فقه المواطنة
نحو تعزيز المواطنة الإثيوبية من أجل "إثيوبيا واحدة"

16:36 24 يوليو 2019 الكاتب :   ياسين أحمد بعقاي

 

إثيوبيا دولة تجمع بين التنوع الثقافي في الأعراق والقوميات والديانات واللغات. 

وهذا التنوع الثقافي في إطار الوحدة الوطنية الإثيوبية يعتبر مصدر من مصادر الثراء والتنمية الشاملة إذا تم استثماره من الشعب والدولة الإثيوبية بطريقة حضارية وعلمية وعقلانية، من خلال تعزيز مفهوم المواطنة الإثيوبية العادلة التي تقوم على ضمانة قوانين الدولة في توفير الحريات العامة وحقوق الإنسان، منها الحقوق السياسية والثقافية والاقتصادية في ظل التحول الديمقراطي في أثيوبيا.
وكما أن المواطنة العادلة هي عامل من عوامل الوحدة للإثيوبيين.
هل ننظر إلى التنوع الثقافي الإثيوبي على أنه محنة أم منحة، نقمة أم نعمة؟

أنا انظر إلى هذا التنوع في إثيوبيا على أنه منحة ونعمة من الله عز وجل ولابد أن نحسن استثماره حتى نساهم في نهضة إثيوبيا اقتصادياً وثقافياً واجتماعياً.. وهذا يتطلب أن نغير نظرتنا للآخر. نحن الإثيوبيون تعالوا بنا نتعارف ساعة لأن التعارف الحقيقي يساهم في التعايش السلمي بين الشعوب والديانات.. وقد يكون محنة ونقمة علي إثيوبيا إذا لم يتحرر الإنسان الأثيوبي من العصبية لقبيلته أو قوميته أو لغته أو دينه أو ثقافته وتبنى النظرة العدائية للآخر الذي يختلف معه بالرغم مع أن هذا الاختلاف والتنوع حكمة وآية من آيات الله وقدر من الله قدره على الإنسان.

يقول الله عز وجل: ( يا أيها الناس إنا خلقنكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوب وقبائل لتعارفوا إن أكرمك عند الله اتقاكم) تعالوا نتعارف على بعضنا البعض.. كثير منا يعلم القليل عن قوميته ودينه ويجهل الكثير عن القوميات والأديان الأخرى.

الإنسان عدو ما يجهل وكثير منا الإثيوبيين يسخر من الآخر ويخاف من الآخر بسبب المظالم التاريخية بين القوميات وسياسة التهميش التي مورست على بعض القوميات والديانات من بعض القوميات والديانات الإثيوبية التي كانت لديها السلطة المركزية لقرون.. ولكن لابد أن نفرق بين السلطة السياسية التي كانت تتكون من النخب المنتسبة إلى بعض القوميات وبين الشعوب المنتسبة لهذه القوميات سواء كانت أقلية أو أغلبية لأن كثيراً من هذه الشعوب والقوميات كانت ضحية لنخبها السياسة المستبدة والتي كانت مدعومة من بعض القوى المتحالفة داخلياً وخارجياً.
صحيح إننا لا نستطيع أن ننسى التاريخ والماضي ولكن نستطيع أن نسامح ونعفو ونتحرر من قيود ظلم التاريخ لأننا لا نستطيع تغييره ولكن نستطيع أن نؤثر على الحاضر حتى نصنع مستقبلاً أفضل وفيه حياة كريمة للإنسان الإثيوبي وشعوب القرن الأفريقي.

