دور الأكراد في نشر الحضارة الإسلامية

11:47 16 مايو 2015 الكاتب :   خالد محمدي

يتساءل البعض: يا ترى ما دور الأكراد في نشر الحضارة الإسلامية؟

أغلب الباحثين الأوروبیين والشرقيين متفقون على أن الأكراد ينتمون إلى«الميدية» التي هاجرت في مطلع ألف الثانية أي 2000 سنة قبل الميلاد وذلك بسبب الجفاف والبرد القاسي اللذين حلا بهم مما اضطروا أن ینتقلوا إلى مكان آمن لإنقاذ حياتهم، واستطاعوا أن يسيطروا على السكان الأقدمين في كردستان ونجحوا في تكوين تركيبة سكانية جديدة باسم الكرد.

الموقع الجغرافي:

تقع كردستان في غرب آسيا أو في شرق هضبة أناضول، كلمة كردستان يعني أرض الكرد، وتغطي كردستان حالياً أجزاء واسعة فی کلّ من شمالي العراق وشمالي غرب إيران وجنوب شرق تركيا وشمالي شرق سورية.

الأكراد قبل الإسلام:

لاشك قبل أن يعتنق الأكراد الإسلامَ كانوا على ديانة ملة فرس الزرتشتية حيث يعتبرونه نبياً بعثه الله إلى الأمة الفارسية؛ وسبب اعتناق الأكراد الديانةَ الفارسية كانت الحروب التي خاضها الفرس ضد الأكراد وسيطرتهم عليهم مما أدت إلى اعتناقهم هذه الديانة «عبادة النار»، إلى أن جاء الإسلام وبدأت الدعوة الإسلامية تظهر رويداً رويداً حتى دخل الأكراد في دين الله أفواجاً، منذ 1400 عام ونيف أصبح الأكراد جزءاً لا يتجزأ من كيان الدولة الإسلامية.

في بداية الدعوة الإسلامية خاطب الله جل جلاله نبيه محمداً صلى الله عليه وسلم يؤكد له عالمية هذا الدين، وأنّه لم يبعث إلى فئة خاصة من الفئات وإنما بعث إلى الناس جمعیاً، کما قال تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِّلْعَالَمِينَ {107}) (الأنبياء).

يقول الأستاذ عماد الدين خليل: لقد فتح الرسول صلى الله عليه وسلم وصحابته الكرام رضي الله عنهم صدورهم لكل المنتمين للدين الجديد، وتبوأ رجال من أمثال صهيب الرومي، وسلمان الفارسي، وبلال الحبشي، وجابان الكردي وغيرهم من غير العرب مواقع متقدمة في حركة الدعوة الإسلامية، ولقوا كل ترحيب وتكريم.

وهكذا وجد الكرد أنفسهم، وصنعوا تاريخهم، في ظلال العصر الإسلامي، وشارکوا مشاركة فاعلة في مصائر الأمة الإسلامية في السلم والحرب، في الحضارة والسياسة معاً.

فلنرجع إلی بداية الصحوة الإسلامية، كثير منا لم يسمع عن الصحابي الجليل جابان الكردي رضي الله عنه؛ ذلك الأسد الذي لما سمع نداء محمد صلى الله عليه وسلم يدعو الخلق إلی كل ما هو خير وترك كل ما هو شر؛ فلبّى ندائه عليه الصلاة والسلام وقرر السفر من بلاد كردستان إلى شبه الجزيرة العربية ليلتقي به صلى الله عليه وسلم، وأن يدخل في الإسلام ويلتحق بإخوانه الصحابة، هذا فضل من الله جل وعلا للكرد أن جعله من زمرة الأمم التي لها سفير عند رسول الله صلى الله عليه وسلم.

يقول الأستاذ عماد الدين خليل: رحلة جابان رضي الله عنه تذكرنا برحلة سلمان الفارسي رضي الله عنه بحثاً عن الحق، اجتاز الطريق الطويل للقاء بالرسول القائد صلى الله عليه وسلم ومبايعته على الإسلام، فيما يؤكد - مرة أخرى - أن هذا الدين ما جاء للعرب وحدهم وأقوامهم، وإنما للناس كافة على اختلاف أجناسهم، بعدها قدمت مجموعة من التجار الكرد إلى المدينة المنورة لكي تعلن إسلامها بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، فتكون هذه الثلة المباركة، مع الداعية الأول جابان نواة الوجود الإسلامي في كردستان، والنبتة التي سيقدر لها أن تنمو وتزدهر وتمتد جذورها في الأرض الطيبة.

ولا ننس دور جابان الكردي رضي الله عنه بعد ما أسلم ورجع إلى دياره وبدأ بدعوة الأكراد لتعریفهم بهذا الدين المبين.

