د. زيد الرماني

د. زيد الرماني

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.
السبت, 05 نوفمبر 2016 14:10

أهمية مواردنا المالية!

من الخطأ أن يجسّم الناس أهمية مواردنا المادية، ويقللوا من وسائلنا غير المادية، فالغالبية العظمى من الناس لا تفكر في الموارد إلا بمدلول الماديات، ويغفلون عما تملكه الإنسانية من موجودات وطاقات أعظم أهمية بكثير، هي العقلية الإبداعية والوسيلة الصناعية الضخمة لاستخدامها.

إن أكثر ما يقلقنا الكوارث والمجاعات والأوبئة، خاصة أن السجل الطويل للتاريخ الإنساني حافل بالحقائق والوثائق التي تؤكد تأثير تلك الكوارث والمجاعات والأوبئة على تفكيرنا منذ قديم الزمن وحتى الآن.

فمنذ قرنين من الزمن ضمَّن أحد الكهنة ويُدْعى توماس روبرت مالتس تلك المخاوف الإنسانية نظريته التشاؤمية والمعروفة بـ"المالتوسية"؛ حيث رأى غالبية الناس المحيطين به يتألمون؛ لأن لديهم من الأطفال أكثر مما يستطيعون إمدادهم بالطعام والرعاية، وربما طال الموت كثيرًا من الأطفال.

يقول مالتس في نظريته: إن المجاعة تقلل من زيادة السكان، وهدفه من ذلك تخفيف بعض الشقاء الذي يقاسيه الناس الذين من حوله بحثهم على إنجاب عدد أقل من الأطفال.

بيد أنه وآخرين عملوا على امتداد هذه الفكرة لتشمل معظم الناس، وأصبحت نظريته بمثابة عقيدة يعتنقها المتشائمون حتى يومنا هذا.

والواقع فإن الكفاية الممتازة لدى الناس اليوم في تهيئة أسباب الراحة والتسلية لأنفسهم جعلت فيرفيلد أوسبورن يبكي على "كوكبنا المسلوب" الذي سوف نجرده في القريب من الوسائل التي تضمن حتى كياننا.

وأفزعت دافيد برادلي قوة الطاقة الذرية واستنتج أنه ليس لدينا مكان للاختفاء منها. 

وأفزع ويليام فوجت سوء استغلالنا بإهمال وإسراف للأرض، مما لا بد من ملاقاته؛ لكي نمهد الطريق لمن يواصلون من بعدنا الحياة.

وهناك غيرهم من المالتسيين الذين لا يرون إلا المستقبل الحالك السواد لسلالتنا؛ لأن ما لدينا من علم وتقنية وصناعات مبنية عليها بلغت بطريقة غريبة مرتبة الكمال، وهم يعتقدون أن الناس عاجزون أمام ذلك النذير المخيف.

وقد ازداد هذا التشاؤم واتسع نطاقه ليشمل عددًا متزايدًا من الناس؛ لأنهم ليسوا على بينة ودراية بمجريات الأحداث، وبما استجد من أسباب، وكيف أن تلك الأحداث والمستحدثات تستطيع التأثير في حياتنا.

ولذا، عنّف كيرتلي مازر الإنسان لخوفه من أن ازدياد عدد السكان سوف يلقي بعبء مستحيل على مصادر الطعام الممكن الحصول عليها، وقال: إن الاستغلال الذكي للمصادر المتجددة، والتنظيم الحكيم للتراكيب والعادات حسبما تمليه الظروف البيئية، يبدو كافيًا لطرد ذلك الشبح المخيف.

يقول كلفر: وإذا كان هناك أي شيء مؤكد عن عالمنا الذي نعيش فيه، فهو أنه لا يوجد ما يقدّر له الاستمرار على الدوام، بل إن كل شيء يعتريه التغيير باستمرار.

إن التحليل اللغوي لكلمة (جامعة) يشير إلى عمق وقدم الممارسات والجذور التي تستند إليها الجامعات الحديثة، فكلمة (جامعة) في اللغة العربية اسم فاعل من جمع.

يقول د.عبدالعزيز السنبل: أخذت المؤسسة التعليمية العالمية الحديثة اسمها (جامعة) انطلاقًا من الممارسات القديمة جدًّا والتي ترجع إلى ما قبل الميلاد، والتي استمرت وقويت حتى وقت انتشار التعليم الجامعي الحديث؛ من اجتماع طلاب العلم وأساتذتهم في جامعة واحدة؛ لغرض طلب العلم، ونشره، وتوسيع حدوده في استقلالية تامة.

