ماذا تحتاج حركة الإصلاح الإسلامي المعاصرة؟ (2)
برامج تفصيلية للإصلاح

02:48 24 مايو 2020 الكاتب :   نور الدين محمود

هذه الحلقات المتتابعة في أفكارها هي مجرد مُمَهِدَات مقدمة إلى الحركة الإسلامية في بنائها الجديد المنتظر, فأغلب أبناء الحركة والمتابعين لها يؤكدوا على ضرورة تجديد البناء, والتجديد في فكرنا الإسلامي وتراثنا يرتبط بتغيير الأفكار لا يتغير الهياكل أو الشكل – وإن كان ذلك مطلوبًا في وقت ما- ومن ثم جاءت هذه المُمَهِدَات المعرفية – والتي هي عبارة عن: استبطان ذاتي لأحد أبناء هذه الحركة الذي عاش فيها عن قرب تارة وبعد تارة أخرى, ما يقرب من ربع قرب, واهتم بأمرها وشأنها وما زال, يؤلمه ألمها, ويحزنه ما صارت فيه وإليه.. لذا فهذه الرؤية أو المُمَهِدَات المعرفية، تعتبر رؤية للإصلاح والتجديد من داخل الحركة وليست من خارجها.

  

1/2. البرامج التفصيلية

    المرحلة الرابعة: مرحلة البرامج التفصيلية/ وتجسيد أفكار الإصلاح/ وأفقية الوعي

 هذه المرحلة التي نحياها الآن وهي تحتاج إلى برامج تفصيلية، وينبغي أن تهتم تلك البرامج بثلاث قضايا رئيسة:

      القضية الأولى: تجسيد أفكار الإصلاح: في مشروعات عمل بحثية وفكرية بهدف تنزيل قيم أفكار الإصلاح والإنتاج الضخم الذي تم خلال أكثر من قرنين من الزمان – كما أشرنا إلى نماذج من مساراته الكبرى في الحلقة الأولى*- على الواقع العملي للأمة. وهذا يتطلب:

  • تكوين جماعات علمية في كافة التخصصات الإنسانية والاجتماعية والثقافية في الأمة تلتقي نحو نموذج أعلى واحد تستقي منه قيم تلك البرامج والمشروعات التي هي بالفعل متضمنة في أفكار الإصلاح في المرحلتين السابقتين.
  • تكوين كوادر علمية مؤهلة تمتلك الفكرة التوحيدية وتلم بمستجدات واقعها وتراثها، وتكون قادرة على تحويل قيم المشروع الحضاري إلى الواقع المعاش.

      والقضية الثانية: أفقية الوعي: أي العمل على تشكيل عقل جمعي مسلم قابل بفكرة الإصلاح والتغيير، بل يسعى إلى التغيير بنفسه، منطلقًا من البعد المعرفي لقوله تعالى (إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ) [الرعد:11].. أي أن يمتلك الفرد المسلم إرادة التغيير ويفرضها على التاريخ والواقع؛ لأن دون ذلك تكون هناك استحالة بوقوع عملية التغيير الشامل في الأمة. وهذا يتطلب:

  • تأسيس مراكز الوعي للتبشير بالفكرة الإصلاحية للأمة والالتصاق المباشر بأبنائها ليمثل هؤلاء طليعة العقل الجمعي الذي يؤمن بفكرة التغيير وإرادته.
  • وجود صفوة عقلية وسيطة بين الأفكار الإصلاحية الكبرى وبين القاعدة الممثلة للأمة (الرأي العام) أو (الناس)، تمتلك مهارة النقل والتكوين التربوي لهذه القاعدة.
  • تحرير الأفكار الكبرى في صورة برامج تبدأ مع مرحلة الطفولة حتى مرحلة الشباب، وذلك من أجل أن ينشأ الجيل المسلم وفي وجدانه وعقله مثل أعلى يسعى إلى تحقيقه وهو رسالته في هذا الكون أي تحقيق الهداية والتزكية والعمران.

     القضية الثالثة: بناء "المثقف المجاهد": إن حركة الأمة الناهضة تحتاج إلى تكتل من أهل الوعي المجاهدين في الميدان الثقافي والفكري، لابد وأن يخرجوا من ذواتهم قليلًا، ومن عناصر التدجين والأدلجة العمياء، فإن جيل الرواد قد ضحى بكل شيء (المال والنفس) من أجل مشروعه وفكرته الإسلامية (الشهيد حسن البنا، الشهيد على شريعتي، الشهيد إسماعيل الفاروقي).. هؤلاء جاهدوا لإيصال فكرتهم -حتى الشهادة- لم يُلقوا بأنفسهم ولا بأرواحهم دون مقابل، ولكنهم طرحوا أفكارهم المؤسِسَة دون مواربة ودون مساعدة من أحد من أصحاب أموال أو سياسة أو إعلام.. بل كان كل ذلك يعمل ضدهم، ومن ثم فإن سيطرة نخبة إسلامية مؤدلجة على مجال الفكر الإسلامي تعمل في حدود ما رسمته السلطة (كمثال لبعض الدول البترولية التي ألمعت علماء امتصوا طموحات أجيال من الشباب المسلم دون تحقيق أثر حقيقي أو واقعي نحو الهدف النهضوي أو نحو معوقاته للعمل على إزالتها).. لقد كان ذلك ضد المشروع الإسلامي في مآله ومستقبله، حيث احتكر هؤلاء منابر التجديد في المؤتمرات والشاشات وهيمنوا على فكر الحركة الإسلامية.. وكان ضررهم أكثر من نفعهم.. بل تحول هذا المفكر أو ذاك المثقف إلى مثقف موظف أو مفكر موظف (أو بتعبير علي شريعتي: المفكر المتعهد أو المثقف المتعهد) بما تمليه عليه السلطة ولكن في ثياب مستقلة تُرضي قواعد الحركة الإسلامية وقاعدتها الجماهيرية والشعبية.. والمثقف المجاهد الذي نقصده هنا هو الذي يحول (تأوهه- ندبه- ولطمياته) من الوحل الذي وصلت فيه الأمة.. إلى حركة في ميادينها الفكرية وساحاتها الثقافية.. فيرى منه المجتمع القدوة.. ويرى منه الشباب المبادأة.. أما المكوث بعيدًا عن هذه الساحات وتلك الميادين والاكتفاء بدور المثقف المتعهد أو الموظف فأعتقد أنه ممارسة لأشد أنواع الكذب.. وترك حمل الرسالة وعبئها وثقلها الذي ألقي عليه {إِنَّا سَنُلْقِي عَلَيْكَ قَوْلًا ثَقِيلًا} [المزمل:5].. إن مسؤولية المثقف المعاصر جدُ مختلفة.. فالميدان موجود.. والحاجة موجودة.. ولكن المثقف المسلم هو نفسه ليس مؤمنًا بفكرة التغيير الحقيقي، وبجدوى المجاهدة في سبيلها، أو بمعنى آخر لا يمتلك إرادتها ويطالب المجتمع أن يقوم وينهض ويتغير، بينما هو ساكن خلف شاشات التلفاز أو حائط أو منصة التواصل الاجتماعي أو كتاب أو أوراق.

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

رابط الحلقة الأولى:

* https://mugtama.com/ntellectual/item/104467-1.html?fbclid=IwAR21lQry94VsDnUMWlsOub0Quz5oMPN6zBEhgsKCuKtPCewwAF8LVUS9IsE

  • عنوان تمهيدي: ماذا تحتاج حركة الإصلاح الإسلامي المعاصرة؟ (2)
عدد المشاهدات 2542

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top