من ثمرة دعوته هو إسلام دَيلم الكردي ذلك الرجل البطل الذي كان رئيساً للحرس الكسروي، ما لبث أن اعتنق الإسلام وقرر التمرد على كسرى والتحاقه بإخوانه العرب لنصرتهم في معركة القادسية، يمكن القول: إن الأكراد هم القوم الذین اعتنقوا الإسلام بدون أيّ مقاومة أو تمرد، بل رحّبوا به بكل سرور وحفاوة؛ لأنَّ الإسلام أنقذهم من وطأة الظلم والطغيان وبطش الملوك الساسانیين.

حقاً إن للأكراد تاريخاً مشرقاً لنشر الحضارة الإسلامية لا يمكن تجاهله، ولولا وجود الرجال الأشاوس الأكراد وعلمائهم وقادتهم ومثقفيهم لما وصل الإسلام إلی ما وصل إليه من رفعة مكانة وشأن عظيم بين الأمم قديماً وحديثاً. (نقلاً عن عماد الدين الخليل).

لقد خرج من بين الأكراد جيل من الأسود الأبطال والعلماء الأفذاذ الذين ساهموا بدورهم لبسط نفوذ الإسلام في مناطق مختلفة من أقطار الأرض، ها هو القائد صلاح الدين الأيوبي الذي كان قائداً بارزاً وقف في وجه الصليبية التي هاجمت الأراضي الإسلامية في بلاد الشام للسيطرة عليها على وجه العموم وبيت المقدس على وجه الخصوص، ذلك القائد الفذ الذي استطاع بحنكته ودرايته أن يفشل المخططات الصليبیة المشؤومة الاستعمارية ووقف فی وجههم حتى استطاع أن يطردهم خاسرين مهزومين من البلاد الإسلامية كالشام وغيرها.

نعم هذا هو الدور المشرق للأكراد للدفاع عن المقدسات الإسلامية كالقبلة الأولى للمسلمين (بيت المقدس)، ولا ننس جهوده المخلصة لحماية وحدة الأراضي الإسلامية، إنه كان سيفاً مسلولاً لمواجهة الدولة الفاطمية الباطنية التي أرادت أن تفرق وحدة الأمة.

يقول الكاتب والباحث الإسلامي الأستاذ محمد واني: واستطاع هذا القائد أن يؤخر الدورة الاستعمارية "الغربية" عن العالم الإسلامي لمدة تزيد على سبعمائة عام، كان من المفروض بحسب التوقعات العسكرية والتحاليل الإستراتيجية أن يتم احتلال البلدان الإسلامية من قبل القوات الأوروبية، لولاه لاندثر الإسلام في المنطقة، لكن بفضل الله ثم بفضل حنكته استطاع أن يكون له تأثير قوي في تأخير الاستعمار الصليبي في البلدان الإسلامية.

لا شك أنه لم يكن دور الأكراد من الناحية العسكرية فحسب، بل ساهموا في نشر الوعي الديني والثقافي والاجتماعي كالإمام ابن تيمية، وابن صلاح الشهرزوري، وابن خلكان، وغيرهم كثيرون.

خلاصة القول: يمكن تصنيف رجالات الأكراد الذين كان لهم دور بارز في نشر الحضارة الإسلامية إلى ثلاثة أصناف:

الصنف الأول: القادة العسكريون وحماة الديار الإسلامية:

1- أسد الدين شيركوه، عم صلاح الدين الأيوبي، كان من أبرز القيادات العسكرية في جيش عماد الدين الزنكي الذي استطاع أن يقف في وجه الصليبية، وأن يعيد مصر إلى أحضان الأمة الإسلامية.

2- أبو المظفر الملك الناصر صلاح الدين الأيوبي من أشهر ملوك الإسلام، اتفق أهل التاريخ على أن أباه وأهله من دوين، وهي بلدة في آخر أذربيجان وأنهم أكراد روادية.

الصنف الثاني: علماء الكرد وحماة العقيدة الإسلامية:

1- ابن صلاح الإمام الحافظ العلامة شيخ الإسلام تقي الدين أبو عمرو عثمان بن المفتي صلاح الدين عبدالرحمن بن عثمان بن موسى الكردي الشهرزوري الموصلي الشافعي، صاحب "علوم الحديث"، الملقب بابن الصلاح الشهرزوري.

2- شيخ الإسلام تقي الدين أحمد بن عبدالحليم المعروف بابن تيمية الحراني الكردي الأصل عام 661هـ (1262م)، بعد خمس سنوات من سقوط الخلافة العباسية عام 656هـ (1258م) على أيدي التتار.

3- الدينوري: هو أبو حنيفة أحمد بن داود بن وَنَنْد الدينوري، ولد في العقد الأول من القرن الثالث الهجري بمدينة دينَوَر، وإليها يُنسَب أجداده الأقربون، والحقيقة أن المصادر الإسلامية لم تذكر نسبته إلى الكرد، وإنما نسبته إلى دِينَوَر Dinewer، هذا هو اسمها المشهور، ويقال لها: دَيْنَوَر أيضاً، وتسميها المصادر السريانية ديِنهور، وهي من أهم مدن إقليم الجبال في كردستان الشرقية (غربي إيران)، تقع غربي هَمَذان، وشمالي كرمَنشاه، ومن آثاره كتاب «البيان»، «الشعر والشعراء»، و«رسالة في الطب».