وأقدم تلك المؤسسات التي نبعت منها فكرة الجامعة هي المؤسسات الهندية المعروفة بـ(مدارس الغابة) التي يرجع تاريخها إلى عام 1500 ق.م في تلك الخلوة للتأمل والمناقشات الفلسفيَّة؛ حيث الهدوء والتفرُّغ، وهذه المدارس لا تشكل أصلاً تاريخيًّا من أصول نشأة الجامعات فحسب، بل إن فكرة الانقطاع التام عن العالم الخارجي للتأمل والبحث قد لازمت فكرة الجامعة وممارساتها حتى عهد قريب.

والمؤسسات الحضارية الإسلامية كثيرة، أهمها في بغداد (بيت الحكمة)؛ حيث وفر مادة العلم من كتب ومراجع، وجو علمي بمتطلباته، وقد أسسه المأمون.

وقد كانت هذه الدار مركزًا ثقافيًّا يقصدها العلماء من شتى أنحاء العالم الإسلامي، وتخرَّج منها عديد من العلماء؛ لذا يحق أن نقول: إنها تعد من الأصول التي تستند إليها جامعات اليوم.

وهكذا كانت أيضًا (دار الحكمة) في القاهرة جامعة إسلامية اجتمع فيها العلماء، والباحثون والطلاب.

ولم يقتصر الأمر على (بيت الحكمة) في بغداد، و(دار الحكمة) في القاهرة، بل إن أنواعًا من التعليم تشبه التعليم في المرحلة الجامعية اليوم انتشرت في عديد من بلدان العالم الإسلامي في المشرق والمغرب والأندلس؛ حيث وجدت مكانًا لها في المكتبات والمساجد، والصالونات الأدبية، كما أن المسلمين خطوا خطوة أكثر قربًا من جامعات العصر الحديث ببناياتها الخاصة، وأساتذتها المأجورين وشروط التحاق الطلاب بها، وتتمثل تلك الخطوة في تأسيس المدارس النظامية في القرن الخامس الهجري.

يقول د. نور الدين عبدالجواد: يبين التاريخ أن الجامعات الأولى التي ظهرت؛ سواء في الشرق أم في الغرب - ظهرت في أحضان دور العبادة، ففي الشرق اتخذت في البداية من المساجد مقرًّا لها، ومن الإسلام والثقافة الإسلامية منهجًا وموضوعًا للدراسة.

ومما يجدر تأكيده أن الجامعة اليوم متأثرة بالحركة الاجتماعية التي قوي تيارها في القرن الماضي؛ حيث بدأت تعدل من فلسفتها، وأخذت تتجه نحو المجتمع تتلمس حاجاته، وتعمل على تلبيتها وترتبط به ارتباطًا وثيقًا؛ لأنها لم تعد كما كانت خارج الكيان الاجتماعي العام، بل أصبحت في بؤرته، كما أنها لم تعد شيئًا منعزلاً عن عصرها، بل على العكس أصبحت تُعبِّر عن روح العصر، كما أنها بالتالي لم تعد تؤثر في الحاضر، بل امتد تأثيرها لينال الحاضر والمستقبل سواء بسواء.

جاء في كتاب "الاقتصاد المجنون" قول كريس هارمن : إن قليلاً من الذين يؤيدون النظام العالمي القائم كانوا يتوقعون أن تتحسن الأمور وتتحسن أحوال الفقراء بالتوظيف الكامل, والإنفاق أكثر على الرعاية الاجتماعية وإعادة توزيع الدخل من الأغنياء إلى الفقراء, ولكنهم اليوم يقولون إن هذه الأفكار أصبحت موضة قديمة.

وبالطبع, فإن الفقر والمرض والجوع والألم واليأس والإحباط لا تُعد أشياء جديدة على المجتمع البشري, بل وجدت على مدى معظم تاريخه المسجل, ولكن البؤس في عالمنا اليوم يختلف, لأنه يوجد جنباً إلى جنب مع ثروة يكفي مقدارها بسهولة للقضاء على الفقراء إلى الأبد.

وللأسف فإن الجوع يتواجد جنباً إلى جنب مع مخزون هائل من الأغذية, والدليل على ذلك جبال الأغذية.

قبل خمسين عاماً كان الخمس الأغنى 20% من سكان العالم يمتلك 30% من الدخل, واليوم يمتلكون 60% من هذا الدخل, في نفس الوقت, فإن الخمس الأفقر20% من البشر يقتسمون 4% فقط من إجمالي الناتج العالمي.

لقد حذر تقرير الأمم المتحدة للتنمية البشرية بأن السبب الرئيس في زيادة الصراعات الداخلية في العالم هو التهديد المستمر للجوع والعنف والأمراض. ويلاحظ أن الدول, صغيرة وكبيرة, تفضل إنفاق المليارات على الأسلحة الحديثة على الاهتمام بالحاجات الضرورية للشعوب.

