أبرار وبيضة الديك (قصة قصيرة)

16:48 07 أكتوبر 2019 الكاتب :   د. السيد شعبان

لا أدري ما أصاب حصان العربة الخشبية- والتي كان أبي يسعى بها علينا؛ عرفته الطرق والشوارع عتالا انحنى ظهره، لكن للزمن ضحاياه وكان أبي واحدهم وبكل تأكيد ليس آخرهم- اعجزه المرض فقد بلغ من العمر نهايته، انتبهت من شرود صار يلازمني هذه الأيام، الكلمات تقف خجلى على شفتي، لا قيمة لكل هذا العبث، أردت أن أدير وجهتي ناحية الطريق المؤدي إلى المدينة التي سكنتها في وادي الأحلام، أصوات تترامى إلى أذني، ذكريات تتلبس داخل جسدي؛ أي مرارة أفقدتني طعم الحياة؟

لا جديد رغم أن الشمس تأتي كل يوم بأشعة دافئة، يموت الحب في قلوب يائسة، وما البؤس إلا اليأس، أخذت الحياة منحى آخر، في هذه النواحى تلهب السياط كل حالم بغد؛ يكثر المهرجون فوق خشبة المسرح،ينفخون في كير حداد لا وجه له؛ إنه موسم هجرة آخر لكن لجهة غير معلومة.

كانت تلك ذكريات اليوم الأخير قبل أن أحمل حقيبة السفر،

انتظرت أبرار بيضة تتناولها مع رغيف الخبز؛ طوال الليل تأتيها الأحلام سابحة فوق صفحة بحر الأماني؛ يزغرد ابن عرس قبيل الفجر؛ فطعم الدجاج آسر لمن لا يتناولونه إلا في المواسم؛ سيما والليل طويل توقفت آلته، ترتجف الأطراف التي أمست مثل عيدان الذرة، يخاف الصغار من جمال تتعارك في السحاب؛ إنه رعد وبرق في ظلمات ثلاث بعضها فوق بعض.

غاب صوت المؤذن؛ ينطلق الديك ليؤذن بالصلاة، تذهب بأبرار الخيالات ببيضة ملونة، اعتادت أن تعد الدجاجات، إنها فزعة، تتناثر الدماء في كل ناحية من العش.

ضرب المطر سطح البيت؛ تنز الأسقف قطرات دموع صفراء، تفزع الأم، فالفقر يكشفه البرد والمرض، ما عاد حساء، أرغفة يابسة، مياه آسنة تعوم فوقها الأسرة الهزيلة، يترنم المذياع بأغان مثيرة، تبكي في وله؛ إنه الحرمان، ارتحل إلى بلاد تختزن الموت فوق سطح القمر، يحلبون السحب متى أرادوا، يحفرون باطن الأرض طرقا تسير داخلها القطارات.

أعيش هنا وحيدا، أرسم لها صورة في مخيلتي؛ ربما تكون أجمل من ذلك.

تسللت؛ فصباح هذا اليوم ملبد بالغيوم؛ الدجاجات تصيح، يعلو الديك حزمة قش الأرز، يتراقص، إنه يخفي شيئا؛ فزمن الخوف يحيل السراب حقيقة.

عادت أبرار والهم يتملكها؛ فما باضت الدجاجة ولا أذن الديك، أرسلت إليها صورة من بلاد الثلج، علها تشبع بالأحلام بطنا ملأها الجوع.

عدد المشاهدات 3675

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top