لوحة سيريالية

16:57 15 مارس 2018 الكاتب :   د. سيد شعبان

يبدو أن الخيول متعبة؛ طال الشتاء، هذه أيام قل فيها الحب، تجمدت الشوارع المحيطة بنا، تبعثرت خيوط الحكايات المختزنة لليله الطويل، لا شيء غير الملل والانتظار المقيت، يخبو ضوء المصباح؛ أوشك السواد أن يفترس العمر، إنه زمن اشتهاء الأحلام الجميلة، حتى الوجوه صارت ممتلئة بخيوط الكآبة، لا أحد يهتم بواجهة بيته، النساء هن الأخريات أهملن زينتهن ما عدن متبرجات بزينة، تفر القطط إلى الحارات الخلفية غير آبهات بحنين العجائز، حقا لقد خيم الصمت على النوافذ، يرتد صداه مطبقا على الحجرات المثقلة بالوجع، في الجهة المقابلة ثمة احتفاء مثير، يتراقص عقرب الساعة مخمورا، تتصارع الشهوة كأنما هي غابة تفترس الحملان، تدور طاحونة الرغبة الضالة التي ظلت عالقة في خيوط العنكبوت، ليل في حمرة الشفق، نجوم تقترب من السفح، الشمس والقمر يتجاذبان اللهو في عالم ثمل من عربدة الشيطان، في الجهة المقابلة أطفال يتجنبون النهار، يسكنون أقبية الموت، السماء تلقي بكتل نار، أحقا هذه لوحة سيريالية بكل ما تدل عليه هذه المفردة التى صارت عنوانا لعصر انفلت من قيده؟!

في نشرة الأخبار أرقام الغرقى الذين ابتلعهم البحر، ويا للأسف لم يذكر أين استقرت بطاقات هويتهم!

تحوم الغربان في السماء، لقد فرت أسراب الحمام، لم يعد غير اللون القاتم الذي يعبر عن عبثية المكان وتفاهة الإنسان.

حاولت جاهدا أن أطرد تلك الهلاوس التي لازمتني طيلة هذا الشتاء، الموقد الحجري لا يعطي غير دفء باهت، الطعام هو الآخر محشو بالروتين اليومي لا جديد غير أن الألم يزداد، الفراغ هو عنوان يناسبني بل أصبح حتما علي أن أتعامل معه، اعتدت أن أهرب من هويتي، أخذت أتعامل ببلاهة مع المحيطين بي، فكرت أن أبدل ثيابي التي تشي بي، وضعت رابطة عنق خضراء، متى رآها القابعون في السرداب المطبق عليهم أشعرهم بأن الأمل يلوح بعيدا، لكن أحدا لا يخرج منه، يبدو أنهم ناموا مثل أهل الكهف، أبحث عن مدخل آخر إليهم، ترى هل سأجد لجسدي المثقل بحمله فرجة بينهم؟

لا أحد يعرفني، لا يهم فكل هؤلاء مثلي لا يعطون للواقف عند البوابة بطاقة هوية، يعرفهم بسيماهم؛ الحزن والعجز والنحول، وفقدان الرغبة في تعاطي الحياة!

وحده يتململ من ذلك الغبش الذي يعلوه، الصافنات الجياد تضرب بقوائمها، يستحثهم أن يتحركوا بعيدا عن المدخل المرصود!

صرت أكثر ولعا بما فات، رهين شارع النسيان الذي أمسك بخلايا مخي، أحاول أن أهرب من أبعاد اللوحة المتداعية رغما عني تتشبث بي ألوانها؛ قيل لي في يوم : الأسود لا يليق بك!

تساءل البعض: لم هذا الوشاح يلوح وشما فوق وجوه كانت في يوم تغازل القمر، انتبهت فقد انتهت الساعة المحددة للصحو، علي أن أقبع مجددا في ممر السرداب، هذه حالة تلازم القيد الذي كلف بي دائما!

هذه توجب علي التسربل بأغطية جدتي العتيقة، لا نفع من تلك المصنعة في بلاد لا تعرف للحياة غير طلقات مسمومة، في بلادنا عاش الإنسان مرفوعا فوق رؤوس الأشجار، أنتمي لهذا الثرى المشمول بعبق الزمان وحلاوة الأمل، أتجذر بأعمق طيات الوادي.

عدد المشاهدات 376
وسم :

موضوعات ذات صلة


  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top