ذكر ابن تَغْري بَرْدي في كتابه "النجوم الزاهرة"،(6/360) اسم ابن الحاجب فقال:

عثمان بن عمر بن أبي بكر بن يونس الشيخ الإمام العالم العلاّمة جمال الدين أبو عمرو المعروف بابن الحاجب الكردي المالكي النحوي الأصولي، صاحب التصانيف في النحو وغيره، مولده في سنة سبعين وخمسمائة بـ«إسنا» من بلاد الصعيد، من آثاره في النحو: "الكافية، الإيضاح في شرح المفصل، أمالي ابن الحاجب، شرح كتاب سيبويه".

4- الإمام بديع الزمان الجزري وابن الأثير.

5- ابن خلكان: هو أحمد بن محمد بن إبراهيم بن أبي بكر بن خلّكان بن باوَك بن عبدالله بن ساكل بن الحسين بن مالك بن جعفر بن يحيى بن خالد بن بَرْمَك، ينتسب إلى أسرة البرامكة المشهورة، وقد ترجم شرف الدين ابن المستوفي صاحب "تاريخ أربیل" لابن عم ابن خلّكان، فنسبه إلى البرامكة أيضاً، وهذا يعني أن هذا النسب كان معروفاً لهم في أربیل وقراها، وصرّح ابن خلّكان لابنه موسى أن قبيلته التي ينتسب إليها هي من الكرد، واسمها "زرْزاري= ولد الذئب". له مؤلفات عديدة أشهرها «وَفَيات الأعيـان وأنباء أبناء الزمـان».

الصنف الثالث: أدباء الكرد وحماة الأدب العربي:

1- أمير الشعراء أحمد شوقي (1868هـ - 1932م).

أمير الشعراء أحمد شوقي علي أحمد شوقي بك، ولد بالقاهرة عام 1868م لأب كردي وأم من أصول يونانية ويُعَدُّ من أفضل شعراء العرب في العصر الحديث، من آثاره: "الشوقيات، عنترة، مجنون ليلي..".

2- معروف الرصافي شاعر الحرية والإنسانية (1875هـ - 1945م): ولد معروف بن عبدالغني واشتهر بلقب «الرُّصافي» عام 1875م في حي من أحياء بغداد، يدعى حيّ «القراغول»، وهو ينتمي من جهة أبيه إلى عشيرة «جبارة»، وهي عشيرة كردية تدعى بالكردية «جباري»، لكن يذكر أدهم آل جندي في كتابه "أعلام الأدب والفن، الجزء الثاني" أن الرصافي من العشيرة الكردية «بَرزنْج»، والأرجح أنه من عشيرة جباري، وجاء في كتاب «العشائر الكردية» أن عشيرة جباري تسكن لواء «محافظة» كركوك، وهي تمتهن الزراعة، وقد وقفت إلى جانب الشيخ محمود الحَفيد خلال ثورته ضد الإنجليز عام 1919م في كردستان العراق.

ملاحظة: يقول الله تبارك وتعالى في محكم تنزيله:‏ (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُم مِّن ذَكَرٍ وَأُنثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ {13}) (الحجرات). ‏

ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ رَبَّكُمْ وَاحِدٌ، وَأَبَاكُمْ وَاحِدٌ، وَنَبِيَّكُم وَاحِدٌ، لا فَضْلَ لِعَرَبِيٍّ عَلَى عْجَمِيٍّ، وَلا لِعَجَمِيٍّ عَلَى عَرَبِيٍّ، وَلا لأَحْمَرَ عَلَى أَسْوَدَ، وَلا لأَسْوَدَ عَلَى أَحْمَرَ، إِلا بِالتَّقْوَى».

انطلاقاً من هذه الآية الكريمة والحديث الشريف، يعلم الله أني ما كتبت هذه المقالة لكي أفتخر بقوميتي وأفضل نفسي وقومي على الآخرين؛ کلاّ، وإنما قصدت منها أن لله فضلاً على الأكراد أن يكونوا في خدمة هذا الدين المبارك ولكي لا نجهل دورهم البارز في الساحة الإسلامية.

نحن نقول كما قال أمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه وأرضاه: «نحن قوم أعزنا الله بالإسلام فإن ابتغينا العزة بغيره أذلنا الله»، وحقاً الأكراد قوم أعزهم الله وأكرمهم بالإسلام، فإن ابتغوا العزة بغيره أذلهم الله، والله علی ما أقول شهيد.

 

عدد المشاهدات 3609

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top