د. زيد الرماني

د. زيد الرماني

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
الثلاثاء, 30 يوليو 2019 10:28

نشوة من التبذير وإسراف في السرعة

أن يكون المصير الثقافي للفرد تابعًا مباشرة للتنمية الاقتصادية، وأن تكون إدارة هذه التنمية قضية سياسية في جوهرها، فإن هذا نوع من الإشكالية يسلِّم به الاقتصاديون وعلماء الاجتماع والفلاسفة.

بيد أنه كذلك حقيقة تبقى وسائل تحقيقها محصورة؛ إما في الدائرة التقنية، وإما في منطقة العموميات.

والمراد في الحالة الأولى رفع التناقضات التي يمكن أن توجد بين الغايات الفردية، والغايات الجماعية من خطة التنمية؛ من أجل عقلنة العلاقة بين الأهداف، والوسائل الواجب استخدامها.

والمراد في الحالة الثانية أن نؤيد بحرارة أهداف الأنسنة التي ينبغي على كل خطة تنموية اقتصادية واجتماعية أن توضحها كبيان عن مبادئ، وتؤكد هذه العموميات أن تكاليف الإنسان لا يمكن أن تقتصر على نفقات صيانة قوة العمل، بل ينبغي أن تأخذ بالحسبان حاجات الفراغ والإعلام والثقافة.

إذ إن الفراغ يظل في المجتمع الصناعي عملاً استهلاكيًّا والإعلام تكييفًا دعائيًّا، والثقافة نثارًا مؤذيًا من بيوت أو ندوات.

إن كلفة الإنسان لا تبنى عليها قيمة الإنسان، إلا إذا كان المقصود قيمته التجارية أو الاقتصادية.

ومن الأسئلة المهمة في هذا المجال، كيف يمكن للنظام الاقتصادي أن يهتم بسد الحاجات الأنفع؟ وهل من العقلانية أن التسلُّح والمخدرات والكحول، أو السلع البدائية والحيوية التي أصبحت اقتصادية في حساب موجودات الإنتاج؟

فلو طُبق المفهوم الاقتصادي للاستهلاك على الإنسان والبيئة، لرأينا أن هناك أُممًا وفئات اجتماعية دخلها سالب؛ أي إن طاقتها الكامنة البشرية والتقنية تستنفذ بأكثر مما تنمو مواردها الظاهرة.

كتب بول فاليري يقول: إن العالم الحديث منهمك في استغلال الطاقات الطبيعية استغلالاً يزداد على الدوام فعالية وعُمْقًا.

ويقول أوزيريس سيكوني في كتابه "التنمية الاقتصادية والتخلف الثقافي": إن الإنسان الحديث في نشوة من التبذير؛ من إسراف في السرعة، وإسراف في الإنارة، وإسراف في المخدرات والمنشطات، وإسراف في كثرة المطبوعات، وإسراف في التسهيلات وإسراف في العجائب، إن كل عيش حالي لا ينفصل عن هذا الإسراف.

لا ريب في أن جميع الناس لا يعرفون أنه قد قدر لكلِّ فرد منهم أكثر من طن من المتفجرات، إن مؤلفات التخيُّل تغذي من آن لآخر ذهان الرعب والعجب، إنه تعارض يقويه المحللون النفسيون، ولكنه يدل على استخدام القوة لا على معنى النزعة.

إن المعرفة العلمية التقنية يمكن أن تصنع من الكرة الأرضية جنة عدن، وهذا مدعاة للعجب، ويمكنها أن تسبب كارثة أرضية هائلة لا تُرد وهذا مبعث الرعب!

إن الوسائل الإعلامية المختلفة من صحافة وتلفزيون وسينما وقنوات فضائية وبث مباشر تُحدث في جهازنا العقلي والأخلاقي قلقًا يفسد نمط العيش؛ فلا ثقافة تحت التهديد المباشر للحرب، بل بالعكس شعور منتش بالقلق، ومن هنا كانت الحاجة إلى التناسي في اللذة.

