الموصل.. نينوى.. في التاريخ

09:22 17 نوفمبر 2014 الكاتب :   سعد سعيد الديوه جي
الموصل ونينوى اسمان مترادفان لمدينة واحدة، أثرت في مسار التاريخ بشكل لا يقبل النقاش

كثر الحديث في الفترة الأخيرة عن دور الموصل في أحداث المنطقة الأخيرة، وكيف شكلت منعطفاً حاسماً في تاريخ الشرق الأوسط، حيث ذهب الكثير من المحللين إلى أن هذه الأحداث تمثل نهاية الشرق الأوسط القديم، وآخرون قالوا: إنها نهاية دولة العراق الحالية، وإن الحدود السياسية ستتبدل كلها، ومازالت الأحداث تتسارع بشكل مثير يصعب معها التنبؤ بما سيحدث.

 

وهذا الموضوع خارج السياق؛ لأننا سنركز على الجانب التاريخي، واضعين في الاعتبار الفرق بين مدينة الموصل (نينوى)، وبين منطقة الموصل التي أخذت اسمها من عراقة المدينة وبُعدها التاريخي.

فالمدينة ثابتة الموقع، أما ما حولها فيتبدل إلى حد ما حسب الوضع السياسي للمنطقة.

والموصل ونينوى اسمان مترادفان لمدينة واحدة، أثرت في مسار التاريخ بشكل لا يقبل النقاش.

في عام 1080 ق.م اتخذ الآشوريون - وهم أقوام «جزرية عربية»، أو ساميون كما هو معروف في الأدبيات الغربية، مدينة نينوى عاصمة لهم على الجانب الأيسر من نهر دجلة، وشيَّدوا على الجانب الأيمن قلعة فوق تل «قليعات» والذي أصبح نواة مدينة الموصل لاحقاً.

في زمن الإمبراطورية الآشورية الثالثة (745 - 612 ق.م)، صارت نينوى أعظم وأكبر مدينة في العالم، وفي كل المجالات؛ العسكرية والثقافية والعلمية، وامتدت الإمبراطورية الآشورية من غرب الأناضول شمالاً إلى صعيد مصر والسودان جنوباً.

ومازالت الآثار الآشورية تملأ أرض نينوى، وكان من أهم المكتشفات مكتبة «آشور بانيبال» التي احتوت على أكثر من عشرين ألفاً من الرقم الطينية في كافة العلوم والفنون، وهي من أهم مقتنيات المتحف البريطاني في الوقت الحاضر، وكان عدد سكان نينوى أكثر من 100 ألف، ومازالت أسوارها تشهد على سعتها.

في عام 722ق.م غزا الآشوريون مملكة إسرائيل وعاصمتها السامرة وأزالوها من الوجود، ونقلوا سكانها إلى نينوى وشمال العراق الحالي، وحاصروا أورشليم عاصمة يهوذا، ولكنها لم تسقط بيدهم.

هذا الزمن على الأغلب زمن نبي الله يونس عيه السلام والذي قال عنه الرسول "صلى الله عليه وسلم" في حادثة الطائف: «ذلك أخي كان نبياً وأنا نبي».

سقطت نينوى بيد البابليين والمادبين عام 612 ق.م وتشتت الآشوريون في جنوب الأناضول وسورية، أو ذابوا في العنصر العربي المحيط بهم، ثم أصبحت المنطقة واقعة بين مطرقة الفرس والرومان عموماً.

في آخر معركة بين الفرس والروم التي انتصر فيها الروم عام 627م والتي جاءت في القرآن الكريم في بدايات سورة «الروم»: { غُلِبَتِ الرُّومُ "2" فِي أَدْنَى الأَرْضِ وَهُم مِّن بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ "3" فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الأَمْرُ مِن قَبْلُ وَمِن بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ "4" بِنَصْرِ اللَّهِ} (الروم)، كان من بين الأسرى صهيب بن سنان الذي أصبح يُعرف بالصحابي صهيب الرومي.

في عام 16هـ/ 637م فتح المسلمون بلاد فارس في معركة «القادسية»، ثم تقدموا شمالاً وفتحوا تكريت والموصل، وصار ربعي بن الأفكل العنزي والياً عليها.

في زمن الدولة الأموية صارت الموصل عاصمة لولاية الجزيرة الفراتية، وأصبحت قاعدة للفتوحات باتجاه الأناضول وآسيا الوسطى، وقد أولاها الأمويون عناية خاصة، وكان بعض ولاتها من البيت الأموي نفسه.

انتهت الدولة الأموية عام 132هـ في معركة «الزاب» بالقرب من الموصل، وثار أهلها على العباسيين عام 133هـ بعد أن ولوا عليها محمد بن صول، مولى خثعم؛ مما أدى لتعرضها لمذبحة على يد أبي العباس السفاح، ومع ذلك بقيت عاصمة لبلاد الجزيرة.