نبذ العنصرية والعصبية

لابد من أن نتخلص من السخرية من الآخر. يقول الله عز وجل: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا يَسْخَرْ قَوْمٌ مِّن قَوْمٍ عَسَىٰ أَن يَكُونُوا خَيْرًا مِّنْهُمْ وَلَا نِسَاءٌ مِّن نِّسَاءٍ عَسَىٰ أَن يَكُنَّ خَيْرًا مِّنْهُنَّ ۖ وَلَا تَلْمِزُوا أَنفُسَكُمْ وَلَا تَنَابَزُوا بِالْأَلْقَابِ ۖ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمَانِ ۚ وَمَن لَّمْ يَتُبْ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) الحجرات 11.
سئل النبي عليه الصلاة والسلام عن العصبية قال: "العصبية أن تعين قومك على الظلم". وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "انصر أخاك ظالماً أو مظلوماً"، قيل: يا رسول الله، أنصره مظلوماً، فكيف أنصره ظالماً؟! قال: "تحجزه أو تمنعه عن ظلمه فإن ذلك نصره"، فنصره أن تمنعه عن ظلمه.

فلابد من الاحترام المتبادل وقبول الآخر الذي يختلف معك في اللغة والقومية والدين، فمثلاً الأخوة في الإسلام أنواع فهناك الأخوة في الدين والإيمان (إنما المؤمنون إخوة) وأخوة في الإنسانية وقبول الآخر باعتباره إنساناً، وباعتبار أن فيه جزءا من روح الله تعالى التي نفخت فيه، إذن فهو أخوك في الإنسانية، إضافة إلى الأخوة في القرابة والنسب ولذلك سمى الله تعالي النبي المرسل إلى قومه الكافرين بأخيهم فقال تعالى: (وَإِلَىٰ عَادٍ أَخَاهُمْ هُودًا ۗ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۚ أَفَلَا تَتَّقُونَ) الأعراف: 65. وقال تعالى: ( وَإِلَىٰ ثَمُودَ أَخَاهُمْ صَالِحًا ۚ قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُم مِّنْ إِلَٰهٍ غَيْرُهُ ۖ هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا فَاسْتَغْفِرُوهُ ثُمَّ تُوبُوا إِلَيْهِ ۚ إِنَّ رَبِّي قَرِيبٌ مُّجِيبٌ) الأعراف 73.
وقال تعالى: ( وَإِلَىٰ مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا فَقَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَارْجُوا الْيَوْمَ الْآخِرَ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) الأعراف 85.
والأخوة في الإسلام لا تنحصر في الأخوة الدينية، وإن كانت الأخيرة هي الأساس عند تعارضها مع غيرها.

ولذلك لابد من تعزيز وترسيخ مفهوم المواطنة في إطار الوحدة والتنوع الثقافي.. المواطنة تعتبر عقد بين الإنسان والوطن في إطار دستور حقيقي للدولة الإثيوبية الحديثة.. ولكي نحقق المواطنة العادلة في إثيوبيا لابد أن نقر ونعترف بحقوق الآخر باعتباره مواطنا إثيوبياً وشريكاً في الوطن والعمل على احترام التنوع العرقي والثقافي والديني واللغوي للإثيوبيين. الاستفادة من النماذج الناجحة للمواطنة في الدول الأخرى الإفريقية وغيرها ومنها النموذج الماليزي الذي نجح في تعزيز المواطنة بين الأغلبية المالوي والأقليات الماليزية من أصول صينية وهندية التي أتت مع الاستعمار البريطاني قبل 70 سنة تقريباً ولكنها استوطنت وأصبحت جزءً من مواطني ماليزيا الحديثة بل أصبحت هذه الأقليات العرقية الماليزية جزور ثقافية واقتصادية بين ماليزيا والصين وبين ماليزيا والهند فكانت من أهم عوامل النهضة والتنمية الاقتصادية لماليزيا لأن الشعب الماليزي والدولة الماليزية استثمرت التنوع الثقافي في خدمة ونهضة ماليزيا.

فالسؤال هو كيف نستثمر نحن الإثيوبيين التنوع الثقافي الإثيوبي من أجل نهضة إثيوبيا الحديثة والقرن الإفريقي الجديد؟

  • عنوان تمهيدي: فقه المواطنة
عدد المشاهدات 3258

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top