إن عالمًا بدون ثقة تنذر فيه القوة بموت المستهلك المفاجئ، وإذا قلنا: قلق لا خوف، فذلك لأن غرض التهديد وموعده وأسبابه ونتائجه كلها ليست معينة ومحددة بوضوح، إنه خطر مادي، اجتماعي، حياتي.

فبعد سنين من قنبلة هيروشيما، بقي سرطان الذرّة يفتك بالناس، هذا بشأن الخطر المادي الذي لا يزال قائمًا، رغم أنه يبدو في طريق الاضمحلال منذ أن قلَّ عددُ التجارب النووية، والخطر البيولوجي يصعب حصره كذلك، قد يتعدى الماديات إلى نفس الكائنات الحية بحيث تَنسِف مستقبل الجنس.

كتب روستان يقول: إذا لم تؤثر البيئة والظروف البتة في عناصر الوراثة، وإذا بقيت طريقة عيش الفرد وفاعليته وتجربته دون أثر في الإرث، فإنه يمكن أن يحدث تحول يؤثر بصورة عامة في اتجاه الانحسار: عمى الألوان، نزق المزاج، زيادة عدد الأصابع، فقدان البصر، الصمم والبكم، البلاهة الولادية.

والحال أن شروط العيش الحالية تتيح أن يبقى على قيد الحياة أفراد كان سيقضي عليهم نمط العيش القديم.

وفي الوقت الذي تزيد فيه الحضارة دون توقف من كمية الحياة البشرية، ومن كمية البروتوبلازما البشرية الموجودة على الكرة الأرضية، فإنها تقلص من نوعيتها البيولوجية.

إن الكرة الأرضية في وقتنا الحاضر تتميز قبل كل شيء بالفارق الذي يتزايد خطره بين البلدان الغنية والبلدان الفقيرة، والحال أن خبراء الأمم المتحدة يسلِّمون على ما يبدو بأن معيار التخلُّف سكاني.

وربما كان هناك مجال لبحث ما إذا كان الانفجار السكاني سببًا للبؤس أم نتيجة له، أو ما إذا كان يقيم مع التخلُّف علاقة سلبية.

وبعد هذا، فإن مجموع العلاقات بين المجتمعات الصناعية والعالم الثالث يتركز على الانتقال الضروري من الإحسان إلى العدالة.

إن العالم الثالث يؤلف، من الناحية الكمية ثلثي العالم، إن لم نقل ثلاثة أرباعه، والعالم الثالث من الناحية النوعية العالم المقصي عن التنمية الاقتصادية، والخاضع لسيطرة الغرب، وللأشكال المتعددة من الاستعمار الجديد أو الاستعمار الخفي الاقتصادي والسياسي.

والازدحام السكاني: هو تلوث ولده التخلف الذي به تضمن البلدان المصنعة لنفسها قسطًا كبيرًا من وفرتها، وازدحام المدن ينتج هو أيضًا عن نمو اقتصادي نموًّا عشوائيًّا.

والازدحامان؛ الأول: بسبب نمط العيش البائس، والثاني: بسبب نمط العيش المترف، ليسا من طبيعة واحدة، فهما يعكسان سبيبتين متنافرتين، سبيبة الفاقة، وسبيبة الأنانية.

إن جميع تحليلاتنا تتجه آخر الأمر نحو المعنى الثلاثي لانحطاط نمط العيش الصناعي: انحطاط البيئة وتدهورها، والطابع الاجتماعي المفكك، وأنانية الإنسان وتسلطه الذي تلخصه عبارة: تنمية اقتصادية وتخلف ثقافي.

والعلاج الذي يقترحه الاقتصاديون الغربيون ليس سوى علاج كاذب؛ فَهُم يعتقدون بتحقيق عقلانية اجتماعية بمجرد تأخير التنمية كميًّا؛ أي: دون تغيير البِنَى التقنية الاقتصادية.

فإذا كان الأمر يتعلق بانحطاط البيئة وتدهورها الذي يزداد أثره السلبي، فإن المحاسبة الاجتماعية تستطيع مواجهتها، مع مراعاة أن الهواء النقي والهدوء والفراغ الحقيقي سلع اقتصادية ذات مغزى ثقافي.

