حكاية من شاطئ الفنطاس(1)
رسلان الخالد.. قصة أخرى

15:12 08 يوليو 2019 الكاتب :   علي سويدان

هنا على شاطئ الفنطاس(1) وروزنامة العجيري في الصباح تشير في تاريخها إلى صيف عام 1977م، ولن يكون الأمر مفاجأةً يوم الجمعة إذا وجدتَه أمام منزلك في الصباح الباكر يقرأ الصحيفةَ في سيارته!

وبعد التحية.. سيسألُكَ: هل فطرتم يا عم؟

صاحب روح نقية ونفس دمثة، يأخذ الحياة ببساطة، رجل شطرُهُ دُعابة.. والشَّطرُ الآخَرُ ساعٍ في عمل الخير، لم تكتب له الأقدار أن يتزوج؛ بيته بيوت مُحبيه وأهله الفقراء والمساكين، وهب حياته من أجلهم.

أمضى أيامه ولياليه في جولة بين اثنين؛ ميسورٍ يأخذ بيده حتى يُخرجَهُ من شُحِّهِ، ومعوزٍ متعفف يشدُّ له ساعِدَه، لو مررت به وطرقت عليه الباب ووجدته في داره فتلك نادرة من النوادر، فإن لم تجده في بيته في "خيطان"(2) لا بد أنه في خيمة على شاطئ الفنطاس، رجل مولع بهدير البحر، لم يعرف أحد حتى الآن ما سره مع البحر!

كل من يجلس إليه ظن أن لا هموم لديه، قالها له غير واحد: أنت لا زوجة عندك ولا ولد فمن أين يأتيك الهم؟!

لكن الجواب أو التعليق على تلك العبارة كان واضحاً وجلياً حين رحل الحاج رسلان الخالد(3) ومضى على رحيله أشهر وبضعة أسابيع ظهر همّه الذي كان يخفيه خلف دعابته وبانت مسؤولياته التي حملها على عاتقه؛ شكت عشرات العائلات اللاتي كُنَّ في رعايته وعنايته، سأل عن غيابه فقراء ومساكين معوزون كانوا في دائرة اهتمامه.. يسكنون خلف تلك الدُعابة في حديثه، ويعيشون على ابتسامته العريضة.

نعم هو صاحب ابتسامة عريضة مربوع القامة، جهوري النبرة، تقاسيم وجهه كأنها منحوتة من صخر.. أشهر كلمة على لسانه: نعم يا عم، تعال يا عم، اجلس يا عم، اسمع الكلام يا عم..

صلى مرة في أحد المساجد بحي متواضع، فرأى أطفالاً فأعطاهم بعض علب من التين المجفف ففرح الأطفال بها، وفي اليوم التالي جاء إلى المسجد بعض المحتاجين من الحي يسألون عنه يريدون تيناً، فلما علم بعد فترة بذلك.. شاهده الناس وقد جاء بحمولة ضخمة من التين ووضعها عند مسجد الحي وقام بتوزيع التين على كل بيت في الحي.

كان كثيراً ما يردد الحكمة التي تقول:

ما لي أرى الشمعَ يبكي في مواقدهِ             من شدَّةِ النار أم من فُرقةِ العسلِ

من لا تُجانِسُهُ احذرْ تُجالِسُهُ                   ما ضَرَّ بالشمعِ إلا صُحبَةُ الفُتُلِ

رحل الحاج رسلان علي الخالد وترك في كل زاوية بصمة له؛ فعند التجار كان المذكِّر لهم بواجباتهم، ومُعيناً لهم على تأدية الحق في أموالهم، وبين المحتاجين كان اليد الحانية عليهم، الساترة على عوزهم، رحل رحمه الله في 25/ 12/ 1984م.

لن تذهب الصورة من ذاكرتك أبداً إذا كُنتَ من الذين حضروا جنازة الحاج رسلان الخالد؛ لأنك بالتأكيد لم تجد يومها موضعاً لقدمك، لكنك وجدتَ بلا شك قلبك هناك حيث الروحانية والسكينة.. وحكاية تجددها الناس من جيل إلى جيل، عنوانها أن البِرَّ لا يبلى.. تلك قصة أخرى.

 

———————

الهوامش

(1) الفنطاس: بلدة قديمة في الكويت على شاطئ الخليج العربي.

(2) خيطان: منطقة كانت زراعية في الكويت نسبة لرجل قطنها اسمه "خيطان العتيبي".

(3) رسلان علي الخالد 1919-1984م من مدينة سلميّة في سورية.

  • عنوان تمهيدي: حكاية من شاطئ الفنطاس(1)
عدد المشاهدات 3295

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top