو قرة العين، جاءت فترة حكم الشاه رضا بهلوي لتقلب الأمور وبالتحديد عام 1936م، ليُظهر تحكماً من نوع آخر، ويصدر مرسوماً بحظر الحجاب ومنع ارتدائه، وهو القرار الذي نفذته الشرطة بضرب كل من تخالف وانتزاعه بالقوة، وقد كان الشاه يهدف من خلال ذلك القرار إلى إضفاء الصفة والتوجه الغربي على بلاده، وهو التوجه الشكلي فقط، حيث اقتدى بأتاتورك الذي ما أن قضى على الدولة العثمانية واستلم زمام الحكم في تركيا حتى حظر الحجاب في المؤسسات العامة في بلاد فرضته لمدة 6 قرون، حتى كان أردوغان مؤخراً والذي رفع ذلك الحظر في توجه اعتبره البعض تثبيتاً لدعائم الحرية، واعتبره آخرون خطوة مبكرة لفرض الحجاب بعد ذلك.

وبالعودة لإيران، فما أن سقط نظام الشاه رضا بهلوي عام 1941م حتى خلفه ابنه في الحكم، وألغى ذلك القرار بالحظر، ولكن لم يكن للمرأة هناك نفس القدر من الحظ لقريناتها في تركيا، فما لبثت أن تهنئ بذلك القرار وتتنفس الحرية حتى قامت الثورة الإسلامية كما أسماها الخميني مُحركُها أو كما أرادها عام 1979م لتكن أول تغييراته في سياسة الدولة أيضاً هي الحجاب، ليتضح بذلك كم كانت قطعة القماش تلك تؤرق فكر الكثيرين من الحكام، حيث فرضه مرة أخرى بل وزاد عليه الشادور كحجاب شرعي (وهو العباءة التي توضع على الرأس مع بقاء الوجه مكشوفاً)، ليقضى بذلك على كل أمل للمرأة الإيرانية في ممارسة شعائرها والتحكم بحياتها كما تريد هي لا كما يريد النظام، فقوانين الثورة تلك مازالت تسري حتى يومنا هذا، بل وتشتد عن ذي قبل بالرغم من تطور لوائح حقوق الإنسان في العالم كافة، فالشرطة مكلفة بإلقاء القبض على من تجد أنها لا تلتزم بالحجاب الشرعي أو كحد أدنى توبيخها، بالإضافة إلى الجماعات الدينية التي تجوب الشوارع لتلقي بالمواد الحارقة على المخالفات منهن دون رادع أمني، ولا تتوقف معاناة النساء حصراً على الداخل، وإنما امتدت حتى خارج حدود الدولة، فقد حُكم على الممثلة الإيرانية مرضية وفاهمر بالسجن عام و90 جلدة لظهورها دون حجاب في فيلم أسترالي، وصدف طاهريان الممثلة التي يتم ملاحقتها قضائياً لنشرها صورة لها عبر وسائل التواصل الاجتماعي أيضاً دون حجاب وغيرهن الكثيرات ممن تعايشوا مع القهر.

وبالتالي ونتاجاً للنظرة المتوارثة عبر كل تلك الحقب التاريخية للحجاب واستخدامه الموجه، فلم يعد مسألة دينية ترجع فقط لدرجة تدين المرأة وقناعاتها والرغبة في ارتدائه إرضاءً للرب وإنما بات مسألة سياسية ترتديه المرأة أو تخلعه مكرهة لإرضاء النظام السائد في البلاد وتوجهاته، فمن أراد الدولة إسلامية أطلق الحجاب وفرضه ومن أراد تقليد الغرب والعلمانية أيضاً امتدت يده لتطاله، فهو أسهل السبل لإظهار التدين من عدمه، واختفت بذلك الوسطية ومنح حرية الاختيار للمرأة صاحبة الشأن والذنب؛ ليتجلى في المقابل الإسلام الظاهري والتدين الشكلي الذي رسخته الثورة الإسلامية وروجت له فكان البحث عن الدين في هيئة الشخص أولاً بغض النظر عن إيمانه الداخلي أو حتى كفره بالمعتقدات الإسلامية التي تنبئ بها هيئته أو خطاياه في الخفاء، وكان الدليل في ذلك التجاوزات التي اقترنت باسم النظام منذ بداية عهده وحاول إخفاءها تحت غطاء الدين من إعدام تعسفي واستباحة دماء المعارضين والقمع والطائفية والاستبداد بحق النساء وكأن تلك الأمور لم يحرمها الإسلام أيضاً أشد التحريم.

ولذلك فكما كان حظر الحجاب قديمًا من أجل الحداثة كان أيضًا فرضه بعد الثورة إكمالًا للصورة التي أراد الخميني إظهارها وليس إعمالًا للدين وأحكامه، فإن كان كذلك لكان الترغيب وليس الترهيب الذي انتهجه كأسلافه والذي بغض الحجاب للنساء وجعل منه رمزاً سياسياً لنظام حديدي تنتظر كل امرأة أن يسقط لتحل قيودها وتمتلك حرية الاختيار التي لطالما تمنتها ولم تنعم بها يومًا فالإكراه على الإيمان لا يصنع إنساناً مؤمناً.

عدد المشاهدات 1006

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top