إذ وسط هذا البؤس وتلك القذرات, انتعشت مئات الشرور, فقد عادت للظهور أمراض قاتلة وانتشر إدمان المخدرات, حيث يعتبر بعض الناس ذلك هو الطريق الوحيد للهروب, ولو مؤقتاً, من معاناتهم, وارتفعت معدلات الانتحار وتزايدت الجريمة حيث إن أقلية من الفقراء يرون فيها الطريق الوحيد للحصول على الثروة التي تتيح تقليد الحياة الفاخرة للأغنياء التي تتباهى بها أمامهم وكالات الإعلام. وفق كل ذلك جاء التأثير الفظيع للحرب.

إنَّ لغزاً كبيراً يواجهنا ولم نستطيع بَعْدُ فهمه, فبينما يتم إنتاج ثروات أكبر مما كان يُنتج من قبل في التاريخ, وتوجد اختراعات تزيد من إنتاج أشياء متنوعة, شاملة أغذية أساسية حرمت منها أجيال من البشرية, كما استطاع البشر اقتحام الفضاء الخارجي واكتشفوا أعماق المحيطات واستطاعوا استخدام الماكينات للقيام بالأعباء الضخمة, وكذا إرسال المعلومات من جانب من العالم إلى الجانب الآخر في جزء من الثانية.

ومع ذلك, وبدلاً من ضمان تخفيف أعباء البشرية, تصبح هذه الأعباء أشد حدة, وبدلاً من أن يتطلع الناس إلى حياة أكثر رغداً وراحة, غالباً ما يعيشون في خوف من أن تزداد الأمور سوءاً, وبدلا من أن يختفي البؤس نجده يتزايد.

السبت, 15 أكتوبر 2016 15:23

النزوع للاستهلاك مرض اقتصادي!

يقول إريك فروم في كتابه "نتملك أو نكون": النزوع للاستهلاك هو نزوع لابتلاع العالم بأسره، والإنسان الاستهلاكي هو الرضيع الذي لا يكف عن الصياح في طلب زجاجة الرضاعة، ويتضح هذا في الظواهر المرضية خاصة مثل إدمان المخدرات والخمر، ويقول كذلك: إن السيارات والتلفاز والسياحة والجنس هي الموضوعات الأساسية للنزعة الاستهلاكية المعاصرة.

كما أن الاستهلاك هو أحد أشكال التملك، وربما هو أكثرها أهمية في مجتمعات الوفرة الصناعية المعاصرة والاستهلاك عملية لها سمات متناقضة: فالاستهلاك عملية تخفف القلق، لأن ما يمتلكه الإنسان خلالها لا يمكن انتزاعه، ولكن العملية تدفع الإنسان إلى مزيد من الاستهلاك لأن كل استهلاك سابق سرعان ما يفقد تأثيره الإشباعي، وهكذا فإن هوية المستهلك المعاصر تتلخص في الصيغة الآتية: أنا موجود بقدر ما أملك وما أستهلك.

في القرن التاسع عشر الميلادي، كان كل شيء يقتنى يصبح موضع رعاية ويعتني به، ويستخدم إلى آخر حدود الاستخدام، كانت الأشياء تشترى ليحافظ عليها وكأن شعار ذلك القرن ما أجمل القديم.

أما اليوم، فإننا نشاهد تأكيداً دائماً على الاستهلاك لا على الحفظ, أصبحت الأشياء تشترى لكي ترمى، فأياً كان الشيء الذي يشترى سيارة أو ملابس أو آلة من أي توع؛ فإن الشخص سرعان ما يمل منه، ويصبح تواقاً للتخلص من القديم وشراء آخر طراز, وتلك هي الدائرة الخبيثة، دائرة الاستهلاك – الشراء، وكأن شعار اليوم "ما أجمل الجديد"!

وربما كانت السيارة الخاصة هي أهم مثل للظاهرة الاستهلاكية – الشرائية، فهذا العصر يستحق أن يسمى عصر السيارة، حيث بُني اقتصادنا حول إنتاج أو تركيب السيارات، وشرائها وبيعها.

وقد دار كثير من الجدل حول: هل يملك الإنسان أو لا يملك؟ ويعني هذا الخيار بين حياة الزهد وحياة اللازهد، وتتضمن الأخيرة المتعة واللذة غير المحدودة، ولكن هذا الاختيار يفقد معظم معناه إذا ركزنا على كل سلوك منفرد على حدة، ولم نلتفت إلى الموقف أو الاتجاه الذي يستند إليه السلوك عموماً, فالزاهد بانشغاله الدائم بالابتعاد عن المتعة ربما لا يكون سلوكه إلا محاولة لتجاهل رغبات جامحة في التملك والاستهلاك, صحيح أن الشخص الزاهد يمكن أن يقمع هذه الرغبات، ولكن محاولة قمع الرغبة في التملك والاستهلاك ربما تنطوي على حقيقة أن الشخص ليس أقل انشغالاً بهما من غيره.