وإذا كان الأمر يتعلق بانحطاط الطابع الاجتماعي المفكك، فإن التحليل الاجتماعي الاقتصادي الموجهين في حدود معيارية ينبغي أن يلاحظا أن كل خلل في توازن العلاقات الاجتماعية ينتج عن اعتداء على مجموع العلاقات التي يقيمها الإنسان مع وسطه، ويكن لهذا المجموع أن يكون ماديًّا، بيولوجيًّا، اجتماعيًّا، سياسيًّا، ثقافيًّا، اقتصاديًّا.

وإذا كان الأمر يتعلق بانحطاط الإنسان نفسه، فإننا نعود بطبيعة الحال إلى التأمل في الوضع الصناعي للمزدوجة حاجات قدرات؛ حيث إن نمو الحاجات يتجاوز بمراحل تطور نمو القدرات.

وحاصل القول:

فإن البشرية لا تطرح على نفسها -ولا ريب- سوى القضايا التي تستطيع حلها، فكيف يمكن للبشرية أن تتكيَّف مع الأنسنة والعقلنة في هذا القرن الجديد؟

 

_____________________________________________

مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

من الطريف أن أول من أشار إلى أهمية الاستهلاك التفاخري هو "ثورشتاين فبلن" في كتابه "نظرية الطبقة المترفة"، وهو بذلك يشير إلى أن بذور هذا المجتمع الجديد قد ظهرت في الولايات المتحدة الأمريكية منذ نهاية القرن الماضي، ولم ينظر إلى أثر الاستهلاك كقيمة اجتماعية في النظرية الاقتصادية إلا عندما كتب "دوزنبري" عن "أثر التقليد"، حين بيَّن أن استهلاك الفرد لا يتوقف على ذوقه وما يريده هو، بقدر ما يتأثر بما يستهلكه الآخرون، وبذلك أدخل فكرة التداخل بين أذواق المستهلكين في تحديد ذوق المستهلك.

ومعنى ذلك أن الاستهلاك أصبح قيمة اجتماعية، فالفرد لا يستهلك ما يريده فحسب، وإنما يستهلك ما يجد جيرانه وزملاءه يستهلكونه، ومن هنا نفهم الدور التي يقوم به الإعلان في العصر الحديث.

وإذا كان الاستهلاك ونوعه وتنوعه يحدِّد في العصر الحديث -إلى حد ما- مكانة العائلة الاجتماعية، فإن ذلك لم يكن كذلك دائماً، ففي القديم لم يكن المركز الاجتماعي يتحدد للفرد بمقدار ما يستهلكه، بل إنه من مدعاة السخرية أن يحاول الفرد أن يجاري النبلاء في حياتهم، وأن يحاول أن يستمد مركزه الاجتماعي من زيادة إنفاقه الاستهلاكي.

ومع ذلك، فإن الاستهلاك في ذاته قيمة اجتماعية كبرى، ويقاس مركز الفرد الاجتماعي بقدر ما يستهلكه من السلع والخدمات، ومدى قدرته على التغيير المستمر، "الموضة" دائماً في تغيير، حتى يشعر الفرد بحاجته إلى التغيير في استهلاكه، مما يؤدي إلى الاستهلاك المستمر.

إن التقدم الفني الهائل المتاح الآن والمستخدم في أساليب الإنتاج قد وفر القدرة المستمرة على زيادة الإنتاج والإنتاجية مما زاد من فرص الاستهلاك، وقد نجم عن ذلك أن الاستهلاك في المجتمع الحديث قد زاد بشكل لم يكن معروفاً فيما سبق، كما نجمت عنه مجموعة من القيم والقواعد التي تنظم حياة المجتمع في ضوء زيادة الاستهلاك، فزيادة الاستهلاك في حد ذاتها، وبصرف النظر عن الحاجات التي يشبعها هذا الاستهلاك المتزايد، قد أصبحت من قواعد الإنتاج في العصر الحديث.

