شكراً كورونا!

21:00 23 مارس 2020 الكاتب :   د. شيخة المطوع

في مطلع عام 2020 هاج العالم وماج، ودب الرعب والذعر في مختلف القارات، فيروس صغيرٌ فتاك لا يُرى بالعين المجردة وينتقل بسرعة البرق نشأ بالصين، وأخذ مجراه مع الخارجين منها أو الداخلين، أخذت الدول منه تحتاط، وتبالغ بالاحتراز، والوقاية خيرُ من العلاج، وتناقلت أخباره وسائل التواصل والإعلام، نفذت الكمامات والمعقمات، تعطلت المدراس وتوقفت الأنشطة وخفت التجمعات، والكل باله مشغول، من أن يفتك به المرض أو يصيبه مكروه.

وإني لما تأملت ما حلَّ وحصل أحببت أن أشكر الله الذي يُحمد على بلائه كما يُحمد على نعمائه، ورأيت أن أطلعكم على ما أرى من المنح التي تتولد في رحم المحن، لذلك قررت أن أعلن شكري على الملأ.

شكراً كورونا.. فلقد نشأت في زمن الأجهزة الذكية، والمعلومات الرقمية، والثورة التكنولوجية في زمن تديره بلمسة يديك، وتحركه بهمسة من شفتيك، وراح فيه الإنسان يطغى عندما ظن نفسه استغنى؛ فراح يزهو بقوته وجبروته، ويتفاخر بعدته ومتاعه، وظن أنه المسبب والسبب، وأخذ يدندن بأطروحات فلسفية، وأن الكون مستغنٍ عن رب البرية.

فجاءه الجواب من رب الأرباب الذي لا يعلم جنوده إلا هو.

امتحان بمخلوق غير مرئي يغزو العالم ويفتك في وقت قياسي، فأين خبرتك أيها الإنسان؟ وأين قدرتك أمام العزيز الجبار؟ مهما تعاظمت ستتصاغر أمام مالك الملك الذي بيده حياتك ومماتك، نجاتك وهلاكك.

شكراً كورونا.. لأنك وضحت هذا اللبس وأزلت الغشاوة عمن في نفسه ذرة حس.

شكراً كورونا.. فقد أكدت حقيقة هلع الإنسان، يجزع ويهلع لأي خطبٍ أو حدث، وتراه يتخذ كافة الاحتياطات، ويصدق الإشاعات، وتزداد ضربات قلبه مع ازدياد الحالات، ومع تأكيد الأطباء عدم خطورة المرض وقلة نسبة الوفيات، إلا أنه مناطٌ بضعفه، لذلك عليه في خضم هذا الهلع اللجوء لرب السماوات، وأن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك، وإن جمع لك الناس الجموع فتوكل عليه وستنقلب بفضلٍ منه ومنة، ولن يمسسك السوء بإذنه.

شكراً كورونا.. فقد أجبرت الناس على الجلوس في بيتها، والاختلاء بنفسها، وقلة مخالطة عامة الناس التي في الغالب تكدر الفؤاد، وتذهب بصفو الإنسان، فكم نحتاج إلى أن نقر في بيوتنا، وأن نرتب فوضى نفوسنا، ونعيد ترتيب أولوياتنا، وأن نجلس فيه مع أبنائنا، لذلك عندما سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن المفر في زمن الفتن قال: "وليسعك بيتك وابكِ على خطيئتك"، فكم من بيتٍ فسيح يضيق على أهله ويضجرون من الجلوس فيه، وكم من منزلٍ يتسع لأهله ويأنسون به رغم صغر حجمه وتهالك جدرانه!

شكراً كورونا.. فلقد أوصلت للناس رسالة: في وقت الفتن والابتلاءات والمحن لن تجد سوى أهلك وعائلتك ملاذاً لك وسكناً.

شكراً كورونا.. فلقد أنبأتنا بما لم يخفَ علينا، اللعبة الإعلامية، والفبركة الرقمية، والمبالغات الوهمية، وهي ما نسميها الحرب الناعمة السياسية، التي تفتك بنفسيتك، وتودي بروحك المعنوية، وترفع أقواماً وتضع آخرين، وقد تكون تسويقاً لمنتج، أو تصريفاً لعقار، وينساق العموم غالباً مع التيار، من غير تثبتٍ أو حتى تنقيحٍ واختيار، كن مع الله ولا تجزع من تلك الأخبار، فالله خيرٌ حافظاً وهو أرحم الراحمين.

شكراً كورونا.. فلقد كشفت كذب الناس وادعاءاتهم عندما كانوا يشنون حملات ضد النقاب، وتمنع لبسه بعض الدول ويزيحون عن وجه المرتديات اللثام، وكل ذلك بحجة عدم معرفة الهوية، وأنهن يهددن الأمن العام، وأن مرتديات النقاب، يبثون الرعب في الناس.

وبعد أن انتشرت أيها الكورونا انتقب الرجال والنساء، الصغار والكبار، ولم يطلب من أحدهم نزعه أو خلعه، لا سميا في المطارات وفي أماكن الزحام، ومع تأكيد الأطباء أن لبسه يكون للمريض نفسه أو لمن خالطه من ذويه وأهله، إلا أنك تراهم يرتدونه وإن كان أحدهم وحده، ولم نسمع عن مخالفات ضده لأن قواعد السلامة تستدعي لبسه خوفاً من انتشار الأمراض.

وكيف للمرأة أن تحمي نفسها من مرضى النفوس، وتخفي جمالها عمن لا يحق له أن يتأمل ملامحها؟!

والسؤال الذي دار بخلدي وأنا أرى جموع المنتقبين والمنتقبات بالكمامات: لماذا لم يشتكِ أحدهم من عدم قدرته على التنفس أو حاجته لأن يزيح الكمام عن وجهه لينعم ببعض الحرية، ويستنشق نقاوة الهواء؟!

لن أطالبك بتوضيح أيها الكورونا.. فالمسألة واضحة وضوح الشمس، عندما تطغى الماديات على البشر، تتلاشى كل الروحانيات، وتكثر الدعاوى والتبريرات.

شكراً كورونا.. فلقد أثلجت صدري وأنت تبين حقائق الأشياء.

وأخيراً أيها الكورونا.. عسى الله أن يشفي من أصبته، وبإذن الله تنجلي الغمة، وتنفرج الأزمة، وتعود الصحة للأمة، فلا نتمنى لقاءك ونسأله سبحانه العافية، ولكن كان لزامًا علينا أن نذكر لك فضلك والمولى يقول: {وَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ} (البقرة: 216).

عدد المشاهدات 1806

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top