وقد صدر في السنوات القليلة الماضية عدد ضخم من الكتب، تنادي بإخضاع الاقتصاد لاحتياجات الناس من أجل ضمان مجرد البقاء أولاً، ومن أجل تحسين نوعية حياة الناس ثانياً.

ويتفق معظم المؤلفين على أن الزيادة المادية للاستهلاك لا تعني بالضرورة تحسيناً لنوعية الحياة، وأن تغييراً روحياً وآخر أخلاقياً في بنية الشخصية يجب أن يسيرا جنباً إلى جنب مع تغييرات اجتماعية ضرورية، وأنه إذا لم نكف عن تبديد مواردنا الطبيعية وعن الإخلال بظروف البيئة الملائمة لاستمرار بقاء النوع البشري، فإنه يمكن رؤية الكارثة في غضون سنوات قليلة قادمة.

ولذا، يبيّن شوماخر في كتابه الصغير هو الجميل أن إخفاقاتنا هي نتيجة نجاحاتنا، ويدعو إلى وضع التقنية في خدمة الاحتياجات الحقيقية للإنسان، يقول شوماخر: الاقتصاد كمحتوى للحياة مرض قاتل؛ وذلك لأن التنمية اللانهائية لا تناسب عالماً محدوداً, وقد علمتنا والكلام مازال لشوماخر رسائل المعلمين الكبار للإنسانية أن الاقتصاد يجب ألا يكون محتوى الحياة, والواقع المعاش اليوم يدل بوضوح على استحالة ذلك.

إن مهمة الدولة هي أن تحدد معايير الاستهلاك الرشيد في مواجهة الاستهلاك المرضي أو الاستهلاك الاعتباطي؛ ذلك لأنه لا يمكن أن يتجه الناس للاستهلاك الرشيد إلا إذا أحس عدد متزايد منهم بالرغبة في تغيير أنماطهم الاستهلاكية وأساليبهم الحياتية، ولن يكون هذا ممكناً إلا إذا عرض على الناس نمط استهلاكي أكثر جاذبية وإقناعاً من النمط الذي اعتادوا عليه, ولن يحدث هذا في يوم وليلة، كما لن يحدث بمرسوم أو تشريع، وإنما الأمر يتطلب عملية تربوية وتعليمية طويلة الأمد.

إننا لن نستطيع أن نحقق الاستهلاك الرشيد إلا إذا وضعنا حدوداً تحد من حق المنشآت الإنتاجية الكبيرة في جعل الأساس الوحيد للإنتاج هو الربح والتوسع.

إن المهمة تتلخص في بناء اقتصاد صحي من أجل أناس أصحاء والخطوة الأولى الحاسمة لتحقيق هذا الهدف هي توجيه الإنتاج من أجل نوع جديد من الاستهلاك الرشيد.

لقد شاهد التاريخ أحقاباً طويلة ظلت أثناءها نخبة قليلة العدد تتمتع وحدها بأشكال من الملذات والمتع الفارغة، غير أن هذه القلة ظلت قادرة على الاحتفاظ بقواها العقلية؛ لأنها كانت تعرف أن السلطة في قبضتها، وأن عليها أن تفكر وأن تعمل للمحافظة عليها، أما اليوم فقد أصبحت حياة الاستهلاك الفارغة تمارسها الطبقة المتوسطة كلها، بينما هي مجردة من أي سلطة سياسية أو اقتصادية ولا تحمل أي مسؤولية شخصية إلا في أضيق الحدود.

لقد أصبحت مزايا السعادة الاستهلاكية معروفة لدى أغلبية المواطنين في الغرب، غير أن عدداً متزايداً من المستفيدين منها بدؤوا يدركون أنها لا تكفي، أي بدؤوا يدركون أن الاقتناء الكثير لا يعني الحياة الطيبة الهنيئة.

ولذا جاء في القرآن الكريم دعوة الحق تبارك وتعالى إلى أن ينبذ البشر طريق الجشع والتملك؛ (وَيْلٌ لِّكُلِّ هُمَزَةٍ لُّمَزَةٍ {1} الَّذِي جَمَعَ مَالاً وَعَدَّدَهُ {2} يَحْسَبُ أَنَّ مَالَهُ أَخْلَدَهُ {3}) (الهمزة)، وكذلك دعوة إلى أن يسلكوا طريق الحياة الطيبة، وإلى أن يستخدم الإنسان عقله وبصيرته (وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ {10}) (البلد).

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top