وقد كان لهذه الظاهرة آثار بعيدة على الاقتصاد، كما لها آثار ونتائج خطيرة على السلوك الاجتماعي.

يقول "فرانسوا دال" في كتابه "مستقبل السياسات الإدارية": "إن غزو المستهلك لشيء مثير.."، إن ما تعمد إليه بعض الشركات المنتجة من إحلال سلع مماثلة أقل جودة، وبالطبع أقل سعراً، ليقبل الناس عليها، حتى تزول السلع الأصلية من السوق، وعندها ترفع سعر السلعة المثيلة، إن هذا نموذج من نماذج إغراء المستهلك، وأسلوب من أساليب غزوه.

تقول الإحصاءات الأخيرة: إن من العوامل التي تمثل نمطاً في الحياة يؤذي البيئة: السيارات، والبيوت الفخمة، ومراكز التسوق الكبرى، والسلع الاستهلاكية، ونوع الطعام المرتكز على الإفراط في أكل اللحوم، والغذاء غير الصحي.

إن السلوكيات الاستهلاكية بدأت تتغير اليوم، إما بسبب ثورة المتغيرات والإنتاجية الكبيرة، أو لأننا ننتهج مسلكاً استهلاكياً لإخفاء شيء معين في نفوسنا، كمستوانا المالي أو الثقافي مثلاً، ولذلك كان خيارنا عشوائياً، حسب ما يمليه ذوق المصمم أو حسب النص الإعلاني في التلفزيون، ولا خيار لنا كمستهلكين، ففي بعض الأحيان نشتري بضاعة لا لتلبية حاجة خاصة، بل لأنها ظهرت في إعلان مثير، إن شريحة كبيرة في مجتمعنا الاستهلاكي لا تتابع بدقة واهتمام وموضوعية مجريات الأحوال السوقية داخل وخارج بلادنا، ثم إن كثيراً من المستهلكين تستهويهم وتثير أحاسيسهم الاستهلاكية عقدة الندرة، فكل شيء نادر، يتسابق الناس لاختطافه من الأسواق!

 

__________________________________________

(*) الكاتب مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

الأربعاء, 29 مايو 2019 12:25

رمضان مفتاح حل أزمة الاستهلاك

لقد درجت أمانينا على اغتنام فرصة الصيام لتقويم الروح بفوائد روحية وتقويم الجسد بفوائد جسمية، فهل نتعود على اغتنام الفرصة لتقويم اقتصاد الأمة وهو جسمها وروحها من داء عضال هو داء الاستهلاك الدائم من غير إنتاج كاف؟! وهل يكون شهر رمضان فرصة ومجالاً لامتلاك إرادة التصدي لحالة الاستهلاك الشرهة التي تنتابنا في هذا الشهر الكريم؟!

إنّ للصوم أبعاداً اقتصادية عظيمة منها ما يدركها العقل البشري كأثره على صحة الإنسان مثلاً، الثروة البشرية، ومنها ما لا يستطيع العقل البشري إدراكه، فطوبى لمن اقتدى في صيامه وقيامه بمحمد صلى الله عليه وسلم.

إنّ من واجب المسلم أن يعمل على توفير ما تقوم به الحياة من مأكل ومشرب وملبس ومسكن.. إلخ من الضروريات، لصيانة دينه ونفسه ونسله، ولحفظ عقله وماله، كما يفترض في المسلم أن يتجنب النزعة الاستهلاكية قدر الإمكان، وإن كان هذا يختلف من شخص لآخر، بحسب يساره المادي وبقدر زهده في الدنيا ومباهجها، إلا أن هناك حدوداً لذلك على كل حال ينبغي مراعاتها.

إنّ الإنسان أهم بكثير من أي نموذج أو نظرية أو تفسير، هذا ما اكتشفه علماء الاقتصاد أخيراً، فالإنسان هو الذي يقرّر مستوى رفاهه ودرجة ثرائه، وكل الأمر متوقف على قراره وسلوكه، فبإمكانه إن أراد أن يكون معتدل الاستهلاك فيصبح حجم الوفر لديه بما يمكنه أن يصبح ثرياً، وبإمكانه إن كان نهم الاستهلاك كما هو حال الفرد في أغلب المجتمع الغربي أن يأكل ثروته.

