د.أشرف دوابه

د.أشرف دوابه

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

عرف مصطلح التنمية طريقه للظهور بعد الحرب العالمية الثانية، واقتصر مفهوم التنمية منذ ذلك الوقت وحتى نهاية عقد الثمانينيات على الكمية التي يحصل عليها الفرد من سلع وخدمات مادية، حيث كان الاهتمام منصباً فقط على النظرة الاقتصادية البحتة من خلال التركيز على النمو الاقتصادي، وتحسين ميزان المدفوعات، وتنمية الصادرات، باعتبارها المقياس الحقيقي للتقدم والتنمية.

في عام 1990م تبنى برنامج الأمم المتحدة للإنماء مفهوماً للتنمية البشرية بمقتضاه أصبح الإنسان هو صانع التنمية وهدفها، وذلك باعتبار البشر هم الثروة الحقيقة للأمم، وأن التنمية البشرية هي عملية توسيع خيارات البشر، وأن قدرات أي أمة تكمن فيما تمتلكه من طاقات بشرية مؤهلة ومدربة وقادرة على التكيف والتعامل مع أي جديد بكفاءة وفاعلية.

وفي عام 2002م تبنى برنامج الأمم المتحدة للإنماء مفهوماً للتنمية الإنسانية بديلاً عن التنمية البشرية في أول تقرير صادر له عن التنمية الإنسانية في الدول العربية، على أساس أن التنمية تتجاوز في جوهرها الأبعاد المادية إلى الأبعاد المعنوية التي تمتد لتشمل الحكم الجيد، ووضع المرأة في المجتمع ومدى تمتعها بحقوقها داخله.

وقد عرف التقرير «التنمية الإنسانية» بأنها «عملية توسيع الخيارات الاقتصادية والاجتماعية والسياسية والثقافية»، وأنها «تنمية الناس، ومن أجل الناس، من قِبل الناس»، وتشمل تنمية الناس بناء القدرات الإنسانية عن طريق تنمية الموارد البشرية، ويعني القول «التنمية من أجل الناس» أن مردود النمو يجب أن يظهر في حياة الناس، والقول «التنمية من قبل الناس» يعني تمكينهم من المشاركة بفاعلية في التأثير على العمليات التي تشكل جوهر حياتهم.

والتنمية الإنسانية بذلك أوسع من مفاهيم التنمية حتى التي تركز على الإنسان، فتنمية الموارد البشرية تؤكد رأس المال البشرى فقط، وتعامل الناس كمدخل في عملية التنمية، ولكن ليس كمنتفعين منها، ويركز نهج الحاجات الأساسية على متطلبات الإنسان، ولكن ليس على خياراتهم، وينظر نهج رفاه الإنسان إلى الناس كمنتفعين وليس كمشاركين فاعلين في العمليات التي تشكل حياتهم، أما التنمية الإنسانية فهي باشتمالها على جميع هذه الجوانب تعد أكثر شمولاً تجاه التنمية.

وأياً كان الاسم، فإن مضمونه هو الذي يحوي مفهومه، وسواء أكانت التنمية بشرية أو إنسانية فإنها في حقيقتها مترادفات ويبقى مدلول المسمى، فالتنمية سواء سميت بشرية أو إنسانية ينبغي ألا تنتهي عند تكوين القدرات البشرية، مثل: تحسين الصحة وتطوير المعرفة والمهارات؛ بل يجب أن تمتد إلى أبعد من ذلك؛ حيث الانتفاع بها سواء في مجال العمل من خلال توافر فرص الإبداع، أو التمتع بوقت الفراغ، أو الاستمتاع باحترام الذات وضمان حقوق الإنسان، أو المساهمة الفاعلة في النشاطات الاقتصادية والسياسية والثقافية والاجتماعية، وترسيخ مفاهيم الحرية والعدل والمساواة، فالتنمية البشرية أو الإنسانية ليست مجرد تنمية موارد بشرية، بل تمتد لتشمل التنمية بجوانبها الشاملة والمتكاملة، فهي لا ترتبط فقط بحياة البشر بل ترتبط في الوقت نفسه بجودة حياة البشر.

الإسلام والتنمية البشرية

ينظر الإسلام للتنمية البشرية على أنها الحياة الطيبة، وهو بذلك سبق وفاق ما كان عليه مفهومها وما آل إليه وما اختلف في مسماها، فهو لا ينظر لصنع الثروة بقدر ما ينظر إلى صانع تلك الثروة وهو الإنسان، ذلك المخلوق الذي له القدرة على صنع الثروة وفي الوقت نفسه لا تصنعه الثروة، وهو بطبيعته أكرم مخلوق، ومن أجله سخر له الله تعالى الكون خادماً لا مستخدماً فقال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُم مِّنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِّمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلاً {70}) (الإسراء).

