أين الرأي العام العربي من القضية الفلسطينية؟

16:59 24 سبتمبر 2016 الكاتب :   د. مصطفى أحمد قنبر

أثار خبر التبرع السخي لدعم مشاريع مؤسسة الدراسات الفلسطينية من قبل صندوق قطر للتنمية، وأنباء تجهيز ناشطين من الغرب لسفن مساعدات لقطاع غزة المحاصر العديد من النقاط التي تستحق الوقوف عندها بشيء من إمعان النظر والتحليل خاصة في هذه الأيام.

فهدف مؤسسة الدراسات الفلسطينية - كما جاء في الخبر - فهي معنية بالمساهمة في إطلاع الرأي العام العربي والدولي على حقائق القضية الفلسطينية وأبعاد الصراع العربي الصهيوني، ونشر الوعي بالقضية.

وقد استوقفتني هذه الجملة من الخبر، وجعلت أتساءل: هل نحن نعيش في أوائل القرن الماضي وقد بدأت إرهاصات الاحتلال الصهيوني البغيض للأراضي العربية الفلسطينية تلوح في الأفق، والعرب وكذا العالم بأسره لم تكن قد اتضحت بعد أمامه الصورة كاملة؟ ألم يمضِ على بداية زرع وتمدد هذا السرطان الصهيوني وتدنيسه لمقدساتنا ما يربو على قرن وربع من الزمان؟ أما تتوالى الأخبار بتدنيس المسجد الأقصى باقتحام الصهاينة له بين الفينة والفينة؟ أَما يعرف العالم كله ما حلَّ بالشعوب العربية من نكبات ونكسات من جراء هذا النبت الخبيث الذي زرعته أيادي المستعمر قبل أن يرحل غير مأسوف عليه عن بلادنا؟

لقد تفتحت أعيننا والقضية الفلسطينية والصراع العربي الصهيوني هما قضية العرب والمسلمين الأولى، بل وقضية كل العالم الحر الذي لا يرضى الظلم ويرفض التسلط واحتلال أراضي الغير، وما زالت الذاكرة حاضرة بما عُلِّق على جدران مدارسنا في مراحلها المختلفة من لوحات للمسجد الأقصى الأسير والآثار الفلسطينية الخالدة وغيرها من الرسوم التي تجسد النضال العربي وقد سطرت عليها عبارات: فلسطين عربية، اللاجئون عائدون، لن ننسى.. وغيرها.

وقد حملت بعض مدارسنا وشوارعنا وساحاتنا ومستشفياتنا وفنادقنا ووسائل إعلامنا اسم: فلسطين، القدس الشريف، الأقصى.

وما زال شريط الذكريات يعيد على الأذهان دروس التاريخ في كثير من مراحل التعليم في عالمنا العربي وقد عُقدت فيها فصولٌ بل أبوابٌ عن القضية الفلسطينية وأبعاد الصراع العربي الصهيوني، ناهيك عن دروس المطالعة والأدب في مناهجنا وهي تحكي فصولاً من هذه المأساة، فمازال تفاعل الأدب العربي بكل أجناسه مع القضية الفلسطينية حاضرًا وقد زخرت به الدراسات النقدية الحديثة رصدًا وتحليلاً ودراسة، هذا فضلاً عن مئات البحوث العلمية والرسائل الجامعية الكثيرة التي كانت القضية الفلسطينية محاورها الرئيسية.

ولم يكن الفن غائباً عن هذه المشاهد، بل كان حاضرًا بقوة بشتى صوره وألوانه في توعية المتلقين من الجماهير العربية بالقضية وأبعادها، مستلهماً الحوادث التاريخية الكبرى، وقد كان حجم التفاعل كبيرًا.

ولم تخلُ خطب القادة العرب وزعماء الأحزاب السياسية من الـتأكيد على "الدعم الكامل للقضية حتى ينال الشعب الفلسطيني كامل حقوقه المشروعة وإقامة دولته وعاصمتها القدس الشريف"، ومن كثرة تكرار هذه العبارة حفظناها وحفظتها الأجيال، وكانت القضية حاضرة في كل مؤتمرات القمم العربية، وكذا اجتماعات ومؤتمرات منظمة التعاون الإسلامي، التي تأسست باسم منظمة المؤتمر الإسلامي عقب الحريق الإرهابي الإجرامي للمسجد الأقصى عام 1969م، وأَنشأت فيما بعد (عام 1975م) لجنة دائمة باسم "لجنة القدس"، واستحدثت وكالة تابعة لها تسمى "وكالة بيت مال القدس الشريف" عام 1995م.

