أيديولوجيا العنف "الإسرائيلي" ومعنى "الهولوكوست"

09:04 15 أغسطس 2019 الكاتب :   "القدس العربي" - د. شفيق الغبرا (*):

صدر هذا الشهر عن الخارجية الأمريكية تعريف جديد للاسامية، فوفق الخارجية الأمريكية هناك 11 بنداً يمكن اعتبارها ضمن السلوك والموقف الذي يفرق ضد اليهود (اللاسامية)، لكن الأغرب في التعريف الجديد للاسامية قيام الخارجية الأمريكية، التي عرفت باعتدالها تاريخياً نسبة للمؤسسات الأمريكية الأخرى، بإضافة بند جديد لم يكن ضمن التعريفات السابقة، البند الجديد يعتبر أن مجرد «المقارنة بين جرائم النازيين مع السياسات الإسرائيلية الراهنة» عداء للسامية.

فمثلاً، وفق التعريف الجديد، إن القول: إن "إسرائيل" تمارس بحق الفلسطينيين ما مارسه هتلر بحق اليهود هو عداء للسامية، أو القول، وفق التعريف الجديد: إن "إسرائيل" دولة نازية تسعى للتخلص من الشعب الفلسطيني كما سعى هتلر للتخلص من اليهود، هو الآخر عداء للسامية.

كما أقر مجلس النواب الأمريكي، الثلاثاء 6 أغسطس 2019، قانوناً جديداً يمنع مقاطعة "إسرائيل" ومؤسساتها، إن هدف القانون الذي عارضه 16 ديمقراطياً منهم النائبتان إلهان عمر، ورشيدة طليب، مواجهة حركة المقاطعة السلمية الفلسطينية (BDS) التي بدأت تؤثر على المواطنين الأمريكيين وخاصة في الجامعات، إن هدف المقاطعة التأثير على الشركات الأمريكية الكبرى التي تدعم الاستيطان في المناطق المحتلة عبر بناء البنى التحتية وشبكات الاتصالات وأجهزة الأمن والحماية وغيره.

بالفعل، إبادة اليهود في أوروبا حدث مرعب مارسته النازية مع اليهود مما أدى لقتل ثلثي يهود أوروبا في فترة الحرب العالمية الثانية، وقد وصل العدد لستة ملايين، لكن بنفس الوقت هتلر مارس ذات العنف بحق الغجر والبولنديين والروس (قتل من الروس أكثر من 20 مليوناً)، لقد وقعت الإبادة مع جيل كامل من اليهود في أوروبا، لكن ألم يتم هزم هتلر مرة واحدة وإلى الأبد؟ ألم تُعاقَب النازية وألمانيا على فعلتها؟ ألم تقم المحاكم ضد من قاموا بانتهاك العالم؟

الحرب العالمية الثانية سببت مقتل 60 مليون إنسان، وقد وقعت فيها مذابح مخيفة ضد شعوب شتى منهم البولنديون والغجر والكوريون والصينيون.

إن الأخطر أن يؤخذ ما وقع مع اليهود في الهولوكوست كمبرر لمنع التعبير عن مذابح أخرى وانتهاكات وحروب متتالية تشنها دول متصادمة مع حقوق الإنسان من أهمها دولة "إسرائيل".

هناك تناقض كبير عند مطالبة مناصري القضية الفلسطينية بانتقاء كلماتهم بعناية في وصف سلوكيات "إسرائيل" تجاه الشعب العربي الفلسطيني وذلك لمجرد أن قادتها من اليهود، وما علاقة سلوكيات نتنياهو الاستيطانية باليهودية؟ إن إعطاء "إسرائيل" حرية المناورة والحماية من قيامها بممارسة التطهير العرقي وسرقة الأراضي والاحتلال وكأنها فعلاً ممثل اليهودية في العالم، هو كإعطاء بعض الدول الدكتاتورية في الشرق الأوسط وفي العالم الحق بأن تكون ممثل الإسلام أو البوذية أو المسيحية، الديانات بريئة من سلوكيات الاستبداد في كل مكان.

إن عدم المقدرة على تذكير كل إسرائيلي بما فعله هتلر من قتل وتصفية وتمييز وعنصرية وطرد وتطهير عرقي يلغي أهم الدروس المستقاة من سلوك النازية بحق ضحاياها.