وتنبعث الرؤية التنموية في الإسلام من قضية الاستخلاف وفلسفته في العلاقة بين الإنسان والكون ومالكهما رب العالمين، وهو مفهوم يجمع بين التنمية الروحية والمادية، ويُعلي من شأن النفس الإنسانية، ويضعها موضع التكريم اللائق بها، والذي يُمَكِّنها من أداء دورها في تعمير الكون وتحقيق العبودية الخالصة لخالق هذا الكون وحده.

إن مفهوم التنمية في الإسلام يتجاوز المنظور المادي وتحقيق الرفاهية القائمة على إشباع متطلبات الجسد، ويمتد إلى طلبات الروح والعقل التي لا تقل عن الناحية المادية في الحياة، فالإنسان بفكره هو الذي يصنع الماديات، وقد توجد الماديات ولا يوجد الإنسان المفكر المتحضر، فالفكر قبل المادة.

وفي الإسلام تهدف التنمية بصفة أساسية إلى تحقيق الأمن المادي من الجوع والأمن المعنوي من الخوف؛ (فَلْيَعْبُدُوا رَبَّ هَذَا الْبَيْتِ {3} الَّذِي أَطْعَمَهُم مِّن جُوعٍ وَآمَنَهُم مِّنْ خَوْفٍ {4}‏) (قريش)، فالإسلام يريد من خلال عملية التنمية توفير الحياة الطيبة الكريمة لكل إنسان؛ (مَنْ عَمِلَ صَالِحاً مِّن ذَكَرٍ أَوْ أُنثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُم بِأَحْسَنِ مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ {97}) (النحل)، حياة تسمو بالروح والجسد، ويسودها روح الإخاء والتكافل والمودة والرحمة، وترفرف عليها مظلة الأمن والعدل والحرية والمساواة، وتخلو من شبح الجوع والخوف والكراهية والبغضاء والأثرة، وتراعي العدالة في توزيع الدخول والثروة حتى لا يكون المال دولة بين الأغنياء وحدهم.

تمثل الشركات متعددة الجنسيات إحدى القوى الفاعلة في التأثير في عالمنا المعاصر، ليس على المستوى الاقتصادي فحسب، بل والمستوى الاجتماعي والسياسي أيضاً، وتعد هذه الشركات المحرك الرئيس لظاهرة العولمة التي تمثل المحدد الأساسي لمسار النمو والتنمية في مختلف دول العالم اليوم.

ساعدت العولمة على انتشار الشركات متعددة الجنسيات التي تمتلك موارد طبيعية وقوة مالية ومرتكزات تكنولوجية هائلة، وتسيطر على أهم الأنشطة الاقتصادية في دول العالم، ومنها الدول الإسلامية التي عمدت هذه الشركات إلى البحث عن مصالحها الاقتصادية فيها، ونظرت إلى أولوياتها بغض النظر عن أولويات الدول الإسلامية؛ وهو ما انعكس في صورة مزيد من تبعية الدول الإسلامية اقتصادياً لها.

وقد عرفت الشركات متعددة الجنسيات طريقها للنشأة، على يد الشركات الأمريكية الكبرى التي عمدت منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، وبصفة خاصة منذ الخمسينيات من القرن الماضي على زيادة استثماراتها المباشرة خارج الولايات المتحدة، وذلك بإنشاء وحدات إنتاجية في كندا وأوربا وأمريكا اللاتينية في إطار إستراتيجية إنتاجية عالمية موحدة.

عوامل الانتشار

وقد سارت الشركات الأوروبية على نفس النهج بعد الحرب العالمية الثانية، وإعادة بناء قوتها، فأنشأت وحدات إنتاجية خارج حدودها، ثم جاء بعد ذلك دور الشركات اليابانية التي انتشرت عالمياً، وقد ساهم في انتشار الشركات متعددة الجنسيات اتفاقية «الجات»، وميلاد منظمة التجارة العالمية، واتجاه العالم بقوة نحو العولمة، حتى أصبحت تلك الشركات تستحوذ على ثلثي التجارة العالمية.

وقد تعددت أساليب تكوين الشركات متعددة الجنسيات، فقد تقوم الشركة الأم بتكوين شركات في دول أخرى سواء بميلاد تلك الشركات لأول مرة، أو بتملك تلك الشركات من خلال شراء أسهمها والسيطرة عليها، أو بتملكها من خلال الاندماج ومن ثم اختفاء تلك الشركات.

