د. مصطفى اللداوي

د. مصطفى اللداوي

البريد الإلكتروني: عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

 

• اليوم الحادي والثلاثون للإضراب

أزفت الآزفة واقتربت الخاتمة، وأذنت ساعة الحقيقة وحان وقت المواجهة، وقد دقت ساعة الخطر وانطلقت صافرة الإنذار، وأدرك العدو أنه في مواجهةِ خيارٍ وحيدٍ لا ثاني له، ولا مفاصلة فيه ولا مفاضلة، ولا مفاوضاتٍ فيه ولا مساوماتٍ عليه، فقد طوى الأسرى والمعتقلون المضربون عن الطعام شهرهم الأول بالتمام والكمال، وهو الشهر الأصعب والأقسى، والأطول والأكثر ألماً، ولم يتراجع منهم أحدٌ، كما لم يضعف فيهم أسيرٌ، بل ازدادوا عدداً، وتميزوا تنوعاً، وأثبتوا لشعبهم أنهم صُدُقٌ في المواجهةِ، وصُبُرٌ عند اللقاء، وأن أحداً لن يثنيهم عن قرارهم، أو يجبرهم على التراجع عن إضرابهم، لا العنف والقوة، ولا الحيلة والخديعة، ولعلهم اليوم يرون تباشير النصر، ويتوقعون ساعة الفرج، فليس بينهم وبين الوصول إلى أهدافهم سوى خطوة واحدة، وقد عقدوا العزم على اجتيازها أياً كانت العقبات أمامها، أو الصعوبات في طريقها.

اشتدت المحنة وعظم الكرب، وبات الأسرى المضربون في حالٍ صعبٍ، وهم ليسوا واحداً أو اثنين بحيث يمكن السيطرة عليهم والتحكم فيهم، أو تحمل مسؤولية تردي أوضاعهم أو استشهادهم، إنهم نيفٌ عن ألفٍ وثماني مائة أسير، منهم الكهل والعجوز، والصبي والشيخ والمرأة والصحيح والعليل، وقد باتوا اليوم جميعهم مرضى وفي حالٍ صحيةٍ سيئة، ولم يعد يجدي نقل بعضهم إلى المستشفى للمتابعة أو تلقي العلاج، بل لم تعد مستشفيات السجون كلها تكفي لمتابعتهم، رغم إعلان حالة الطوارئ العامة، ومنع الإجازات بأنواعها، واستدعاء الأطباء العسكريين والاحتياط، والتعاقد مع أطباء أجانب، لمواجهة التطورات السريعة والمتلاحقة، ولكن كرة إضراب الأسرى تتدحرج بسرعةٍ وتكبر، وستتسارع في الساعات القليلة القادمة أكثر، وستكبر في الشارع والميدان، وفي فلسطين وخارجها، وستنفجر في وجه الاحتلال ثورةً وانتفاضةً، وسيكون لصوتها صدى ولفعلها أثر.

قد تكون هي الأيام صعبة وقاسية، وفيها انتظارٌ وترقبٌ، وحسابٌ للساعات وعدٌ للدقائق واللحظات، وهي صعبة على الأسرى وذويهم، وعلى المعتقلين وشعبهم، ولكنها أيامٌ معدودةٌ وساعاتٌ قليلة، فهي كساعات آخر الليل أشد ظلمةً، ولكنها ظلمةٌ تؤذن بطلوع الفجر وبزوغ النور وانقشاع الظلام، فما هي إلا أيام ونسمع أن إدارة السجون قد بدأت في التفاوض مع قادة الأسرى، وأنها تخلت عن تعليق الإضراب كشرطٍ مسبقٍ للخوض في المفاوضات، وستجد نفسها مرغمة على مفاوضة قادة الإضراب الذين اختارهم الأسرى وسموهم ناطقين باسمهم ومعبرين عن حالهم ومفاوضين نيابةً عنهم، ولعل سوابق الإضراب تعيد نفسها، ومعارك الأسرى تتكرر نتائجها، صمودٌ وانتصارٌ، وثباتٌ وإنجاز، ولكن بات علينا أن نوطن أنفسنا على كل خبرٍ ونبأ، فلا نصدم بما يسوؤنا، ولا نفاجئ بما يؤلمنا فهذه حربٌ ومواجهةٌ، ومعركةٌ وقتالٌ، قد يسقط فيها جرحى وقد يرتقي فيها شهداء، وقد يتأخر الأمل لكن لا ينحبس الفرج.

