العمل والعمال.. في المفهوم الإسلامي

17:10 02 مايو 2015 الكاتب :   عبدالحافظ الصاوي

عبدالحافظ الصاوي

 

في أول مايو من كل عام يشهد العالم الاحتفال بعيد العمال، وهو احتفال لم يعد قاصراً على العمال، ولكن يشاركهم فيه الكثير من الأيديولوجيات التي لديها تحفظات أو تناصب الرأسمالية العداء، لما يرونه من إهدار لحقوق العمال في المنظومة الرأسمالية.

والحديث عن العمل والعمال، بل وعلاقات العمل في المفهوم الإسلامي ليس من قبيل المزاحمة، ولكن هو حديث يفرض نفسه في ظل مشاركة الدول الإسلامية في منظومة الاقتصاد العالمي، كما أن هموم العمال واحدة، بعد أن انتشرت الاستثمارات الأجنبية في كل بلدان العالم، ومنها الدول الإسلامية، كما أن بعض البلدان الإسلامية أصبحت من أكبر الدول المستوردة للعمالة، ليس من بلدان العالم الإسلامي فحسب، ولكن من خارج الدول الإسلامية أيضاً.

فضلًا عن تمتع العالم الإسلامي بموارد بشرية ضخمة، تجعل منها تحدياً لابد من مواجهته، فالمسلمون يصل عددهم نحو 1.5 مليار نسمة، من بينهم فئة شابة فتية، تمثل عماد الهرم السكاني، وتبحث هذه الفئة التي تزيد من قوة العمل بالدول الإسلامية عن فرص عمل، تفرغ فيها طاقتها، وتحقق من خلالها طموحاتها الحياتية، وتثبت فيها ذاتها.

صراع مرفوض

يجب ألا ينظر إلى العلاقة بين العنصرين الأساسيين في العملية الإنتاجية، وهما العمل ورأس المال على أنها علاقة صراع، ولابد أن ينتصر عنصر على الآخر، كما ذهبت الأيديولوجيات الرأسمالية والاشتراكية، ولكن الإسلام ينظر إلى هذه العلاقة على أنها علاقة تعاون، ورتب لها حقوق وواجبات.

ففي الوقت الذي اشترط فيه على رب العمل أن يوفي العامل حقه من الأجر، من خلال قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: "أعطوا الأجير حقه قبل أن يجف عرقه"، وألا يشق صاحب العمل على العمال، فإنه طالب العامل بالإتقان، من خلال قول رسول الله عليه وسلم: "إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه"، كما حرر العلاقة بين طرفي العمل من خلال القاعدة الأصولية "العقد شريعة المتعاقدين"، ولكن هذه القاعدة منضبطة بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: "المسلمون عند شروطهم إلا شرط أحل حراماً أو حرم حلالاً".

لذلك فالإسلام ينظر إلى علاقة العامل برب العمل على أنها علاقة مصالح متبادلة، وليست علاقة استغلال أو إهدار،  فكل من طرفي العلاقة تحكمه رقابة ذاتية، فصاحب العمل يعلم أن ظلم العامل سيحاسب عليه في الآخرة، كما أن العامل يعلم أن إهماله في عمله محاسب عليه في الآخرة، حتى ولو استطاع أن يمرر إهماله من جهات الرقابة بجهة عمله.

حقوق العمال

الحديث عن حقوق العمال ليست تحيزاً لشعار، أو استجلاب رضا فئة مجتمعية، ولكن القواعد العامة لهذه العلاقة بينها رسول الله صلى الله عليه وسلم من خلال حديث: "إِخْوَانُكُمْ خَوَلُكُمْ، جَعَلَهُمُ اللّه تحْتَ أيْدِيكُمْ، فَمَنْ كَانَ أخُوهُ تَحْتَ يَدِهِ فَلْيُطْعِمْهُ مما يأكُلُ وَلْيُلْبِسْهُ مِما يَلْبَسُ، ولا تُكَلِّفُوهُمْ ما يَغْلِبُهُمْ فإنْ تكلَّفوهُمْ فأعِينُوهُمْ"، فالحديث كفل للعامل حقوقاً أساسية، وهي الضرورات الأساسية من مأكل ومشرب، وألا يحمل العامل ما لا يطيق، وأنه حال تكليف العامل بالقيام بمهمات معينة، فلابد من توفير وسائل العمل اللازمة لإنجاز هذه المهمة. 

