لعب في الجينات (قصة قصيرة)

19:51 03 نوفمبر 2018 الكاتب :   د. السيد شعبان

جاءني رجلان يخفيان وجهيهما، فارعا الطول، يبدو أنهما يبحثان عن شيء ما، أمسكا بي، مقيَّداً وضعاني في حجرة معتمة، أخذا في استجوابي: من تكون؟

أجبت في تضرع: فقير يجوب بلاد الله، لا أعرف إلى أين، أبحث عن كسرة خبز؛ منذ أيام لا أتذكر أنني أكلت شيئا، رجني أكبرهما؛ حيث يمسك بهراوة غليظة أنت تكذب، يقال: إنك ماكر، تتواجد في أكثر من مكان في وقت واحد؛ تتحرك مثل ظل الشمس، من أبوك؟

ترددت في الإجابة؛ لم يسألني أحد هذا السؤال من قبل.

هذا ليس بسر، الناس تناديني بابن هندومة، لا أب لي، وهل لمثلي يسكن الشوارع ويبيت على الأرصفة أب؛ الآباء يحمون الأبناء من الكلاب الضالة؛ وهذا جسدي كما ترون أشبه بمتعرجات وهضاب، أحيانا أنسى كوني إنسانا، أحشر جسدي في أية خرقة بالية، أبحث في صناديق القمامة عما يسد لهب معدتي، في داخلي نار تشوي.

من أين أتيت؟

سؤال لا أعرف له إجابة، ربما من حارة منسية أو من شارع تسكنه المطاريد، حقيقة لم أتوقع أن يسألني سائل عن وجودي؛ على هامش صخب الأيام أدب في الأرض، صاحبت الكلاب والقطط الضالة، تراكمت على جسدي أوساخ الطرق، كلما مررت بمكان قذفني الصغار بالحجارة؛ عشت مطرودا منفيا، يتشاءم الناس من شكلي، بعضهم يضع أنفه حين يمر بجانبي مكرها، صدقني يا سيدي لم أفعل شيئا، كل ما أبحث عنه شربة ماء، أن يهتم بي الآخرون، كثيرا ما أسأل من أين يأتي هؤلاء الأطفال، لم أشعر يوما أنني كنت مثلهم!

بدأ الآخر يخرج ورقة بها صورتي، يصيح في غضب: ألست أنت؟

يا للهول إنه يشبهني، نفس ملامحه، لكنه نظيف الجسد، يرتدي ثيابا جميلة، محاط برابطة عنق، هل أنا هو؟

تعودت أن أصدق رجال الأمن؛ إنهم بارعون جدا، بل لا يكذبون، لا أصدق تلك المخاوف التي يحدثني عنها هؤلاء المنفيون مثلي تحت واجهات المحال أو ممن يسكنون الحارات المظلمة.

ركلني الأول، أمرني أن أقعى مثل الكلب، استجبت له، لم أتعود على الرفض، وهل لمثلي قدرة على الاحتجاج؟

أخذت أتمعن في الصورة جيداً، بالفعل هي لي، أو على أقل تقدير تتماثل مع وجهي تماما، ألم أقل لكم : يطلعون على مخبوء أجهله، نعم إنها لي، هنا بدآ يتعاملان معي بطريقة مهذبة، سنحلق لك لحيتك، ترتدي ثياب رجل آخر، بل أعطياني بطاقة هوية ممغنطة.

نحتاجك لتكون حالة متفردة؛ كيف لنا أن نغير البشر أو نظهر مقدرتنا في اللعب في الجينات أو الأفراد حتى يصيروا أكثر طواعية لما نهدف إليه.

انزويا بعيداً، من خلال ثقب بالباب بدأت أنظر لما يريدان فعله بي: يحلقان لحيتي الكثة التي تنبئ عن رجل يعيش في كهف منسي، بالتأكيد توجد عصا وسوط ليقوما اعوجاجي؛ ورق وأقلام؛ ثياب نظيفة، مرآة وأدوات زينة؛ يبدو أنني سأتخلص من تلك الشخصية التي ارتهنت داخلها، صورة فتاة ذات شعر مرسل، وجهها أشبه بالعذراء مريم.

تترقب بالخارج أجهزة القنوات الفضائية، عرفت هذا من تسولي في الشوارع؛ حدث مرة ومرة أنهم كانوا يعطون المارين علب الحلوى ومن ثم يجرون معهم حوارات عن أهمية الاحتفاء بما تم إنجازه.

أصوات تتابع من خلال الباب المجاور: إنه غير مؤتمن، لم يروض بما فيه الكفاية، علينا أن نعلمه كيف يمسك بالملعقة جيداً، إنه يعيش حياة أشبه بقرد أفريقي، لم نجر له تحليل الحامض النووي؛ إنه لا ينتمي لجينات الطبقة المقصودة، ندعه يقبع في المشفى مدة تناسب تكفي لتعديل سلوكه، صوت آخر يبدو أنه لشخصية نافذة: اذهبوا به إلى السيرك القومي؛ هناك تستطيعون تعديل سلوكه، هذه وسيلة مجربة من قبل.

نهضت من نومي مذعوراً، استعذت بالله من الشيطان الذي يسكن داخلي.

عدد المشاهدات 1980

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا

fram

Top