أسقط في أيدي سلطات الاحتلال ومصلحة السجون، وباتوا في حيرةٍ من أمرهم، متورطين في سياستهم، ومتخبطين في قراراتهم، تائهين في طريقهم، إذ كيف يواجهون الأسرى والمعتقلين الذي أشرفوا على الشهادة بالجملة، وعزموا على صناعة الكرامة بأرواحهم، ونسج حريتهم بحياتهم، وتحدي جور السجان بأمعائهم، والصمود أم سوط الجلاد بأجسادهم، وقد عجزت لإدارة السجون عن مواجهتهم رغم أنها نقلتهم وفرقتهم، واعتدت عليهم وعاقبتهم، وضربتهم وقمعتهم وبالغازات الخانقة والمدمعة هاجمتهم، وعزلت قادتهم وأبعدت رموزهم وحاولت خداعهم وشق صفهم وتفريق جمعهم، ولكنها باءت وجهودها بالفشل، ولم يعد عندها ولا بين أيديها ما تفعله أكثر، بل أدركت أن الثمن الذي ستدفعه اليوم أقل من الثمن الذي ينتظرها غداً إن هي كابرت وماطلت، أو حاولت التلاعب بالكلام أو الاستفادة من الوقت.

سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" تعرف يقيناً أنها اليوم أضعف ما تكون في مواجهة الأسرى بعد أن قطعوا هذا الشوط الطويل، وثبتوا على موقفهم العنيد، وتمكنوا بصبرهم من نقب جبل الغطرسة والعنجهية "الإسرائيلي"، ولي عنق الإدارة المتعجرفة، وإرغامها على النزول عن شجرتها التي ظنتها عالية، وأن النزول عنها بالنسبة لها أمرٌ صعبٌ أو مستحيلٌ، وهي المتسلحة بالسلطة والقوة، والقرار والأسوار، وعندها مفاتيح السجن وسوط الجلاد، ولكن الأسرى والمعتقلين المجردين من القوة المادية أجبروها على النزول، وسيجبرونها عما قليل على ما أكثر من النزول، وتعلم مصلحة السجون أنه آن لها أن تصغي السمع، وأن تبدي ليونةً في مواقفها، وتظهر للأسرى استعدادها لقبول طلباتهم وتحقيق شروطهم التي انطلقوا من أجلها.

إنها حالةٌ كان يجب على العدو "الإسرائيلي" أن يتوقعها ويتهيأ لها، وكان ينبغي لسلطاته الاحتلالية وأجهزته الأمنية والقمعية أن تتحسب لها، وأن تعد العدة لمواجهتها، فهي التي أوصلت الأمور إلى ما هي عليه الآن بصلفها وكبريائها، وبعنجهيتها وغرورها، وبظلمها واعتداءاتها، ولو أنها استجابت إلى طلبات الأسرى والمعتقلين الإنسانية العادلة، المحقة المنصفة، التي لا تتجاوز القانون ولا تتناقض مع العهود والمواثيق والأنظمة والبرتوكولات العالمية، التي تنصف الأسرى والمعتقلين بصورةٍ عامةٍ، وتعترف بحقوقهم القانونية الأساسية والإنسانية، ولكن سلطات الاحتلال كعادتها أعرضت صفحاً عن آهةِ الأسرى، وأصمت آذانها عن صرخاتهم المكبوتة، ومعاناتهم الدائمة، وآلامهم المبرحة، فكان عليها أن تتوقع هذه النتيجة المحتومة، وأن تدرك أن هذا الشعب الأبي يستطيع أن يحيك أثواب العزة وأن ينسج خيوط الفجر، وأن يصنع لنفسه غد الكرامة.

للتواصل:

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

باغتيال الشهيد مازن فقهاء يكون الكيان الصهيوني قد أعلن رسمياً حربه ضد محرري صفقة "وفاء الأحرار"، وكشف عن حقيقة مخططاته وسوء نواياه، وما عزم على القيام به ضدهم ولو بعد حينٍ، وأزاح الستار عن أشد فصوله نكثاً وصفحاته سواداً إزاء الأسرى المحررين، وأعلن بعد جريمته في غزة ضد الفقهاء، عزمه على ملاحقة آخرين من إخوانه، وتصفية سواه من الأسرى، وأنه ماضٍ ضدهم إلى ما هو أبعد من الاعتقال وأخطر من النفي والإبعاد، وقد كشف عن أسمائهم ونشر صورهم، واستعد لخوض معركته معهم، في تحدّ جديدٍ للمقاومة الفلسطينيةٍ في غزة، وحربٍ مفتوحةٍ مع الشعب الفلسطيني كله، فيما يعتقد أنه بهذه الوسيلة أقوى، وبهذا السلاح أمضى، وبذراعه الأمنية أكثر قدرةً على الوصول إلى كل الأهداف.

