العودة لجيل "شوقي بيك"

13:03 24 مايو 2017 الكاتب :   م. محمود صقر

كان مهندساً شاباً تخرج في منتصف الثمانينيات وعمل بمشروع مهم وكبير في وسط مدينة الإسكندرية المصرية، تابعاً لوزارة التعمير.

وفي العشر الأواخر من رمضان أخذ إجازة ودخل في الاعتكاف في أحد المساجد، جرياً على السُّنة النبوية التي بدأت في الانتشار من بدايات الثمانينيات من القرن الماضي.

تم استدعاؤه من الاعتكاف لحضور اجتماع مهم يحضره لفيف من المسؤولين ووكلاء وزارة التعمير، فقد كان برغم حداثة سنه وخبرته عنصراً مهماً في الجهاز الفني للمشروع نظراً لاجتهاده ومعايشته للمشروع من بدايات تخطيطه.

حين دخل الاجتماع كانت لحيته طويلة بخلاف هيئته المعتادة، تطوع مديره المباشر لشرح أسباب طول لحيته بأنه معتكف، وهنا سأل المهندس شوقي، أحد وكلاء الوزارة الكبار: وما معنى الاعتكاف؟! فتولى الشاب شرح أبجديات الاعتكاف.

وهنا بدأت الأسئلة تتوالى من المهندس شوقي: وتنامون في المسجد؟ نعم.. وتأكلون في المسجد؟ نعم.. وهل هذا يرضي ربنا؟! وهل المسجد سوى للصلاة؟ وأليس الإسلام يوجه أتباعه للعمل وأنتم تبتدعون اعتزال الحياة والاعتكاف.

ثم تلا معنى حديث نبوي يحث على العمل (ليس بنصه)، وهنا بدأ زملاؤه من وكلاء الوزارة إبداء إعجابهم بحججه صائحين: "برافو "شوقي بيك" إنت معلوماتك الدينية عظيمة جداً"!

وبكل هدوء شرح الشاب كيف يقضون يومهم وليلتهم داخل المسجد، وكيف ينظمون أنفسهم كفرق عمل تترك المسجد نظيفاً ومؤهلاً لاستقبال المصلين، ثم تطرق لموضوع العمل وقال: إن الإجازة حق للموظفين منهم من يستغلها للمصيف أو السفر أو الراحة وأنه اختار أن تكون إجازته في الاعتكاف.

فقال "شوقي بيك": ومتى تخرجون من الاعتكاف؟ ينتهي الاعتكاف بثبوت رؤية هلال شهر شوال، ولكننا نستمر حتى إعداد الساحات لاستقبال المصلين لصلاة العيد.

صلاة في الساحات؟! تتركون المسجد وتصلون في الشوارع والساحات؟! وهل هذا أيضاً من الدين؟! أنتم بحق جيل غريب، وربنا يستر على البلد من أفعالكم!

هذا حوار بين جيلين جيل الستينيات وما قبله وجيل السبعينيات وما بعده.

حوار يأخذ شكل صراع حول هُوية الأمة بعقيدتها وتقاليدها وتراثها وتاريخها، صراع نجحت فيه دُوَل بسلطتها وأجهزة إعلامها ومؤسساتها الثقافية والتعليمية في خلق جيل "شوقي بيك"، ونجحت فيه أجيال السبعينيات والثمانينيات في بعث روح الهُوية الإسلامية على المستوى الشعبي.

ومازال الصراع محتدماً بين إعادة إنتاج جيل الهزيمة، جيل "شوقي بيك"، وجيل يقود الحداثة والتقدم منطلقاً من جذور هويته.

وستظل أمتنا في حالة "تمزق" بحسب وصف صامويل هنتنجتون في كتابه "صدام الحضارات" للدول التي تعيش مرحلة "صراع الهوية".

تمزق، لأن الإسلام من الأمة بمثابة الجلد من الجسد، هو الذي يعطيها شكلها ويحفظ سلامة أعضائها ويوحد كيانها، وهو مركز إحساسها وشعورها، فإن أبت الأمة إلا معاندة فطرتها والانسلاخ من جلدها فقد عرضت نفسها للتلف والألم والتشوه.

عدد المشاهدات 682

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top