د.أشرف دوابة

د.أشرف دوابة

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

مع نهاية الحرب العالمية الثانية شهد النصف الثاني من القرن العشرين زوال الاستعمار من بلاد المسلمين، وظهرت الحاجة إلى تحقيق الاستقلال الاقتصادي فضلاً عن السياسي، وتطوير الاقتصاد بما ينسجم مع التعاليم الإسلامية؛ وهو ما أدى إلى ظهور مصطلح «الاقتصاد الإسلامي»، وكشف النقاب عن المنهج الاقتصادي الإسلامي لإقامة نظام اقتصادي يجمع بين فقه النص وواقع العصر، للخروج من نفق التبعية وتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية، وقد تبنى هذا الفكر إسلاميون مخلصون، وعدد محدود من أنظمة الحكم، التي انخدعت في مجملها بالرأسمالية تارة وبالاشتراكية تارة أخرى، وبالترقيع بينهما تارة ثالثة، حتى ارتبطت بالاستعمار فكرياً بعد زواله عسكرياً، وبقي الجانب الفكري له أذنابه ممن رضعوا لبنه وانفطموا عليه.

لم تنقطع اجتهادات المفكرين الاقتصاديين الإسلاميين في تحليل مشكلات مجتمعاتهم وعرض أنواع العلاج الملائمة لها في إطار المنهج الاقتصادي الإسلامي، وهكذا تطور الفكر الاقتصادي الإسلامي الحديث، وظهرت مساهمات عديدة عن خصائص النظام الاقتصادي الإسلامي في مجالات النقود والربا والبنوك الإسلامية والزكاة والضرائب والقيمة الاقتصادية والتضخم وكيفية تحقيق الاستقرار النقدي، وكذلك في مجال التعاون والتكامل بين الدول الإسلامية.

الجهود الفردية والمؤسسية

وقد تمثلت تلك المساهمات في كتابات فردية لعلماء في الفقه والاقتصاد، فضلاً عن قوة الدفع الحقيقية للاقتصاد الإسلامي التي تمثلت في العديد من المؤتمرات والندوات العالمية التي أُقيمت على نحو شبه مستمر ومتواصل، وفي مقدمتها المؤتمر العالمي الأول للاقتصاد الإسلامي، الذي عقدته جامعة الملك عبد العزيز بمكة المكرمة في فبراير 1976م، كما كان للمعهد الإسلامي للبحوث والتدريب بالبنك الإسلامي للتنمية بجدة دور كبير في إقامة وإنجاح العديد من الندوات والمؤتمرات، وكذلك مركز صالح كامل للاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر بمصر، فضلاً عن دور المجامع الفقهية في تعضيد الفقه التنظيري والميداني للاقتصاد الإسلامي، وفي مقدمتها المجمع الفقهي الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بجدة، والمجمع الفقهي الإسلامي التابع لمنظمة المؤتمر الإسلامي بمكة المكرمة.

كما لقي الاقتصاد الإسلامي أيضاً دفعة كبيرة في الجانب المؤسسي من خلال التعليم الجامعي أو الدراسات العليا في العديد من الجامعات بالدول الإسلامية؛ كجامعة أم القرى، وجامعة الإمام بالمملكة العربية السعودية، وجامعة أم درمان الإسلامية بالسودان، والمعهد العالي للاقتصاد الإسلامي في إسلام آباد بباكستان، والجامعة الإسلامية العالمية في ماليزيا، وجامعة الأزهر وجامعة الإسكندرية بمصر، وجامعة اليرموك في الأردن، وجامعة الأوزاعي في لبنان.