فهو يحقد على محرري "وفاء الأحرار"، وينوي الانتقام منهم، ويحمل على المقاومة ويريد الثأر منها بهم، ويريد أن يتنصل عملياً من الصفقة التي أجبر على إبرامها، وأرغم على التوقيع عليها، وانصاع صاغراً إلى شروطها، وأذعن ذليلاً إلى بنودها، وقبل بهوانٍ ما أملته عليه المقاومة، وفيها تراجع عن التزامه القديم بعدم الخضوع لشروط المقاومة، وإصراره على تحرير جنوده بالقوة العسكرية، أو بالقدرات الأمنية والاستخبارات المعلوماتية.

ولكنه تراجع عن عنجهياته عندما فشل بعد خمس سنواتٍ مرةٍ عجافٍ من التجارب والمحاولات، والمساعي والوساطات، والجهود والحروب، والاعتقالات والمداهمات، وها هو اليوم يفشل من جديد وينتكس مرةً أخرى، بعد أن وقع في ذات الأزمة، وسقط جنوده أسرى بأيدي المقاومة في غزة، وبات مرغماً على توقيعٍ جديدٍ والتزامٍ آخر، قد يكون أشد إيلاماً وأكثر وجعاً.

من الواضح أن الاحتلال "الإسرائيلي" ينوي استهداف جميع محرري صفقة "وفاء الأحرار"، ولن يستثني منهم أحداً في غزة أو الضفة الغربية، فهم ليسوا كغيرهم من باقي الأسرى المحررين الذين سبقوهم بسنواتٍ، وقد يفرق العدو بينهم رغم أنهم عندنا سواء، فهو حاقدٌ عليهم كارهٌ لهم، ويشعر بأنهم كانوا ثمن إهانته ومقابل خضوعه، وسبب إذعانه، في الوقت الذي نفذوا فيه ضده قديماً عشرات العمليات العسكرية التي قتلت بمجموعها مئات الجنود والمستوطنين، وكانت السبب في إصدار أحكامٍ عسكرية بسجنهم لعشرات المؤبدات، ولكن بقاءهم في الأسر لم يدم، وعقابهم كما يريد العدو لم يتم، والتشفي بهم لم يكتمل، وزاد في حقد الاحتلال عليهم أنهم خرجوا من سجونهم مفعمين بالأمل، ومنتشين بالقوة، ومدفوعين بالعزيمة، ومؤمنين بالواجب، وعادوا إلى ممارسة المقاومة من جديدٍ، ولكن بتجربةٍ أعمقٍ وتصميمٍ أكبرٍ، ويقينٍ بالنصر أكثر، فضلاً عن تحولهم جميعاً إلى رموزٍ وقادةٍ، ومسؤولين في الصف الأول، وأصحاب قرارٍ في السياسة والأمن والعسكر.

العدو "الإسرائيلي" يريد صراحةً قتل جميع الأسرى المحررين أو إبعادهم عن أرض الوطن فلسطين، ولكنه يجد ممانعة كبيرة من المقاومة الفلسطينية التي تحتفظ بالأسرى "الإسرائيليين" ورفات الجنود، إذ ترفض العرض "الإسرائيلي" بالإفراج عن المحررين الذين أعادت اعتقالهم، شرط إبعادهم إلى قطاع غزة أو تركيا وقطر، وهو ذات الشرط الذي رفضته المقاومة الفلسطينية عندما كانت تفاوض العدو عبر الوسطاء قبل العام 2011م، ولهذا فهي لن تقبل بما رفضته سابقاً، ولن تعطي العدو نصراً كان قد خسره من قبل.