وبعد أن كان علماء الاقتصاد مصرين على أن الدولة وسياستها هي العنصر الأهم في العملية الإنتاجية عادوا ليقرِّروا أن المستهلك والمنتج هم أسياد اللعبة.

فيوم يربي المجتمع عادات الاستهلاك ويهذبها ويوجهها، فإن عملية ترشيد واسعة ستؤدي إلى انتفاع هذا المجتمع بخيراته على أكمل وجه.

وهكذا فمفتاح حل الأزمات الحقيقي إنما يكمن في التربية الاستهلاكية، وهو مفهوم حديث نسبياً، وقد قال صلى الله عليه وسلم "كُلْ واشربْ والبسْ وتصدّقْ ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة"، وقد ورد عن معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه قوله: "كل سرف فبإزائه حق مضيّع".

إن الصوم يربي في المسلمين ملكة الصبر ذلك أن أحد أسباب الكارثة التي حلّت بنا اليوم هي البطر في الاستهلاك والتبذير والبعد عن الدّين القيّم، قال تعالى: (وَضَرَبَ اللّهُ مَثَلاً قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُّطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَداً مِّن كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللّهِ فَأَذَاقَهَا اللّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ {112}) (النحل)، وكلنا يعلم قصة قارون كما وردت في القرآن الكريم، وفرعون وغيرهم الذين جحدوا نعم الله.

فالإسراف والتبذير في الاستهلاك يعتبر سوء استخدام للموارد الاقتصادية والسلع التي أنعم الله بها على العباد لينتفعوا بها وهو عمل يذمه الإسلام ذمّاً كبيراً، حيث وصف الله المسرفين والمبذرين بأنهم إخوان الشياطين، لما لهذا العمل من آثار سيئة لا تقتصر على صاحبها الذي مارس الإسراف بل تمتد لتشمل المجتمع والعالم.

________________________________________

(*) مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الإثنين, 20 مايو 2019 10:04

للصوم سمات اقتصادية مميزة

يرى دافيد سترى أنَّ الصوم اقتصادي، ويقوم مقام مستحضرات التجميل، ويعطي جهاز الهضم راحة تامة، ويتيح للجسم الفرصة ليتخلص من السموم والفضلات المتراكمة، ويرمِّم نفسه بنفسه.

وفيما يلي نستعرض أهم السمات الاقتصادية لفريضة الصوم:

أولاً: الصوم والاستهلاك: من الواضح أنَّ هناك علاقة طردية بين شهر الصوم المبالغ فيه، والمرء يدهش من هذا النهم الاستهلاكي الذي يستشري لدى الناس عامة في هذا الشهر، فالجميع يركض نحو دائرة الاستهلاك والاستعداد للاستهلاك في رمضان، يبدأ مبكراً مصحوباً بآلة رهيبة من الدعاية والإعلانات التي تحاصر الأسرة في كل وقت ومن خلال أكثر من وسيلة، وبالتالي يكون المرء مهيأ للوقوع في دائرة الاستهلاك الرهيبة، الزوجة تضغط باتجاه شراء المزيد، والأولاد يُلحون في مطالبهم الاستهلاكية، والمرء نفسه لديه حالة شرهة لشراء أي شيء قابل للاستهلاك.

إنَّ هناك تبذيراً وإسرافاً إلى حد السفه، فالكميات التي يتم شراؤها في الأيام العادية، يتم تجاوزها إلى أضعاف الأضعاف في شهر رمضان، على الرغم من أنه لا يحتوي إلا وجبتين فقط.

ثانياً: الصوم والإنفاق: من الإنفاق ما افترض على سبيل الكفارة لمن لم يقدر على الصوم، ومنها زكاة الفطر.