ولم يقتصر الأمر على الجامعات بالدول الإسلامية، بل تعداه للجامعات ومراكز الأبحاث بالدول الغربية، فعلى سبيل المثال فإن جامعة هارفارد Harvard في الولايات المتحدة لها اهتمامات - منذ فترة ليست بالقصيرة - على مستوى الملتقيات الدورية، ولديها قاعدة بيانات عن البحوث في مجال الاقتصاد الإسلامي، كما تعد بريطانيا من الدول المتقدمة في هذا المجال عبر البرنامج الأكاديمي للماجستير والدكتوراه الذي تقدمه جامعات: درم Durham، ولافبرا Loughborough، ودندي Dundee، ونيوكاسل Newcastle، وريدنج Reading، وبانقور Bangor، وهناك أيضاً معهد المصرفية الإسلامية والتأمين في لندن IIBI، والمعهد العالمي للفكر الإسلامي في الولايات المتحدةIIIT، كما يوجد برنامج للماجستير في المالية الإسلامية في جامعة باريس دوفن Paris-Dauphine University في فرنسا، وجامعة لاتروب La Trobe في أستراليا.

كما ظهر الجانب المؤسسي أيضاً من خلال المؤسسات المالية الإسلامية وفي مقدمتها المصارف الإسلامية، بالإضافة إلى عدد آخر ليس قليلاً من البنوك التجارية التي عملت على تنويع نشاطها بفتح نوافذ مصرفية إسلامية أو التي اتخذت خطوات فعلية للتحول إلى العمل المصرفي الإسلامي، فضلاً عن شركات التأمين التكافلي، وشركات التمويل والاستثمار الإسلامي، وقد شهدت تلك المؤسسات نمواً ملحوظاً؛ حيث بلغ عددها حالياً في جميع أنحاء العالم ١١٤٣ شركة، حصة البنوك الإسلامية منها نسبة ٣٨%، وشركات التأمين التكافلي نسبة ٢٧%، وشركات التمويل والاستثمار الإسلامي نسبة ٣٥%.

وعلى مستوى نظم الحكم، عمدت بعض الدول إلى تحويل نظامها الاقتصادي إلى النظام الإسلامي كباكستان والسودان وإيران، وإن لم يخلُ التطبيق العملي من العديد من السلبيات.

وقد ساهم في الاهتمام بإقامة الاقتصاد الإسلامي فكراً وتطبيقاً فشل النظام الاشتراكي - بعد أن انخدعت بعض الدول الإسلامية به حتى تم انهياره بزوال الاتحاد السوفييتي مع نهاية الثمانينيات من القرن الماضي - وكذلك النظام الرأسمالي الذي ظهرت خرافة الحرية الاقتصادية التي ينادي بها بعد الأزمة المالية العالمية التي انفجرت في العام 2008م.

لقد كشف الماضي والحاضر عن عجز النظم الوضعية عن تحقيق الاستقرار الاقتصادي والرفاه المادي جنباً إلى جنب مع الرفاه الروحي، فضلاً عن عجز الدول النامية وفي مقدمتها الدول الإسلامية عن تقليل الفجوة الاقتصادية بينها وبين الدول المتقدمة، بل ومعاناة العديد من الدول الإسلامية من ازدياد حدة المشكلات الاقتصادية في شكل عجز مستمر في موازين المدفوعات وارتفاع غير عادي في الدين العام بنوعيه الداخلي والخارجي، واشتداد حدة التضخم وارتفاع وتنامي نسبة الفقر؛ وهو ما دفع العديد من الدول الإسلامية والغربية - على السواء - في واقعنا المعاصر إلى الاهتمام بالاقتصاد الإسلامي فكراً وتطبيقاً.

لم يعرف مصطلح الاقتصاد الإسلامي طريقه للظهور إلا في أواخر القرن الرابع عشر الهجري؛ أي في النصف الثاني من القرن العشرين، وإن كان جوهر ومضمون هذا المصطلح ارتبط بالإسلام منذ ظهور رسالته التي وضعت الأسس الشرعية والفكرية والتطبيقية لعلم الاقتصاد، حيث عرفت الممارسات الاقتصادية منذ العام الهجري الأول.