عشرات الأسرى المحررين الذين قامت سلطات الاحتلال "الإسرائيلي" بإعادة اعتقالهم ومحاكمتهم، في مخالفةٍ صريحةٍ وواضحةٍ لبنود الصفقة، التي تمنعهم من إعادة اعتقالِ أي من المحررين بناءً على الاتهامات التي كانوا معتقلين بموجبها سابقاً، وقد ضمنت مصر الاتفاق ورعته، وأشرفت على تنفيذه وسهرت على تمام الالتزام به، لكن العدو نكص على عقبيه، ونكث الاتفاق وأعاد اعتقال العديد من الأسرى المحررين، وأعاد إليهم الأحكام السابقة، ومنها أحكامٌ بالمؤبد وعشرات السنوات، علماً أنه يعتقلهم دون تهمٍ جديدةٍ، وإنما مناكفة وعناد، ورغبة في الثأر والانتقام، ومحاولة جديدة منه للضغط على المقاومة وإجبارها على التخلي عن شروطها، والقبول بالعروض "الإسرائيلية" لإعادة الجنود الأسرى ورفات الجنود القتلى.

فقد أعادت سلطات الاحتلال اعتقال نائل البرغوثي إلى جانب أكثر من 60 محرراً آخر، وهو أقدم معتقلٍ فلسطيني، وكان قد قضى حتى يوم الإفراج عنه 33 سنة في الأسر، الأمر الذي جعل منه واحداً من أقدم المعتقلين الفلسطينيين، وأكثرهم محكوميةً وإقامةً في السجون "الإسرائيلية"، ولم تكتفِ سلطات الاحتلال باعتقاله، بل أعادت المحاكم العسكرية الأحكام الصادرة بحقه، وبحق عشرات الأسرى الآخرين الذين أعادت اعتقالهم، وكأنها بهذا تنتقم منهم وتثأر، وتضغط على المقاومة وتسخر، وتهدم ما صنعوا وتدمر ما أنجزوا، وتعيدهم إلى نقطة الصفر ليشعروا بالإحباط والفشل، والعجز والعدم.

الأمر ليس غريباً على العدو ولا مستنكراً منه، ولا شاذاً في طبعه أو استثناءً في سياسته، ولا جديداً عليه أو طارئاً فيه، إنما هو أمرٌ طبيعي واعتيادي، نشأ عليه ومضى فيه، فهذه هي الجبلة اليهودية المنحرفة، والطبيعة "الإسرائيلية" الخبيثة، فهم قومٌ قد جُبلوا على الغدر والخيانة، والكذب في الرواية، وهم قومٌ لا يعرفون الوفاء ولا يلتزمون بالعهود، ولا يحفظون الوعود، بل ينكثون بكل وعد، وينكصون على كل عقب، وينقلبون على كل عهد، ولا يوجد في العالم من يضمنهم أو يكفلهم، أو يصدقهم ويركن إليهم، أو يثق فيهم ويطمئن إليهم، ولا يستطيع طرفٌ أن يضع نفسه رهناً لالتزامهم، أو كفيلاً لوعودهم، والتاريخ خير شاهدٍ عليهم، إذ لم يفوا يوماً بعهد، ولم يصدقوا يوماً بوعد، والقرآن الكريم قد شهد على سوء فعالهم، وخُلْف عهودهم، ونكول أجيالهم.

لهذا يجب أن تبقى عيوننا مفتوحة، وعقولنا واعية، وقلوبنا يقظة، وحذرنا قائم، وأمننا دائمٌ، واستعدادنا تام، وجاهزيتنا حاضرة، فلا نؤخذ من العدو مرةً ثانية على حين غرة، فهذا العدو لا يؤمن جانبه، ولا نسلم من بوائقه، ولا يتوقف عن جرائمه، وإن كان قد نجح في استهداف الفقهاء، فلا نسمح له أن ينجح مع غيره، ويحقق ما تصبو إليه نفسه، ويهفو إليه قلبه، وعليه يجب علينا أن نكون جمعاً واحداً يخيفه، وصوتاً موحداً يرهبه، وإرادةً قويةً تصده، وأن نبذل جهودنا لنفشله، وأن نعمل بجدٍ لنحبطه، وأن نفكك خلاياه لنضعفه، وأن نعتقل عملاءه ونقطع أيديه لنعجزه، ونفقأ عيون عملائه فنعميه.

