باحث مصري سنة 2055م!

14:25 14 مايو 2017 الكاتب :   محمد فتحي النادي

- الصحف والبرامج التلفازية والأحكام القضائية وسائل الباحث في التاريخ للوصول لما يريد

- الباحث في التاريخ لا يعلم حقيقة الإعلاميين والقضاة والكتَّاب الذين يمثلون مصادر في استقاء المعلومة

- على الباحثين من الحركات الوطنية والثورية أن يؤرّخوا لهذه الفترة بأدواتهم هم

- الإعلام أوجد حالة من الكراهية للثوار والتحفز ضدهم واستحلال مالهم ودمهم

- الثقافة والفكر والإعلام من أكبر العوامل المؤثرة في الصراع.. والنصر لمن يمتلك الإمكانات

 

لك - أيها القارئ الكريم - أن تتصور أن باحثاً مصرياً أو عربياً أو حتى أجنبياً ولد عام 2030م، وعندما بلغ هذا الإنسان مبلغ البحث والتنقيب والكتابة والتأليف أراد أن يكتب عن الثورة المصرية والحركات الثورية والجماعات الدينية والأحزاب السياسية إبان فترة «الربيع العربي»، تلك الثورة التي ذاع صيتها آنذاك، وأذهلت العالم، والتي كان لها دور كبير ومؤثر فيما تلاها من ثورات في المنطقة، التي تحرر فيها الشعب من نظام صادَرَ حريته عقوداً طويلة، واختار من يمثله في الانتخابات النيابية ومن يحكمه بكل حرية.. وأراد هذا الباحث أن يعرف ما الدور الوطني للحركات الثورية والجماعات الدينية والأحزاب السياسية في البناء والتعمير.

لا شك أن هذا الإنسان الباحث سوف يبحث عن مصادر ومراجع يرجع إليها ويستفيد منها؛ ليوثق تلك المرحلة، وليعرف ما الذي حدث فيها بالفعل، فيقارن الأحداث، متحرياً الصادق منها، وطارحاً المكذوبة والمختلقة، وذلك بما يملكه من أدوات المؤرخ والباحث المنصف.

وهو في طريق البحث سوف يذهب إلى دار الكتب المصرية للاطلاع على الأرشيف من الجرائد والمجلات والصحف التي كانت تصدر في هذه الفترة؛ لمعرفة مجريات الأحداث والأمور.

وسوف يطلب الاطلاع على صحف «الدستور، والوطن، والمصري اليوم، وروز اليوسف، والأهرام، والأخبار، والجمهورية، وفيتو، والفتح، والمصريون، والفجر، والوفد، واليوم السابع، والبديل..».

وسيجد أن هذه الجماعات والقوى والشباب المصري الذي صنع التغيير كانوا إرهابيين سفاحين قتلة، يحاربون الوطن، ويتفننون في إشعال الحرائق، وتخريب الوطن، وترويع المواطنين، وأنهم كانوا يتاجرون بالدين، ويقومون بصناعة الأزمات الاقتصادية، ويحرقون الكنائس، ويقتلون المسيحيين.

وسيجد صوتاً ضعيفاً جداً وخافتاً من خلال بعض المطبوعات والجرائد مثل جريدة «الحرية والعدالة» للدفاع عن الثورة ومنجزاتها؛ التي كانت الجريدة الوحيدة الفريدة التي كانت لسان حال حزب الحرية والعدالة الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين وأكبر حزب سياسي جماهيري ولد في أعقاب الثورة، هذا الحزب الذي كانت له الأغلبية في مجلس النواب، ووصل رئيس هذا الحزب إلى سدة الحكم في مصر.

وسوف يوسع هذا الباحث دائرة بحثه عندما يرى هذا الكم الهائل من التهم والجرائم التي ارتكبها أفراد الحركات الثورية والجماعات الإسلامية، والمتهمة بقطع الطرق العامة وترويع المواطنين، وأنهم فعلوا أفاعيل مخزية، بل واتهام رئيس الدولة بتسريب أسرار الدولة إلى دول عربية وإسلامية وحركات مقاومة، وكذلك الوزراء بأنهم شاركوا في قطع الطرق.

هؤلاء جميعاً اتُّهموا بأنهم كانوا يريدون حرباً أهلية، وسعوا في إشعال وقودها، لكن الجيش تدخل لحماية الدولة والأمة من ذلك!

وبعد الاطلاع على كل هذه الأحداث، فإن الباحث سيأخذه تفكيره إلى الذهاب إلى النيابات العامة والمحاكم، وسوف يحاول الاطلاع على محاضر التحقيق.. وسيرى كيف اعترف هؤلاء على أنفسهم، وأقروا بكل التهم المنسوبة إليهم.

ثم يطّلع على الأحكام وحيثياتها، والتي نطق بها القضاة، وكيف أنهم حكموا بالإعدام – مثلاً - على نحو خمسمائة فرد اشتركوا في قتل ضابط بالمنيا.

وكيف أن النساء والأطفال اشتركوا في هذه الجرائم الآثمة؛ مما دفع القضاء الشامخ العادل إلى الحكم عليهم بالمؤبدات والأحكام المشددة!

ثم إن هذا الباحث سوف يبحث عن البرامج التي كانت تتابع وترصد هذه القضايا في تلك الفترة الحرجة من تاريخ مصر.

