الإسلام السياسي أم الشمولي؟

12:59 20 يونيو 2016 الكاتب :   محمد عبدالله المطر

منذ بداية فكرة جماعة الإخوان المسلمين عند المؤسس الإمام حسن البنا، رحمه الله، في عشرينيات القرن الماضي، وكانت فكرة «شمولية الإسلام» هي النقطة المركزية التي عمل لها البنا، وكانت كل تحركاته وأفكاره تدور حولها.

وشمولية الإسلام تعني أن دين الإسلام كما عرفه الإمام في "الأصول العشرين": "الإسلام نظام شامل يتناول مظاهر الحياة جميعاً فهو دولة ووطن أو حكومة وأمة، وهو خلق قوة أو رحمة وعدالة، وهو ثقافة وقانون أو علم وقضاء، وهو مادة وثروة أو كسب وغنى، وهو جهاد ودعوة أو جيش وفكرة، كما هو عقيدة صادقة وعبادة صحيحة سواء بسواء".

وهذا الفهم للإسلام حسب ما طرحه البنا كان مستغرباً ومزعجاً منذ بداية طرح الفكرة عند فئات عديدة، منها التيار العلماني والتغريبي في كل مكوناته، وكذلك التيارات الصوفية والسلفية والأزهر الشريف في واقعه المرير، وجوهر فكرة الشمولية هي وجود رأي ديني للعمل السياسي في إدارة الدولة والاقتصاد والعلاقات الدولية وغير ذلك من الأعمال «الحساسة» في واقع حياة الناس.

إن فكرة شمولية الإسلام بالغة الخطورة لمن يريد دولة بلا حدود شرعية ولا حرية ولا مواجهة مع الغرب وأعداء الإسلام، فتطبيق الشريعة بهذه الفكرة الشمولية هي سبب الأزمة الكبرى عند بعض الحكومات في الدول الإسلامية والشخصيات المتنفذة والغرب والدول الكبرى فوق كل ذلك.

إلى هذه الدرجة تكمن خطورة الشمولية! فأقول: نعم إلى هذا المستوى، ولذلك فإن هذه الفكرة اليوم لم تنحصر في جماعة معينة أو شخصيات معينة بل توسعت وأصبحت ركيزة كبيرة عند تيارات إسلامية عدة وشخصيات لم ترتبط بفكرة الإخوان ولم تتلمذ على رموزهم وربما لا تعرف أي أمر عن البنا.

وطرح هذه الفكرة بطريقة متوازنة مثلما يحصل عند أغلب التيارات الإسلامية، أمر مزعج للنخب والدول التي أشرت لها سابقاً، ولا ننخدع بأن بعض هذه النخب والدول تتعامل وتحتاج هذه التيارات الشمولية الوسطية لفترة من الزمن حسب مصالحها وتنخدع هذه التيارات حسب «خيالها الوردي» الطيب بصدق نية هؤلاء، فهي تتعامل معهم مؤقتاً، ولكن لا يغير هذا الأمر من حقدها ورغبتها في التخلص من هذه التيارات وتجفيف منابعها، ولذلك يتعجب بعض من يرصد لهذه التيارات كيف تحارب بعض هذه النخب والدول التيارات الشمولية الوسطية وهي تحارب معهم التطرف وتنشر الوسطية ولا تعاديهم بالسلاح والعنف!

والجواب أن هذه التيارات والشخصيات التي تحمل فكرة الشمولية للإسلام في طرحها الوسطي تعطل مصالحهم في إقصاء الشريعة الحقيقية الشمولية وأدوار الدول الكبرى التي تسيطر على العالم وتحتله بطريق غير مباشر!

إن هذه الملامح تؤدي بنا إلى عدم الثقة في النخب العلمانية والدول في التنازل على الفكر الشمولي الإسلامي بحجة تغيير الطرح ووجود آلية توافقية، فهناك فرق كبير بين التعايش والسياسة بفن الممكن مع التنازل عن المبادئ، وهذا ما حصل وما ظهر من تطورات في خطاب بعض الرموز الإسلامية والجماعات في ترديد عبارة «تركة الإسلام السياسي»، فلا يوجد شيء اسمه «الإسلام السياسي» بل «السياسة الإسلامية»، فالعلمانيون طرحوا عبارة «الإسلام السياسي» وقصدوا بها إبعاد السياسة عن الإسلام، واستعمال العبارة التي يستعملها التيار العلماني هو تنازل كبير عن الهوية الأساسية للفكر الإسلامي الشمولي خصوصاً فكر الإخوان.

لذلك وجدنا لأول مرة المدح والثناء الكبير لهؤلاء وأحزابهم من أشد غلاة التيار العلماني، لأن ما صرحوا به هو غاية ما تؤمن به هذه الخصوم لدور الإسلاميين، ولن أصل للتشكيك بهم وتحجيم تاريخهم، فهذا الأمر لا قدرة لي عليه ولا طاقة فكل تقديري لهم وتاريخهم ولكنهم أحسنوا الظن كثيراً بالتيار العلماني والدول وأحب أن يقدم تيار إسلامي بلا «شمولية»! بحجة التوافق «الوهمي» و«التخصصية» وهذه هزيمة شديدة وتضحية بالتاريخ والفكرة وإن لم يقصدوا ذلك، وإن قاس بعض الناس على تجربة تركيا، فهذا قياس باطل؛ لأن حزب الرئيس رجب طيب أوردغان تأسس بوضوح على العلمانية، ولكن يحاول محاولات إسلامية يشكر عليها.

لا أقلل من أخطاء التيار الإسلامي ورموزه وسلبياتهم في إقامة المشروع الإسلامي، ولكن هذا الأمر لا يجعلنا نقدم تنازلات فكرية من أجل رضا من لم ولن يصدق نوايانا وأعمالنا الطيبة، ولعل ما أكتبه يتبين عكسه في المستقبل، ولكن رأيي أننا مهما تعاملنا وتوافقنا مع خصوم الفكر فلن يهبونا.

المصدر: جريدة "الراي" الكويتية.

عدد المشاهدات 466

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top