ومن خلال تتبع وضع الشركات متعددة الجنسيات في الدول النامية التي تعد الدول الإسلامية جزءاً منها؛ نجد أنها تستحوذ على 15% فقط من النشاط الاستثماري لهذه الشركات، ولا أحد ينكر مقدرة الشركات متعددة الجنسيات بما لديها من موارد ضخمة على سد الفجوة بين احتياجات العديد من الدول الإسلامية من رؤوس الأموال اللازمة لتمويل المشروعات التنموية، وحجم المدخرات أو الأموال المتاحة محلياً، ولكن هذه المقدرة لا تأتي وفق رغبات الدول الإسلامية، بل وفق إستراتيجيات الشركات متعددة الجنسيات التي تبحث عن مصالحها بغض النظر عن مصالح الدول الإسلامية المضيفة.

ترسيخ التبعية الاقتصادية

وقد وصف الأستاذ الجامعي في جامعة هارفرد «ريمون فيرنون»، الشركات متعددة الجنسيات بقوله: «أصبحت هذه الشركات تجسّد كل ما هو فاسد في المجتمع الصناعي الحديث، وهي في ظل هيمنتها على الاقتصاد العالمي، نراها لا ترحم في حساباتها الشعوب النامية، ومنها العالم العربي، وسوف تستمر في التأثير على الحكومات في هذه البلدان، علماً بأن رؤوس الأموال الخاصة بالشركات الكبرى المتجهـة نحو البلدان النامية ضعيفة، في حين تتركز وتنصب على الدول الغنيّة من العالم».

إن الواقع يكشف أن الشركات متعددة الجنسيات عملت على ترسيخ التبعية الاقتصادية في العالم الإسلامي، من خلال تعميق التبادل اللامتكافئ بين الدول المتقدمة والدول الإسلامية التي ما زالت تقع - للأسف الشديد - تحت مظلة الدول النامية، وقد بدا دور الشركات متعددة الجنسيات في تعميق التبادل اللامتكافئ من خلال إنتاج وإعادة إنتاج التبادل اللامتكافئ، والتقسيم الدولي الجديد للعمل، ونقل التكنولوجيا.

وإذا كان البعض ينظر للشركات متعددة الجنسيات على أنها عملت على نقل التقنية للدول الإسلامية، فإن الواقع يكشف أنه ليس كل تقنية يمكن أن يتم نقلها؛ بل إن التقنية التي تلامس رغبات الشركات متعددة الجنسيات.. فتحت الباب أمام السفه الاستهلاكي في العالم الإسلامي، وأهملت المساهمة باستثماراتها في تغيير البنية الهيكلية للإنتاج، وتعزيز الصناعة التحويلية، واعتمدت بصورة كبيرة على تركيز استثماراتها في قطاع البترول الريعي الذي لا يندرج عليه المساهمة في امتصاص البطالة التي تعتبر قنبلة موقوتة في العالم الإسلامي خاصة في قطاع الشباب.

إضافة إلى أنها اتجهت باستثماراتها نحو القطاع الخدمي، ولم يجنِ العالم الإسلامي منها سوى استغلال موارده وعمالته، واحتكار السلع والخدمات، وتغيير هوية وثقافة الأمة، وعقد الصفقات من خلال الرشوة والفساد، وجعل اقتصاده عاجزاً عن توفير شروط تراكمه ونموه داخلياً، وحتى إذا حدث نمو اقتصادي يظل تبعياً، وربط مصالحه بما ترضاه تلك الشركات، حتى باتت التبعية في كل شيء؛ تبعية غذائية وتكنولوجية وثقافية وسياسية، بل بدت التبعية المالية أيضاً من خلال تغريق العديد من الدول الإسلامية  في بحر لجي من الديون الخارجية، وتوظيف الدول النفطية الإسلامية أموالها في أسواق المال الدولية في الدول الغربية.

سوق إسلامية مشتركة

لقد آن الأوان لدول العالم الإسلامي للخروج من نفق تبعية الشركات متعددة الجنسيات، والاعتماد على ذاتها، وتنسيق الجهود فيما بينها، لميلاد سوق إسلامية مشتركة، تعتمد على التخصص وتقسيم العمل بين دول العالم الإسلامي، وتستفيد مما حباها الله من موارد طبيعية هائلة، وقوى بشرية ماهرة، ورأسمال لا يستهان به، لتخرج الأمة من دور المغلوب المولع بالغالب إلى أمة تعتمد في تلبية حاجاتها على سواعد أبنائها، وتبني علاقتها مع الآخر على أساس المصالح المتبادلة وفقاً لميزان العدل دون طغيان أو إخسار.

الصفحة 8 من 8
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top