بَيْدَ أنَّ الحملات المسعورة والمأجورة رأساً من هذا الكيان الإرهابي، والتي تلت معاهدات السلام العربية مع العدو الصهيوني الغاصب لا تكف بأصواتها المنكرة وشعاراتها المسمومة التي ترفع من نواحٍ ومنبر عدة، لا تكف عن الدعوة إلى التطبيع وضرورة التعايش مع هؤلاء القتلة، وعدم التطرق في المناهج الدراسية لكل ما يمس حقائق الصهاينة، وقد نظمت لبعض هؤلاء المأجورين رحلات إلى الكيان الغاصب، ومنحت تأشيرات لهم تحت مسمى زيارة الأماكن المقدسة! وإلى الآن - وبفضل الله - لم تنجح هذه الحملات النجاح المأمول، وكان آخر الصفعات المدوية لهذه الحملات على وجه هذا الكيان الغاصب ومأجوريه رفض اللاعب المصري إسلام الشهابي مصافحة اللاعب "الإسرائيلي" في دورة الألعاب الأولمبية 2016م، وغيره كثير ممن جاهر برفض التطبيع مع القتلة المغتصبين.

لكنني سرعان ما عدت إلى نفسي قليلاً، وقد ملأت بؤر الصراعات الكثير من البقاع في بلادنا العربية، وكل قد ولى وجهه شطر مشكلاته وأزماته المتباينة، وقلت في نفسي: قد كنا في أواخر القرن الماضي نعاني من بؤر مشتعلة في لبنان والصومال والجزائر، وإلى الآن لم تنطفئ نار الحروب الداخلية في الصومال، ثم ما لبثت أن ظهرت مشكلات العراق التي تفاقمت أكثر مما كان يُتصور، وما إن جاءت ثورة الياسمين التونسية حتى تفجرت ثورات وبؤر أخرى، لا تمر ساعة من نهار أو ليل حتى تنهال علينا سيول من أخبار: قتلٍ وقصف وتدمير وتشريد وسجن واعتقالات وانتهاكات لحقوق الإنسان وتدخلات سافرة من هنا وهناك.

وفي خضم كل هذا تخرج بعض التصريحات من بيننا بنفي الإرهاب عن جرائم الصهاينة ليس عن قتلهم للشباب والرجال بل عن قتل الأطفال! أي منطق أعوج هذا؟! ومن ثَّمَ فالقتيل إذن هو الإرهابي! هكذا انقلبت الموازين فصار هذا الشعب المنافح المدافع عن حقوقه المرابط عند مقدساته بنسائه وشبابه وأطفاله وحتى شيوخه - في نظر البعض - إرهابيًا، وأصبح من يقتل الأطفال مسالماً بل وداعية إلى السلام! هل كنا في ساعة من نهار أو ليل يساورنا شك في إيماننا بقضيتنا العربية؟ هل تصورنا يومًا أن يأتي أحد - من بني جلدتنا - ليجهر مدافعًا عن هؤلاء المغتصبين الإرهابيين؟ أليست دماء شهدائنا في الجبهات العربية شرقاً وغرباً - التي مازالت تنزف إلى اليوم - ما فتئت تكف بعدُ عن المطالبة بالأخذ بالثأر من هؤلاء المفسدين وتطهير الأراضي من دنسهم، وحماية المقدسات والأعراض وصيانتها من عبثهم؟

لقد أضحت القضية الفلسطينية وما نتج عنها من صراع عربي مع الصهاينة قضيةً إنسانية وأخلافية بكل أبعادها، جعلت غير العرب وحتى غير المسلمين يعلنون تضامنهم مع شعبنا الفلسطيني المنكوب والمحاصر، ويجهزون سفناً محملة بالأغذية والأدوية وغيرها لدعم هذا الشعب المحاصر من حر مالهم، معرضين أنفسهم للمهالك حيث ضاقت عليهم دروب المسالك، وأغلقت في وجوههم كل المعابر، ولك أن تتعجب - ولا عجب - أن تجد من يقف مناصراً لفلسطين من اليهود غير الصهاينة في الوقت الذي نرى فيه من ينفض يديه من القضية، بل ويجاهر بذلك دون حياء من نفسه وأمته.

وبعد، فنعم ثم نعم لابد من إيقاظ الوعي العربي من سباته العميق من جديد، وبعث روح الحماسة فيمن ركن إلى الإحجام متخوفًا من الموت:

لا يركنَنْ أحد إلى الإحجامِ           يوم الوغى متخوفًا لحِمام

وشكرًا ثم شكرًا لمن ابتغى ذلك وقدم الدعم والعون للشعب المحاصر في الأراضي المحتلة نصرة للحق والعدل، وسحقًا ثم سحقًا لمن خذل هذا الشعب وتخلى عن مقدساته.

عدد المشاهدات 938

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top