إنَّ من معاني الصوم أنه إمساك عن شهوة البطن، وبالمعنى الاقتصادي هو تخفيض للإنفاق، أو ترشيد للإنفاق، ثم إنَّ الإنفاق البذخي في رمضان أمر لا يمكن أن يتسق مع وضعية مجتمعاتنا الإسلامية التي في أغلبها مجتمعات نامية تتطلب المحافظة على كل جهد وكل إمكانية من الهدر والضياع للموارد الاستهلاكية، وما نصنعه في رمضان هو هدرٌ لإمكانات مادية نمتلكها في غير موضعها، وهدرٌ لقيم سامية طالبنا الدين الإسلامي بالتمسك بها، وهدرٌ لسلوك قويم هو القناعة.

إن شهر الصوم فرصة ولا شك يتعلم فيها أفراد أمتنا عادة اقتصادية حميدة هي ترشيد الإنفاق، ليكون شهر الصوم فرصة دورية للتعرف على قائمة النفقات الواجبة، وفرصة لترتيب سلّم الأولويات، وفرصة للتعرف على مستوى الفائض الممكن الذي ينبغي توجيهه إلى أغراض استثمارية.

كما إنَّ شهر الصوم فرصة لتحقيق هذا الترشيد، ولتوسيع وعاء الفائض الممكن، ولكن شريطة أن يرتبط بقاعدة لا إسراف ولا تبذير، ولا شك أنها هي ميدان الترشيد، على المستوى الفردي والمستوى العام، انطلاقاً من قوله سبحانه: (وكُلُواْ وَاشْرَبُواْ وَلاَ تُسْرِفُواْ) (الأعراف: 31)، ومن قوله صلى الله عليه وسلم: "كل واشربْ والبسْ ما أخطأتك خصلتان: سرفٌ ومخيلة".

ثالثاً: نتائج وتوصيات:

1- إنَّ هذه الخصائص الاقتصادية هي خصائص كامنة في جوهر الصوم، باعتباره مرتبطاً بقوى اقتصادية، مثل: الاستهلاك والإنفاق والأموال ودرجة الحاجة ودرجة الإشباع، وأن تحريك هذه الخصائص وتنشيط فاعليتها هو مهمة البشر في الأمة الصائمة، على مستوى الأفراد ضبطاً لاستهلاكهم، وتقويماً لسلوكهم الاقتصادي، وعلى مستوى المؤسسات توفيراً للنظم الكفيلة بحسن تجميع وتوجيه أموال الكفارة وأموال الزكاة والصدقة، وحسن توظيف قوتها الاقتصادية.

2- إنَّ في شهر الصوم فرصة للقادرين لاستجلاء مشاعر المحتاجين، ولكن هذا مرتبط بعدة عوامل، منها: أن يُحدث الصوم أثره في نفوس القادرين إزاء المحتاجين، ومنها توفر الحس الديني الذي يكفل التقدير المناسب لضرورة بذل الكفارة وأهمية إخراج زكاة الفطر، ومنها حسن توجيه هذه الأموال.

3- إنَّ خطة لمواجهة الشراهة الاستهلاكية أصبحت مطلوبة في رمضان وغير رمضان، إن هذه الحالة من شراهة الاستهلاك المتنامية فينا دلالة على المدى الهائل من التخلف السلوكي الذي تعيشه مجتمعاتنا الإسلامية، والمتأمل لصناديق وأكياس القمامة يرى أننا في حاجة إلى إعادة النظر في قيمنا الاستهلاكية باتجاه تعديلها لتصبح قيماً إنتاجية أو قيماً استهلاكية رشيدة.

إذن؛ الاستهلاك والإنفاق لهما أبعاد خطيرة كثيرة تهدِّد حياتنا الاقتصادية، وتهدِّد أمننا الوطني، فهل يكون شهر رمضان فرصة ومجالاً لامتلاك إرادة التصدي لحالة الاستهلاك الشرهة، وأساليب الإنفاق البذخية؟!

 

_______________________________________

مستشار اقتصادي وأستاذ بجامعة الإمام محمد بن سعود الإسلامية.

للتواصل: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top