يتحمل الصندوق القومي اليهودي الذي تأسس عام 1901م مسؤوليةً كبيرةً في تهويد الأرض الفلسطينية، وتمليكها للمهاجرين اليهود، الوافدين من أوروبا ومن البلاد العربية وغيرها، فقد أخذ على عاتقه السيطرة على مساحاتٍ كبيرة من أراضي فلسطين التاريخية، فأطلق العنان لمسؤوليه وكبار السماسرة لشراء أقصى ما يستطيعون من أراضي الفلسطينيين، وانتزاعها ملكيتها منهم بكل السبل الممكنة، وأغرى الوسطاء وفتنهم بالمال، وأغدق عليهم بالحوافز، فتسابقوا في البحث عن أراضٍ جديدةٍ، وسهلوا نقل ملكيتها إلى الصندوق القومي اليهودي، الذي جعل من نفسه وصياً على اليهود المهاجرين، فقام على خدمتهم، وسهل بالتعاون مع الوكالة اليهودية هجرتهم، وأمدهم بما يحتاجون إليه من مالٍ ومتاعٍ، وملكهم بيوتاً وأقطعهم أراضي واسعة، ليشجعهم على البقاء، ويحفز آخرين على أن يحذوا حذوهم، وأن يهاجروا إلى فلسطين مثلهم.

كما أشرف الصندوق القومي اليهودي على تمويل "الكيبوتسات" وهي الجمعيات الزراعية اليهودية، وأمد المزارعين فيها بما يحتاجون إليه لضمان بقائهم في الأرض وزراعتهم لها، كما عمل على خلق أسواقٍ لمنتجاتهم، وكفل لهم بيعها بأفضل الأسعار، ليشعروا بفائدة الاحتفاظ بالأرض والعمل فيها، وليلمسوا الفارق بين حياتهم في فلسطين "الأرض الموعودة"، وبين المهاجر والجيتوات التي كانوا يعيشون فيها، فنشأت في فلسطين كيبوتسات كثيرة، اشتهرت بزراعتها النوعية، وجودة منتجاتها المختلفة، وما كان لهذه الجمعيات أن تنجح لولا المساعدات الكبيرة التي قدمها الصندوق القومي اليهودي للمزارعين فيها.

ومن جانبٍ آخر، ساهم الصندوق القومي اليهودي في تمويل العمليات الاستيطانية، حيث كان له دور كبير في بناء وتوسيع وتحصين المستوطنات اليهودية، التي انتشرت في عموم أرض فلسطين التاريخية، وكان لها دور كبير في تنشيط وتمويل ورعاية الجماعات الإرهابية اليهودية، التي سبقت إعلان تأسيس كيانهم، التي استفادت من أموال الصندوق في شراء الأسلحة، وتمويل عملياتها العسكرية، ورعاية أسر المقاتلين وتلبية احتياجاتهم، خاصةً أسر وعائلات اليهود الذين قتلوا في العمليات القتالية.

وأتاح الصندوق القومي اليهودي الفرصة لمنح المستوطنين والمهاجرين قروضاً ميسرةً، ومنحاً ماليةً مقطوعةً، ومساعداتٍ مختلفة، مكنت المهاجرين من تثبيت وجودهم، وترسيخ أقدامهم في فلسطين المحتلة، فضلاً عن تعهد الصندوق ببناء المدارس والمستشفيات والمعامل والمصانع، وغيرها من المؤسسات الاجتماعية والمرافق الاقتصادية المختلفة، التي أتاحت لليهود فرص العمل والإنتاج، ولم يكن الصندوق يشكو من عجزٍ أو يعاني من فاقةٍ، حيث كان يتلقى المساعدات من أغنى العائلات اليهودية المنتشرة في أكثر من مكانٍ في العالم، الذين كانوا يساهمون في تمويل الصندوق بسخاءٍ وكرمٍ، ليقينهم بأنهم يساهمون في عودة شعبهم إلى أرض الميعاد.

أما الصندوق القومي الفلسطيني الذي لا ننكر فضله، ولا نجحد عمله، ولا نقلل من حجم إنجازاته وعطاءاته، ولا ننفي التحديات التي يواجهها، والعقبات التي تعترضه، ولا ندعي أن الطريق أمامه معبدة، ومصادر التمويل له ميسرة، إلا أنه لم يرق يوماً لأن يكون في مستوى الصندوق القومي اليهودي، الذي ساهم فعلاً في تأسيس دولة الكيان "الإسرائيلي"، وتثبيت أقدام المهاجرين إليه، وتيسير حياتهم، وتخفيف الأعباء الملقاة على عاتقهم، وإزالة التحديات وتذليل العقبات التي اعترضت بقاءهم.