وسوف يشاهد الضيوف والمداخلات، وكيف أنهم كانوا يصبّون جام غضبهم على الثوار والإسلاميين، بل ويدعون لقتلهم في الشوارع دون محاكمة.

ولكن – للأسف - هذا الباحث لا يعلم حقيقة هؤلاء الإعلاميين الذين أذاعوا هذه الأخبار، ولا يعرف مدى عدالتهم ونزاهتهم.

ولا يعرف هؤلاء القضاة الذين أصدروا هذه الأحكام، ولا وكلاء النيابة الذين قاموا بالتحقيقات.

فهذا الباحث سيخرج من خلال بحثه واطلاعه بنتيجة مفادها أن هؤلاء الثوار شياطين خونة قتلة لا يرقبون في الوطن والمواطن إلاًّ ولا ذمة.

وأظن أنه لا تثريب على هذا الباحث في النتائج التي سوف يصل إليها؛ لأنه استفرغ وسعه في البحث والاطلاع، وعدّد مصادره، ولم يكتفِ بمصدر واحد، بل اطلع على ما وصلت إليه يده من تراث مرئي ومقروء.. إلخ.

وهذا يقودنا إلى سؤال مهم وهو: كيف يُكتب التاريخ؟

ونترك الإجابة عنه للعلامة ابن خلدون الذي رسم الطريق لمن همّ بالكتابة في التاريخ، ومن أراد الاشتغال بصنعة التأريخ فقال: «اعلم أنّ فنّ التّأريخ فنّ عزيز المذهب، جمّ الفوائد، شريف الغاية؛ إذ هو يوقفنا على أحوال الماضين من الأمم في أخلاقهم، والأنبياء في سيرهم، والملوك في دولهم وسياستهم، حتى تتمّ فائدة الاقتداء في ذلك لمن يرومه في أحوال الدين والدنيا.

فهو محتاج إلى مآخذ متعدّدة ومعارف متنوّعة وحسن نظر وتثبُّت يفضيان بصاحبهما إلى الحقّ، وينكبان به عن المزلات والمغالط؛ لأنّ الأخبار إذا اعتمد فيها على مجرد النقل ولم تحكَّم أصول العادة وقواعد السياسة وطبيعة العمران والأحوال في الاجتماع الإنساني، ولا قيس الغائب منها بالشاهد والحاضر بالذاهب فربما لم يؤمن فيها من العثور ومزلّة القدم، والحيد عن جادّة الصدق.

وكثيراً ما وقع للمؤرّخين والمفسّرين وأئمة النقل من المغالط في الحكايات والوقائع لاعتمادهم فيها على مجرّد النقل غثّاً أو سميناً، ولم يعرضوها على أصولها، ولا قاسوها بأشباهها، ولا سبروها بمعيار الحكمة والوقوف على طبائع الكائنات، وتحكيم النظر والبصيرة في الأخبار، فضلّوا عن الحق، وتاهوا في بيداء الوهم والغلط». (مقدمة ابن خلدون، ص 13).

وعليه؛ فإنه يتعين على الباحثين ممن انتموا إلى الثورة المصرية وغيرهم من الباحثين والكتَّاب المنصفين أن يؤرّخوا لهذه الفترة من خلال كتب مطبوعة كثيرة جداً؛ حتى تسد هذا العجز والنقص القائم في الإصدارات المطبوعة من الجرائد والصحف.

وعلى الوطنيين من كل أطياف الثورة أن يكثروا من الفضائيات المرئية؛ لتقوم بعملية توازن وتصحيح مفاهيم للأفكار المسمومة التي يبثها الإعلام المضاد في عقول المواطنين صباح مساء.

فالإعلام خلق حالة من الكراهية ضد الثورة وشبابها وشيوخها، وتحفّزٍ ضدهم، واستحلال لمالهم ودمهم وعرضهم.

وهذه الحالة سوف تظل في الأذهان ما لم تأتِ مؤثرات أخرى تزيل هذه الحالة، أو على الأقل تشكك فيها، وتطعن في سياقاتها.

وإذا لم نتنبه لذلك؛ فلا نلومنَّ أحداً إن عابنا التاريخ وذمّنا وقدح فينا، فالتاريخ يكتبه الأقوياء المنتصرون، وكلٌّ يكتب التاريخ من رؤيته ونظرته.

وكنا نتعجب كيف يتم تزوير التاريخ، فإذا بنا نرى التاريخ يزوّر ونحن نعيشه، يزوّر ونحن ما زلنا جزءاً منه، وشاهداً عليه.

إن الصراع في أحد تجلياته صراع فكري وصراع إعلامي، فهو ليس صراعاً أيديولوجياً فقط، أو صراعاً سياسياً فقط.

والثقافة والفكر والإعلام من أكبر العوامل التي تؤثر في هذا الصراع، والنصر محجوز لمن يمتلك الإمكانات، ويصبر على تثبيت وجهة نظره.

أما من يعيش دور المظلومية ولا يحاول أن يغيّر من واقعه فلا يلومن إلا نفسه، ولا يحزن إن تحول إلى بقعة سوداء في كتاب التاريخ، يمقتها كل من يطالعها، ولا يتعاطف معها.

فما زال هناك ما يمكن تداركه من التقصير بفهم أدوات الصراع، وكيفية الاستفادة بها، وإلا ظلمنا أنفسنا والأجيال اللاحقة لنا.>

عدد المشاهدات 460

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top