فقد أقام الرسول صلى الله عليه وسلم سوقاً بالمدينة، ووضع الضوابط اللازمة للمعاملات بما يكفل القضاء على الغش والغبن والاحتكار والربا، وحرص على جمع الزكاة وإقطاع الأرض لمن يريد أن يحييها بالاستصلاح، ونظم استخدام الموارد المائية، ورسخ مفهوم العدل في المعاملات، واحترام الملكية الفردية، وحرية الأسواق وما يجري فيها من معاملات وأسعار ما دامت في إطار الشريعة الإسلامية الغرّاء، ووضع الضوابط اللازمة في مجالات الإنتاج والتوزيع والاستهلاك.

وجاء عصر الصحابة والتابعين؛ فانتشر مفهوم فقه المعاملات كنتيجة طبيعية لاتساع هذا الفقه باتساع رقعة الدولة الإسلامية، وظهرت كتابات قيمة في الاقتصاد الإسلامي بأيدي المفسرين والفقهاء والمؤرخين وفلاسفة علم الاجتماع والسياسة والأخلاق، فقد كتب أبو يوسف (يعقوب بن إبراهيم، ت 182هـ/ 798م) كتابه «الخراج»، وكتب محمد بن الحسن الشيباني (ت 198هـ/ 804م) كتابه «الاكتساب في الرزق المستطاب»، وكتب يحيى بن آدم القرشي (ت 203هـ/ 818م) كتابه «الخراج»، وكتب أبو عبيد القاسم بن سلام (ت 224هـ/ 838م) كتابه «الأموال»، وكتب على محمد بن حبيب الماوردي (ت 450هـ/ 1057م) كتابيه «الأحكام السلطانية»، و«المضاربة».

وإلى جانب ذلك ظهرت العديد من الكتابات في علم الاقتصاد الإسلامي لأئمة الفقه وتلاميذهم من خلال تعرضهم للفقه الإسلامي بجوانبه المتعددة، فضلاً عن العديد من الكتابات المتفرقة والمتعمقة في الاقتصاد الإسلامي للعديد من العلماء، وفي مقدمتهم الإمام أبو حامد الغزالي (ت 505هـ/ 1111م) الذي تناول في كتابه «إحياء علوم الدين» اكتساب الدخل، ومشروعية تكوين الثروة، وصعوبات المقايضة، والنقود، والربا، وأبو الفضل جعفر بن على الدمشقي (ت 570هـ/ 1174م) الذي تناول في كتابه «الإشارة إلى محاسن التجارة» الحاجات، وتقسيم العمل، وصعوبات المقايضة، والنقود، والأسعار، وابن تيمية (ت 728هـ/ 1328م) الذي تناول في كتبه «السياسة الشرعية»، و«مجموع الفتاوى»، و«الحسبة» النقود، والأسعار، ودور الدولة في الرقابة على الأسواق ورعاية المحتاجين من الناحية الاقتصادية كما تناولها أيضاً تلميذه ابن القيم (ت 751هـ/ 1350م) في كتابيه «الطرق الحكمية في السياسة الشرعية»، و«إعلام الموقعين عن رب العالمين».

ومع نهايات القرن الثامن وبدايات القرن التاسع الهجري، ظهر رائد على الاجتماع ومن ثم علم الاقتصاد - باعتباره فرعاً من العلوم الاجتماعية - ابن خلدون (ت 808هـ/ 1404م) الذي كتب كتابه «المقدمة» قبل أن يولد من سماه الغرب أبا الاقتصاد آدم سميث الذي نشر كتابه «ثروة الأمم» عام 1776م، فقد كشفت مقدمة ابن خلدون عن تطرقه بالمناقشة  للعديد من المبادئ الاقتصادية بصورة تجمع بين الفهم العميق والنظر البعيد والفكر الثاقب، فتعرض على سبيل المثال لتقسيم العمل، والأسعار، والنقود، والعرض والطلب، وتقسيم السلع إلى ضرورية وكمالية، والتجارة الخارجية، كما ناقش بإسهاب الأنشطة الاقتصادية المؤدية إلى اكتساب الدخل في القطاعات الرئيسة، وقدم تحليلاً دقيقاً للنمو الاقتصادي ودور الدولة فيه خلال مراحل تطورها.