فقد عجز الصندوق القومي الفلسطيني عن القيام بالدور المنوط به، وفشل في تحقيق العديد من الأهداف التي كانت موضوعة له، رغم أنه أشرف على العديد من المهام، وقدم الكثير من المساعدات على مستوياتٍ مختلفةٍ، لدعم الشعب الفلسطيني في الوطن والشتات، لتمكينه من الصمود والثبات، والمواجهة والتحدي، فرعى طلاباً في جامعاتهم، ومول أساتذةً في أبحاثهم ودراساتهم، وصرف لعوائل الشهداء وأسر الأسرى مستحقاتٍ شهريةٍ، وسمى للقوى والفصائل الفلسطينية حصصاً شهريةً أو سنويةً، يتلقونها بانتظام، ويعتمدون عليها في عملهم ونضالهم، وفي تمويل عملياتهم العسكرية، ورعاية أسرهم وأعضائهم وتشغيل مؤسساتهم، إلا أن قدراته كانت دوماً محدودة، وإمكاناته قليلة، وروافده تجف أحياناً وتنضب موارده كثيراً.

أما الصندوق القومي اليهودي فقد تم تبنيه ورعايته من كثيرٍ من دول العالم، التي مولته بصورةٍ مباشرة، وسهلت جمع التبرعات له، وتحويل المساعدات إليه، ولم تضع عقباتٍ في طريقه، وفتحت له مكاتب وفروعاً في أكثر من عاصمةٍ أوروبيةٍ، قبل أن ينتقل مقره الرئيس إلى مدينة القدس المحتلة، ولم تفرض عقوباتٍ عليه، ولم تجمد أو تصادر أمواله أو بعضاً من رأسماله، ولم تتهمه بالإرهاب كما اتهمت الصندوق القومي الفلسطيني، ولم تفرض عقوباتٍ على المسؤولين عنه والعاملين فيه، بل تعاملت على العكس من ذلك تماماً مع الصندوق القومي الفلسطيني، رغم أنها لم تدرجه على قوائم الإرهاب، إلا أنها لم تسهل عمله، ولم تقدم له المساعدات المرجوة.

قد نحمل رئاسة الصندوق القومي الفلسطيني ومنظمة التحرير الفلسطينية المسؤولية عن التقصير الحادث في أداء الصندوق، وعجزه عن القيام بمهامه، والخلل في وظائفه المتعددة ووسائله المتبعة، نتيجة البيروقراطية والمحسوبية، والشخصانية والمزاجية، وسوء الإدارة وفساد المؤسسة، وترهل الهيكلية وعجز الهرمية الهرمة فيه، وعدم تجديد طاقاته وتأهيل قدراته، وارتهانه إلى شخص رئيس السلطة الذي هو رئيس اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير الفلسطينية، إلا أن الفلسطينيين يعتزون بهذا الصندوق، ويدينون له بالكثير، ويعذرونه أحياناً أن قصر أو تأخر، ولكنهم يأملون أن يكون صندوقاً لكل الشعب، وسنداً للوطن كله، فلا تمييز فيه ولا محاصصة، ولا محاباة ولا موالاة، وإنما حقوقٌ تؤدى، وأنصبةٌ توزع، وإمكانياتٌ تنمى، وقدراتٌ تؤهل، ضمن عملٍ مؤسسي يتجاوز سيطرة الفرد واحتكار الحاكم وسلطة المتنفذ.

لهذا فإننا ندين ما دعا إليه وزير حرب العدو أفيجدور ليبرمان لإدراج الصندوق القومي الفلسطيني على قوائم الإرهاب، وتجميد أرصدته ووقف التعامل معه، وتجريم معاملاته ومعاقبه العاملين فيه، فهذا الصندوق مؤسسةٌ وطنيةٌ فلسطينية، تبادل على المسؤولية فيه رجالٌ أكفاء، قدموا الكثير للشعب الفلسطيني، فلا يجوز أن نسكت عن محاولات تجريمه وتشويهه، أو نقبل بمساعي التضييق عليه ومحاصرته، بل ندعو المجتمع الدولي إلى تجريم المؤسسات الاستيطانية، والصناديق "الإسرائيلية" والدولية التي تمول مصادرة الأراضي ونهب الحقوق وطرد السكان، فهؤلاء هم المجرمون المدانون، وهم الذين ينبغي محاسبتهم وقيادتهم، ومعاقبتهم وكيانهم.