إن عدم المقدرة على التعلم من الهولوكوست والإبادة اليهودية يفتح الباب لإعادة إنتاج جرائم هتلر من قبل دول جديدة.

النازية استخدمت الغاز لقتل الأبرياء، و"إسرائيل" وضعت الفلسطينيين في مخيمات لجوء وصادرت أملاكهم وأراضيهم ومنازلهم وهدمت قراهم وفرغت مدنهم، كما أنها لاحقتهم عبر الحدود، مدمرة تلك المخيمات والمناطق التي قاموا بالاحتماء فيها لمنعهم من المقاومة.

بالنسبة للعالم، النازية قامت بجرائم ضد الإنسانية، وهذا صحيح، لكن ألم تقم "إسرائيل" والصهيونية بجرائم ضد الإنسانية نسبة لما فعلته بالشعب العربي الفلسطيني؟ لهذا تثير الأجواء الأمريكية الرسمية كل الأسئلة، فـ"إسرائيل" التي تمارس طرداً ومصادرة لحقوق الشعب الفلسطيني التي تحتل أراضيه وتسرقها لا يجوز نقدها ولا يجوز مقاطعة مؤسساتها التي تعتدي على القدس والمناطق المحتلة وشعبها!

ويجب أن ننتبه بأنه وقعت بين الصهيونية والهولوكوست قطيعة أثناء الحرب العالمية الثانية، فالصهيونية لم تهتم بمذابح اليهود وإنقاذهم بقدر اهتمامها بهجرة اليهود لفلسطين، ومن لم يهاجر من اليهود لفلسطين قبل قيام الدولة في العام 1948 لم يكن محط اهتمام الصهيونية، كانت قناعة الصهيونية بأن الحل للمسألة اليهودية يتعلق بإنشاء دولة، وإن ما عدا ذلك ليس مجال اهتمامها.

الهولوكوست (مذابح النازية ضد اليهود) لم يكن الوحيد في التاريخ، فذات الإبادة التي مارسها نظام هتلر طالت سكان البلاد الأصليين في أمريكا وسكان البلاد الأصليين في أستراليا على يد القادمين البيض، كما أن الاستعمار بحد ذاته مارس الإبادة تلو الإبادة على مدار القرن التاسع عشر والعشرين.

الإبادة تعبير يعرف على أنه في البداية تدمير شامل لطريقة الحياة لشعب أو مجموعة ثم التخلص منهم عبر التهجير والقتل، فالإبادة تقع على مراحل تماماً كما حصل من قبل "إسرائيل" بحق الشعب العربي الفلسطيني.

إن جعل الهولوكوست والإبادة مسألة معزولة عن السياق الإجرامي هو الذي يجعل منه اليوم أداة للدفاع عن اليمين وانتهاكات حقوق الإنسان والاحتلال، فباسم الهولوكوست يتم احتلال فلسطين وطرد الشعب العربي الفلسطيني، وباسمه تنقل السفارة للقدس وباسمه تصادر ملكيات وحقوق الناس.

الهولوكوست والإبادة فكرة جنونية جمعت بين العلم والتكنولوجيا للتخلص من السكان الأصليين، لكن ألم تفعل الصهيونية هذا على أعلى مستوى؟ أليست الإبادة طريقة لفرز الناس وإحصائهم ومعرفة مناطق سكنهم ووجودهم وعدد ولاداتهم بهدف التخلص منهم عبر الطرد والمصادرة ثم القتل الجماعي؟

لو نظرنا حولنا في العالم من آسيا لأوروبا ومن أفريقيا للشرق الأوسط لفلسطين لوجدنا كم نحن مطوقون بأنماط مختلفة من الإبادة.

إن ذات العقلية التي صنعت النازية هي التي تفرز الناس على أساس العرق والدين والهوية قبل التخلص منهم.

الفاشية الحديثة في "إسرائيل" استمرار لذات النهج الذي يفتح الباب لجرائم جديدة ضد عرب فلسطين.

 

______________________________

(*) أستاذ العلوم السياسية في جامعة الكويت.

عدد المشاهدات 4299

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top