وفي تلك الفترة ظهر أيضاً المقريزي (ت 845هـ/ 1442م) الذي تناول بالتحليل في كتابه «إغاثة الأمة بكشف الغمة»، أسباب غلاء الأسعار في مصر في تلك الفترة متناولاً النقود والأسعار، محللاً التغيرات في قيمة النقود وعلاقتها بالارتفاع المستمر في الأسعار والأزمات الاقتصادية المترتبة على ذلك، معللاً أسباب الغلاء بسوء التدبير والفساد الإداري وزيادة كمية النقود المتداولة، كما ظهر بعد ذلك شاه ولي الله (ت 1176هـ/ 1762م) الذي تناول في كتابه «حجة الله البالغة» عقود المشاركات، والربا، والقمار، والزكاة، والضرائب، والإسراف.

وقد انطبق على عصر ابن خلدون نظريته الخالدة بأن «تقدم العلوم يتوقف على تقدم المجتمع نفسه»، حيث بدأ في عصره نهاية الازدهار الإسلامي، وفي مقدمة ذلك علم الاقتصاد الإسلامي الذي شهد نمواً سريعاً وعمقاً واسعاً حتى القرن الرابع الهجري العاشر الميلادي، ثم كانت وتيرته بصورة أقل حتى القرن الثامن الهجري الرابع عشر الميلادي، ثم عاش في زاوية النسيان بعد ذلك خاصة بعد القضاء على الخلافة الإسلامية عام 1924م وسيطرة الاستعمار الغربي على ديار المسلمين، وفي الوقت نفسه أصبح الاقتصاد التقليدي علماً قائماً بذاته في الغرب، ويشهد حراكاً واسعاً نحو التطوير.. وللحديث بقية.

عرف مصطلح التنمية طريقه للظهور بعد الحرب العالمية الثانية، واقتصر مفهوم التنمية منذ ذلك الوقت وحتى نهاية عقد الثمانينيات على الكمية التي يحصل عليها الفرد من سلع وخدمات مادية، حيث كان الاهتمام منصباً فقط على النظرة الاقتصادية البحتة من خلال التركيز على النمو الاقتصادي، وتحسين ميزان المدفوعات، وتنمية الصادرات، باعتبارها المقياس الحقيقي للتقدم والتنمية.

في عام 1990م تبنى برنامج الأمم المتحدة للإنماء مفهوماً للتنمية البشرية بمقتضاه أصبح الإنسان هو صانع التنمية وهدفها، وذلك باعتبار البشر هم الثروة الحقيقة للأمم، وأن التنمية البشرية هي عملية توسيع خيارات البشر، وأن قدرات أي أمة تكمن فيما تمتلكه من طاقات بشرية مؤهلة ومدربة وقادرة على التكيف والتعامل مع أي جديد بكفاءة وفاعلية.

وفي عام 2002م تبنى برنامج الأمم المتحدة للإنماء مفهوماً للتنمية الإنسانية بديلاً عن التنمية البشرية في أول تقرير صادر له عن التنمية الإنسانية في الدول العربية، على أساس أن التنمية تتجاوز في جوهرها الأبعاد المادية إلى الأبعاد المعنوية التي تمتد لتشمل الحكم الجيد، ووضع المرأة في المجتمع ومدى تمتعها بحقوقها داخله.