https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi

عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

اعتاد المرشحون للرئاسة الأمريكية في برامجهم الانتخابية التعهد بنقل سفارة بلادهم لدى الكيان الصهيوني إلى مدينة القدس، والاعتراف بها عاصمةً أبديةً موحدةً، وذلك كأوضح موقفٍ وأقوى إجراء تطميني وداعمٍ من الممكن أن تتخذه الإدارة الأمريكية تجاه الكيان الصهيوني، الذي يتطلع منذ سنواتٍ طويلةٍ إلى هذه النقلة النوعية، ويتوقع تنفيذها من كل رئيسٍ أمريكي يدخل إلى البيت الأبيض، إلا أنهم جميعاً يتراجعون عن تعهداتهم الانتخابية، رغم أنها كانت تبدو عند إعلانها جديةً وحاسمةً، ولكن يبدو أنهم يستغلونها فقط لكسب المزيد من الأصوات اليمينية المسيحية المتشددة، فضلاً عن الأصوات اليهودية الأمريكية، وهو الأمر الذي جعل من هذا التهديد شعاراً مرفوعاً في كل الانتخابات الأمريكية، وورقةً رابحةً يلجأ إليها كل مرشحٍ للرئاسة.
علماً أن السفارة الأمريكية وقنصليتها موجودة منذ تأسيس الكيان الصهيوني في مدينة تل أبيب، فضلاً عن وجود قنصليةٍ مستقلةٍ في مدينة القدس، تقوم بمهام السفارة والقنصلية معاً، ولها حرمٌ ومقامٌ فسيحٌ، وعليها حراسة مشددة ولها حماية كبيرة، وللسفير الأمريكي فيها مكتبٌ ومقر، وترعى مواطنيها وتتابع شؤون رعاياها، إلا أن الإدارات الأمريكية المتعاقبة ترفض الإعلان رسمياً عن انتقال سفارتها إلى مدينة القدس، حيث تحرص على الإبقاء على ملفها مفتوحاً على كل الاحتمالات، وهي على الرغم من اعترافها بأن مدينة القدس هي عاصمة الدولة العبرية، إلا أنها لا تتفق مع "الإسرائيليين" كلياً على أنها العاصمة الأبدية والموحدة لكيانهم، وأنه لا حق للفلسطينيين فيها أو على جزءٍ منها.
لكن يبدو أن الرئيس الأمريكي الجديد دونالد ترامب جادٌ هذه المرة في تهديداته، وأنه عازمٌ فعلاً على نقل سفارة بلاده إلى مدينة القدس، وهو غير عابئٍ بالرأي العام، ولا يلتفت إلى الغضبة العربية والإسلامية فضلاً عن الفلسطينية، وقد لا يعيرها اهتماماً، بل يريد أن يكون مختلفاً في أقواله وتصريحاته عن الرؤساء الأمريكيين السابقين، الذين كانوا يتراجعون عن وعودهم حال دخولهم إلى البيت الأبيض، ويرى أنهم ينقصون من سيادة بلادهم ويهينون كرامتهم عندما يتراجعون عن مواقفهم، خوفاً من المسلمين أو إرضاءً للرأي العام العربي.
ولهذا فقد أرسل بالفعل وفداً خاصاً لزيارة الكيان الصهيوني، لإعداد تقريرٍ مفصلٍ عن مكان السفارة الحالي في مدينة تل أبيب، وعن تصورهم عن المكان الجديد للسفارة والقنصلية في مدينة القدس، وعن طبيعة البناء وشكله الذي يتناسب مع عمل وأداء السفارة، فضلاً عن الرسالة السياسية التي ستؤديها إدارته بانتقال السفارة إلى مقرها الجديد، وقد بدا من خلال الوفد الذي كلفه بهذه المهمة جديته وحزمه، وقد رحبت حكومة نتنياهو بخطواته، وأبدت استعدادها الكامل للتعاون مع الفريق الرئاسي وتقديم كل التسهيلات الممكنة له، لتضمن نجاحه في المهمة الموكلة إليه.
ومما يزيد من هذا الاحتمال جديةً وخطورةً أنه عين المحامي دافيد فريدمان سفيراً لبلاده لدى الكيان الصهيوني، وهو الذي كان مستشاراً له إبان الحملة الانتخابية لشؤون العلاقات الأمريكية "الإسرائيلية"، والذي صرح إثر تسميته سفيراً بأنه يأمل أن يكون أول سفيرٍ لبلاده يمارس دوره وعمله من مدينة القدس، العاصمة الأبدية والموحدة لدولة "إسرائيل".