دخلت الموصل في حكم السلاطين الحمدانية والعقيلية ثم البويهيين، لتستعيد تألقها بعد حكم السلاجقة عام 489هـ الذين تزعموا حركة الجهاد ضد الصليبيين الغزاة، فقد أنقذ أمير الموصل شرف الدين مودود دمشقَ من السقوط في براثن الحملة الصليبية عام 518هـ/ 1124م، ودمج إمارتها مع إمارة الموصل قبل أن تغتاله الباطنية (الإسماعيلية) وهو يؤدي صلاة الجمعة في الجامع الأموي.

في عام 521هـ تأسست الإمارة الزنكية في الموصل على يد عماد الدين زنكي، وقد امتدت من شهرزور شرقاً إلى الشام غرباً، وقد توج حروبه بإسقاط إمارة الرها الصليبية عام 539هـ/ 1144م، ثم خلفه ابنه نور الدين (مهندس فتح بيت المقدس)، والذي بنى المسجد الجامع الكبير (النوري) عام 566هـ، والذي مازالت منارته من أهم معالم الموصل والمنطقة، ونور الدين زنكي هو الذي عبَّد الطريق أمام صلاح الدين لاحقاً لفتح بيت المقدس.

ورغم سقوط الموصل عام 660م على يد المغول؛ فإنها تحتفظ بمأثرة إسلام الملك «تكدار بن هولاكو» عام 681هـ على يد الشيخ عبدالرحمن الموصلي والذي سمى نفسه أحمد. بعد السيطرة المغولية وتعاقب عدة دويلات عليها، احتلها الشاه إسماعيل الصفوي عام 1508م، ثم صارت تحت السيطرة العثمانية عام 1516م، ثم أصبحت ولاية عثمانية قائمة بذاتها عام 1539م.

وتحتفظ الموصل بمآثر خالدة في تاريخها عندما استطاعت في عام 1156هـ/ 1743م التصدي لجيوش نادر شاه الذي خلف الصفويين في الحكم، والذي لم تقف أطماعه عند حد من الحدود؛ فأرسل أكثر من 200 ألف مقاتل لمحاصرة الموصل والقضاء عليها في سعيه نحو إسطنبول، وقد استعمل مئات المدافع لقصف الموصل بأكثر من 200 ألف قذيفة.

تصدى أهل الموصل لهذا الهجوم الهمجي، ولم يكن فيها إلا 30 ألف مقاتل بقيادة حسين باشا الجليلي، واستطاعوا وقف جيش نادر شاه وإجباره على الانسحاب، وتعد هذه الملحمة واحدة من أكبر ملاحم الحصار في التاريخ الحديث.

بقيت الموصل وولايتها الواسعة ضمن إطار الدولة العثمانية إلى أن سقطت بيد الاستعمار البريطاني عام 1918م، حيث ألحقوها بدولة العراق التي كوَّنوها بعد دمجها بولايتي بغداد والبصرة، وبعد تنكرهم لاتفاقية «سايكس - بيكو»، حيث كانت الموصل تابعة للنفوذ الفرنسي حسب هذه الاتفاقية، وصارت جزءاً من مملكة العراق المستحدثة، وذلك بسبب اكتشاف النفط آنذاك في كركوك، وعين زالة، والتي زالت بانقلاب عسكري عام 1958م.

والديموجرافية في الموصل تختلف اختلافاً جذرياً عن منطقة العراق التاريخي الذي يبدأ من جنوب سامراء تقريباً، وهي كما رأينا لم تكن يوماً جزءاً من العراق، رغم وجود الروابط التاريخية، وهي مسألة معقدة لا يمكن بحثها في هذه العجالة.

في عام 1948م عملت القوى الصهيونية على تهجير اليهود من الموصل، ولم يبق فيها أحد منهم.  تعرضت الموصل عام 1959م لمجزرة من قبل الشيوعيين والشعوبيين؛ ذهب ضحيتها العشرات بين قتل وسحل ونهب لبيوتهم، حيث إن جذور المدينة عربية إسلامية، وأهم معالمها التسامح والتعايش مع الأقليات؛ حيث يوجد فيها أكثر من 30 ديراً وكنيسة للمسيحيين، ولم يمسها أحد بسوء على مدى مئات السنين.

في عام 2003م سقطت الموصل بيد القوات الأمريكية، ومازالت الأحداث تتفاعل؛ حيث برزت في لحظات قيام هذه الأسطر كبؤرة لتغيير معالم الشرق الجديد.. فكيف ستجيب الأيام عن ذلك؟

عدد المشاهدات 1776

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top