وقد عرف التقرير «التنمية الإنسانية» بأنها «عملية توسيع الخيارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية»، وأنها «تنمية الناس، ومن أجل الناس، من قِبل الناس»، وتشمل تنمية الناس بناء القدرات الإنسانية عن طريق تنمية الموارد البشرية، ويعني القول «التنمية من أجل الناس» أن مردود النمو يجب أن يظهر في حياة الناس، والقول «التنمية من قبل الناس» يعني تمكينهم من المشاركة بفاعلية في التأثير على العمليات التي تشكل جوهر حياتهم.

والتنمية الإنسانية بذلك أوسع من مفاهيم التنمية حتى التي تركز على الإنسان، فتنمية الموارد البشرية تؤكد رأس المال البشرى فقط، وتعامل الناس كمدخل في عملية التنمية، ولكن ليس كمنتفعين منها، ويركز نهج الحاجات الأساسية على متطلبات الإنسان، ولكن ليس على خياراتهم، وينظر نهج رفاه الإنسان إلى الناس كمنتفعين وليس كمشاركين فاعلين في العمليات التي تشكل حياتهم، أما التنمية الإنسانية فهي باشتمالها على جميع هذه الجوانب تعد أكثر شمولاً تجاه التنمية.

وأياً كان الاسم، فإن مضمونه هو الذي يحوي مفهومه، وسواء أكانت التنمية بشرية أو إنسانية فإنها في حقيقتها مترادفات ويبقى مدلول المسمى، فالتنمية سواء سميت بشرية أو إنسانية ينبغي ألا تنتهي عند تكوين القدرات البشرية، مثل: تحسين الصحة وتطوير المعرفة والمهارات؛ بل يجب أن تمتد إلى أبعد من ذلك؛ حيث الانتفاع بها سواء في مجال العمل من خلال توافر فرص الإبداع، أو التمتع بوقت الفراغ، أو الاستمتاع باحترام الذات وضمان حقوق الإنسان، أو المساهمة الفاعلة في النشاطات الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية، وترسيخ مفاهيم الحرية والعدل والمساواة، فالتنمية البشرية أو الإنسانية ليست مجرد تنمية موارد بشرية، بل تمتد لتشمل التنمية بجوانبها الشاملة والمتكاملة، فهي لا ترتبط فقط بحياة البشر بل ترتبط في الوقت نفسه بجودة حياة البشر.

الإسلام والتنمية البشرية

ينظر الإسلام للتنمية البشرية على أنها الحياة الطيبة، وهو بذلك سبق وفاق ما كان عليه مفهومها وما آل إليه وما اختلف في مسماها، فهو لا ينظر لصنع الثروة بقدر ما ينظر إلى صانع تلك الثروة وهو الإنسان، ذلك المخلوق الذي له القدرة على صنع الثروة وفي الوقت نفسه لا تصنعه الثروة، وهو بطبيعته أكرم مخلوق، ومن أجله سخر له الله تعالى الكون خادماً لا مستخدماً فقال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً {70}) (الإسراء).

وتنبعث الرؤية التنموية في الإسلام من قضية الاستخلاف وفلسفته في العلاقة بين الإنسان والكون ومالكهما رب العالمين، وهو مفهوم يجمع بين التنمية الروحية والمادية، ويُعلي من شأن النفس الإنسانية، ويضعها موضع التكريم اللائق بها، والذي يُمَكِّنها من أداء دورها في تعمير الكون وتحقيق العبودية الخالصة لخالق هذا الكون وحده.

إن مفهوم التنمية في الإسلام يتجاوز المنظور المادي وتحقيق الرفاهية القائمة على إشباع متطلبات الجسد، ويمتد إلى طلبات الروح والعقل التي لا تقل عن الناحية المادية في الحياة، فالإنسان بفكره هو الذي يصنع الماديات، وقد توجد الماديات ولا يوجد الإنسان المفكر المتحضر، فالفكر قبل المادة.