ومما يشرف العمال أن الخلفية الفكرية لعلاقة السلطة بالمجتمع، أن يكون القائم على رأس السلطة، أجير عند الأمة، وأن باقي ولاة الأمور الذي يديرون باقي المستويات الإدارية الأقل هم أجراء كذلك، أو عمال ولي الأمر، إذا صفة العامل يكتسبها أعلى مستوى إداري في السلطة في الدولة الإسلامية.

قيمة العمل

لا ينظر الإسلام إلى الإنسان على أنه عبء على الحياة، ولكنه مكلف برسالة، وليس مجرد مورد يجب الاستفادة منه، فالعمل في حد ذاته في الإسلام قيمة، فحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي بين فيه قيمة العمل شديد الوضوح: "مَا أَكَلَ أَحَدٌ طَعَامًا قَطُّ خَيْرًا مِنْ أَنْ يَأْكُلَ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ وَإِنَّ نَبِيَّ اللَّهِ دَاوُدَ عَلَيْهِ السَّلَام كَانَ يَأْكُلُ مِنْ عَمَلِ يَدِهِ".

وتبين السيرة النبوية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم عمل في صباه وشبابه برعاية الغنم، وحتى بعد الرسالة عمل رسول الله صلى الله عليه وسلم أجيراً، وتتضمن السُّنة النبوية العديد من الأحاديث التي تحض على العمل، وتفضل العاملين على العاطلين، فورد عن النبي قوله: "لأنْ يَأْخُذَ أَحَدُكُمْ حَبْلَهُ فَيَأْتِيَ بحُزْمَةِ الْحَطَبِ عَلَى ظَهْرِهِ فَيَبِيعَهَا فَيَكُفَّ اللَّهُ بهَا وَجْهَهُ، خَيْرٌ لَهُ مِنْ أَنْ يَسْأَلَ النَّاسَ أَعْطَوْهُ أَوْ مَنَعُوهُ"، وحديثه عندما صافح رجلاً ووجد يده خشنة من أثر العمل فقال صلى الله عليه وسلم: "هذه يد يحبها الله ورسوله"، وهذه بشرى لكل عامل أتعبه العمل، وترك أثره على جسده، بأن سعيه لن يضيع في الدنيا والآخرة، ويكفيه حب الله ورسوله، إن صحت نيته باتخاذه العمل عبادة، يتقرب بها إلى الله عز وجل.

واقع مؤلم

ولكن في ظل هذه القيم الإيجابية والبناءة التي نجدها في المفهوم الإسلامي للعمل، نجد بلادنا العربية والإسلامية، يكثر فيها العاطلون، ويتربوا على مفاهيم خاطئة تجاه العمل، بل وينصرف بعضهم للدعة والزهد في العمل، معتمداً على ما يتحصل عليه من ريع، لا يجعل له قيمة أو أثر في وسط حضارة العمل فيها هو أصل الوجود.

في عيد العمال يجب أن يسأل الجميع عن تقصيره في العمل، ولاة الأمور والحكومات، وتقصيرهم في فتح منافذ العمل، وإتاحة فرص العمل للعاطلين، وبخاصة للشباب حديث الدخول لسوق العمل، كما أن أرباب الأموال لديهم مسؤولية في حسن توظيف أعمالهم، والحرص على خلق فرص عمل نافعة للمجتمع، وتصب في توفير احتياجاته والرقي به إنسانياً وحضارياً، وألا يهضموا حقوق العمل بزعم زيادة الأرباح، كما أن العمال مطالبون بإجادة العمل وإتقانه والوفاء بحقوق المؤسسات التي يعملون بها، وأن يقدموا ما لديهم لتطوير هذه المؤسسات.

إن وجود نحو 23 مليون عاطل في عالمنا العربي، ليس مجرد رقم مجرد، ولكنه مسؤولية مجتمعية، تدان فيها الحكومات العربية، ومجتمع الأعمال، كما يضع مؤسسات التعليم أما مسؤوليتها عن تخريج طلاب غير معدين لسوق العمل.

إن نتائج البطالة على عالمنا العربي مخيف، حيث تسببت في ارتفاع معدلات العنوسة، وساعدت على زيادة حدة الهجرة من العالم العربي، وتفريغ دولنا من العقول التي تكلفت فيها الحكومات نفقات التعليم على مدار سنوات، لتجني دول أخرى ثماراً جاهزة من مساهمة هؤلاء المهاجرين في سوق العمل لديها.

في الختام، خالص التهاني للعمال في العالم أجمع، وفي عالمنا العربي والإسلامي بشكل خاص، وإن كنا نود أن يأتي هذا العيد وقد عادت إليكم حقوقكم كاملة غير منقوصة، وألا يضيع حق في بلادنا على أصحابه.

 

 

عدد المشاهدات 1079

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top