علماً أن دافيد فريدمان المعروف بنزعته العنصرية، يؤيد السياسة الاستيطانية "الإسرائيلية" ويدافع عنها، ويشارك في حملات تمويلها وجمع التبرعات لها، وهو يشغل منصب رئيس منظمة "الأصدقاء الأمريكيين لمستوطنة بيت إيل"، والتي قدمت للمستوطنة ملايين الدولارات في السنوات الأخيرة، وهو يعلن تأييده ليهودية الدولة العبرية، ويرفض حل الدولتين، ولا يرى للفلسطينيين حقوقاً في "الأرض الموعودة لشعب إسرائيل"، بل إنه ينكر وجود الشعب الفلسطيني ولا يعترف به، ويدعو الحكومة "الإسرائيلية" إلى ضم الضفة الغربية إلى حدود الدولة العبرية، ويحذرها من مغبة التنازل عن أي جزء من "أرض إسرائيل" لصالح تشكيل دولة فلسطينية.
ولعلنا نتصور كيف ستكون شبكة العلاقات الأمريكية "الإسرائيلية"، في ظل إدارة دونالد ترامب وسفيره فريدمان إلى الكيان الصهيوني، في ظل تصريحاتهما المتوالية المؤيدة لـ "إسرائيل"، والمناهضة للمسلمين والعرب والفلسطينيين، وعقب ترشيحات ترامب لكبار مساعديه في الخارجية والدفاع والمالية وموظفي البيت الأبيض من التيارات اليمينية المؤيدة لـ "إسرائيل"، والكارهة للعرب والمسلمين، والتي تخطط علناً للانقلاب على كل التفاهمات السابقة وعدم الاعتراف بها، طالما أن الحكومة "الإسرائيلية" تعارضها وترفض القبول بها.
لا ينبغي أن تخيفنا التهديدات الأمريكية، ولا أن ترعبنا إذا نفذت وصارت حقيقة، إذ ما الذي سيضيفه مقر سفارتهم في القدس، وهم يوغلون من تل أبيب في مساعدة "الإسرائيليين"، ويبالغون في الدفاع عنهم، ويدافعون عن وجودهم، ويعززون بالقوة وجودهم، دون اعتبارٍ للشرعية والقانون.
وهل أن وجودها في مدينة تل أبيب كان يمنع الدبلوماسيين الأمريكيين من ممارسة مختلف أنشطتهم في مدينة القدس، إذ فيها يقيمون ويستقبلون ضيوفهم، ويلتقون بمبعوثيهم، وهل أن انتقالها إلى القدس سيغير من السياسة الأمريكية تجاه الفلسطينيين نحو الأسوأ، وسيضيف عقباتٍ جديدةً أمامهم، وسيؤخر قيام دولتهم أو عودة شعبهم من شتاته.
وهل أنها كانت قبل ذلك تعترف بمدينة القدس أو بشطرها الشرقي على الأقل أنها مدينة فلسطينية محتلة، وتتعامل مع الفلسطينيين على أنها حقٌ لهم، أم أنها كانت ولازالت تعترف بالقدس عاصمة أبدية تاريخيةً موحدة للكيان الصهيوني، لا يشاركهم الإقامة فيها والسيادة عليها أحدٌ.
واهمٌ من يظن أن نقل السفارة الأمريكية إلى مدينة القدس يهدد السلام، ويقوض مسار المفاوضات، ويحكم بالفشل على العملية السلمية أو يدمرها بالكلية وينهي الآمال المعلقة عليها، فهل أن السفارة الأمريكية في تل أبيب قد أنقذت السلام، وساعدت على انطلاق مسيرة المفاوضات، وهل كان لها دورٌ في حماية الشعب الفلسطيني وصون حقوقه، حتى نخاف على أوضاعنا في حال انتقلت إلى القدس، أم أنها ساعدت من مكانها في تأزيم القضية الفلسطينية، وعقدت الوصول إلى تسوياتٍ مع أهلها.
لا ينبغي أن نتوسل إليهم، ولا أن نتودد إلى إدارتهم الجديدة لتتراجع عن قرارها، أو تتوقف عن تنفيذ تهديداتها، إذ كما أنه لا تغيير في سياستهم معنا، فإنه لا فرق لدينا بين القدس وتل الربيع، ولا بين يافا والرملة، أو اللد وأسدود، أو حيفا والطيرة، فكلها أرضنا الفلسطينية المحتلة، لا نمايز بينها، ولا نفضل واحدةً منها على الأخرى، بل كلها أرضنا العربية العزيزة الغالية... فلسطين.

للتواصل:
https://www.facebook.com/moustafa.elleddawi
عنوان البريد الإلكتروني هذا محمي من روبوتات السبام. يجب عليك تفعيل الجافاسكربت لرؤيته.

الصفحة 2 من 2
  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top