وفي الإسلام تهدف التنمية بصفة أساسية إلى تحقيق الأمن المادي من الجوع والأمن المعنوي من الخوف؛ (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ {3} الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ {4}‏) (قريش)، فالإسلام يريد من خلال عملية التنمية توفير الحياة الطيبة الكريمة لكل إنسان؛ (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ {97}) (النحل)، حياة تسمو بالروح والجسد، ويسودها روح الإخاء والتكافل والمودة والرحمة، وترفرف عليها مظلة الأمن والعدل والحرية والمساواة، وتخلو من شبح الجوع والخوف والكراهية والبغضاء والأثرة، وتراعي العدالة في توزيع الدخول والثروة حتى لا يكون المال دولة بين الأغنياء وحدهم.

تمثل الشركات متعددة الجنسيات إحدى القوى الفاعلة في التأثير في عالمنا المعاصر، ليس على المستوى الاقتصادي فحسب، بل والمستوى الاجتماعي والسياسي أيضاً، وتعد هذه الشركات المحرك الرئيس لظاهرة العولمة التي تمثل المحدد الأساسي لمسار النمو والتنمية في مختلف دول العالم اليوم.

ساعدت العولمة على انتشار الشركات متعددة الجنسيات التي تمتلك موارد طبيعية وقوة مالية ومرتكزات تكنولوجية هائلة، وتسيطر على أهم الأنشطة الاقتصادية في دول العالم، ومنها الدول الإسلامية التي عمدت هذه الشركات إلى البحث عن مصالحها الاقتصادية فيها، ونظرت إلى أولوياتها بغض النظر عن أولويات الدول الإسلامية؛ وهو ما انعكس في صورة مزيد من تبعية الدول الإسلامية اقتصادياً لها.

وقد عرفت الشركات متعددة الجنسيات طريقها للنشأة، على يد الشركات الأمريكية الكبرى التي عمدت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وبصفة خاصة منذ الخمسينيات من القرن الماضي على زيادة استثماراتها المباشرة خارج الولايات المتحدة، وذلك بإنشاء وحدات إنتاجية في كندا وأوربا وأمريكا اللاتينية في إطار إستراتيجية إنتاجية عالمية موحدة.

عوامل الانتشار

وقد سارت الشركات الأوروبية على نفس النهج بعد الحرب العالمية الثانية، وإعادة بناء قوتها، فأنشأت وحدات إنتاجية خارج حدودها، ثم جاء بعد ذلك دور الشركات اليابانية التي انتشرت عالمياً، وقد ساهم في انتشار الشركات متعددة الجنسيات اتفاقية «الجات»، وميلاد منظمة التجارة العالمية، واتجاه العالم بقوة نحو العولمة، حتى أصبحت تلك الشركات تستحوذ على ثلثي التجارة العالمية.

وقد تعددت أساليب تكوين الشركات متعددة الجنسيات، فقد تقوم الشركة الأم بتكوين شركات في دول أخرى سواء بميلاد تلك الشركات لأول مرة، أو بتملك تلك الشركات من خلال شراء أسهمها والسيطرة عليها، أو بتملكها من خلال الاندماج ومن ثم اختفاء تلك الشركات.

ومن خلال تتبع وضع الشركات متعددة الجنسيات في الدول النامية التي تعد الدول الإسلامية جزءاً منها؛ نجد أنها تستحوذ على 15% فقط من النشاط الاستثماري لهذه الشركات، ولا أحد ينكر مقدرة الشركات متعددة الجنسيات بما لديها من موارد ضخمة على سد الفجوة بين احتياجات العديد من الدول الإسلامية من رؤوس الأموال اللازمة لتمويل المشروعات التنموية، وحجم المدخرات أو الأموال المتاحة محلياً، ولكن هذه المقدرة لا تأتي وفق رغبات الدول الإسلامية، بل وفق إستراتيجيات الشركات متعددة الجنسيات التي تبحث عن مصالحها بغض النظر عن مصالح الدول الإسلامية المضيفة.

ترسيخ التبعية الاقتصادية

وقد وصف الأستاذ الجامعي في جامعة هارفرد «ريمون فيرنون»، الشركات متعددة الجنسيات بقوله: «أصبحت هذه الشركات تجسّد كل ما هو فاسد في المجتمع الصناعي الحديث، وهي في ظل هيمنتها على الاقتصاد العالمي، نراها لا ترحم في حساباتها الشعوب النامية، ومنها العالم العربي، وسوف تستمر في التأثير على الحكومات في هذه البلدان، علماً بأن رؤوس الأموال الخاصة بالشركات الكبرى المتجهـة نحو البلدان النامية ضعيفة، في حين تتركز وتنصب على الدول الغنيّة من العالم».

إن الواقع يكشف أن الشركات متعددة الجنسيات عملت على ترسيخ التبعية الاقتصادية في العالم الإسلامي، من خلال تعميق التبادل اللامتكافئ بين الدول المتقدمة والدول الإسلامية التي ما زالت تقع - للأسف الشديد - تحت مظلة الدول النامية، وقد بدا دور الشركات متعددة الجنسيات في تعميق التبادل اللامتكافئ من خلال إنتاج وإعادة إنتاج التبادل اللامتكافئ، والتقسيم الدولي الجديد للعمل، ونقل التكنولوجيا.

وإذا كان البعض ينظر للشركات متعددة الجنسيات على أنها عملت على نقل التقنية للدول الإسلامية، فإن الواقع يكشف أنه ليس كل تقنية يمكن أن يتم نقلها؛ بل إن التقنية التي تلامس رغبات الشركات متعددة الجنسيات.. فتحت الباب أمام السفه الاستهلاكي في العالم الإسلامي، وأهملت المساهمة باستثماراتها في تغيير البنية الهيكلية للإنتاج، وتعزيز الصناعة التحويلية، واعتمدت بصورة كبيرة على تركيز استثماراتها في قطاع البترول الريعي الذي لا يندرج عليه المساهمة في امتصاص البطالة التي تعتبر قنبلة موقوتة في العالم الإسلامي خاصة في قطاع الشباب.

إضافة إلى أنها اتجهت باستثماراتها نحو القطاع الخدمي، ولم يجنِ العالم الإسلامي منها سوى استغلال موارده وعمالته، واحتكار السلع والخدمات، وتغيير هوية وثقافة الأمة، وعقد الصفقات من خلال الرشوة والفساد، وجعل اقتصاده عاجزاً عن توفير شروط تراكمه ونموه داخلياً، وحتى إذا حدث نمو اقتصادي يظل تبعياً، وربط مصالحه بما ترضاه تلك الشركات، حتى باتت التبعية في كل شيء؛ تبعية غذائية وتكنولوجية وثقافية وسياسية، بل بدت التبعية المالية أيضاً من خلال تغريق العديد من الدول الإسلامية  في بحر لجي من الديون الخارجية، وتوظيف الدول النفطية الإسلامية أموالها في أسواق المال الدولية في الدول الغربية.

سوق إسلامية مشتركة

لقد آن الأوان لدول العالم الإسلامي للخروج من نفق تبعية الشركات متعددة الجنسيات، والاعتماد على ذاتها، وتنسيق الجهود فيما بينها، لميلاد سوق إسلامية مشتركة، تعتمد على التخصص وتقسيم العمل بين دول العالم الإسلامي، وتستفيد مما حباها الله من موارد طبيعية هائلة، وقوى بشرية ماهرة، ورأسمال لا يستهان به، لتخرج الأمة من دور المغلوب المولع بالغالب إلى أمة تعتمد في تلبية حاجاتها على سواعد أبنائها، وتبني علاقتها مع الآخر على أساس المصالح المتبادلة وفقاً لميزان العدل دون طغيان أو إخسار.

الصفحة 5 من 5
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top