ذكرى من التاريخ ودروس في الولاء 2/2

18:24 04 يونيو 2015 الكاتب :   د إبراهيم أبو محمد

 

 د إبراهيم أبو محمد

التاريخ هو الذاكرة التي تحتوي الناس والزمان والمكان والأحداث، ومن ثمّ فهو وعاء الماضي الذي يجب أن يكون مشمولاً بالحضور الدائم في كل دعوة للتغيير والتحرير في الحاضر، كما يجب أن تكون حقائقه حاضرة في الوعي الخاص لمن يتصدرون للقيادة والريادة حتى تكون إشاراته الضوئية في الإقدام والإحجام مرشدة لهم ومنبهة لمواضع العقبات ومواطن الخطر التي تواجههم في المستقبل، ومن ثم يتكامل الزمن في أبعاده الثلاثة الماضي والحاضر والمستقبل، وبهذا التكامل في أبعاد الزمن تتكامل الرؤية  فيتلاشى المجتمع عمى الألوان السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي تصيب الكثيرين فتسبب كساحاً في الخُطى، وقصراً في النظر، وتخبطاً في الحركة، ذلك لأن غياب حقائق التاريخ عن الوعي الذاتي يعني ببساطة شديدة تعطيل الحواس كلها، وفقدان الذاكرة والوقوف على عتبة الجنون، ومن ثم تكون العشوائية والتخبط والخلط بين الماضي والحاضر،  ثم يكون العجز عن تصور المستقبل واستحضار معالمه، فضلاً عن التخطيط له.

 الأمم الحية تعيش حاضرها، وتستلهم أمجاد ماضيها لتستعين بها وتضيف فيه أمجاداً جديدة ترفع من رصيدها الحضاري، وتوطد مكانتها بين غيرها من أمم الأرض، غير أن المغلوبين  في مرحلة الاستلاب والوهن الحضاري يهربون من واقعهم المر، فيلجأون إلى التاريخ  ليستمدوا من ماضيهم العظيم ما يستعينون به على الحاضر البائس، ويستجيرون به من حالات القهر والإحباط التي تملأ دنياهم، ومن هنا يجددون احتفالهم وحفاوتهم ببعض المواقع فيه، علها تهون عليهم معاناة الحاضر وتمدهم بزاد جديد من الصبر والأمل بعدما نفد كل ما لديهم تحت وطأة الاستبداد والقهر وعموم المظالم. 

  •   ولذلك تعوّد الناس في حياتهم أن يحتفلوا ببعض المناسبات فيحيون ذكراها ويحتفون بما حدث فيها ويستخلصون منها العبر ويتعلمون منها الدروس.
  •    التاريخ إذن ليس صفحات  طويت،  وليس مواقع لاجترار الذكريات والوقوف على أطلالها بحديث عن أمجاد الآباء ثم ينفض السامر وينتهي الأمر.
    • الكبار وحدهم ـ أيها السادة  القراء ـ هم الذين يشقون طريقهم نحو المجد، ويتجاوزون العقبات ويذللون الصعاب، ويقتحمون على التاريخ أبوابه، ويرغمونه أن يفتح لهم نوافذ مشرقة بين أيامه ولياليه.
    • وبعد أن انتقل الرسول صلى الله عليه وسلم إلى المدينة ليبدأ مرحلة جديدة في بناء الدولة، وعليه فلا بد من غربلة للصفوف حيث تنتقل الدعوة في مسيرتها من مرحلة إلى مرحلة، من مرحلة تحمل المعاناة بصبر وتجلد، إلى مرحلة المواجهة الواضحة الصريحة، ولذلك نلاحظ أن معركة بدر جاء ت بعد تحويل القبلة واستقلال الشخصية المسلمة في فكرها وتصوراتها فهل سيتحمل الكل مسؤولية التبعة؟
  • بعد وصول النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة، اشتشعر أصحابه وحشة في بلد المهجر، وزاد حنينهم إلى مكة، مسقط الرأس، ومحضن الطفولة، وموطن الذكريات،  وأحس النبي صلي الله عليه وسلم حنين أصحابه إلى الموطن الأول، فأراد أن يحببهم في المدينة  “الموطن الجديد”  فدعا للمدينة. روى أبو هريرة أيضاً قال : كان الناس إذا رأوا أول الثمر جاءوا به إلى النبي صلى الله عليه وسلم، فإذا أخذه رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: "اللهم! بارك لنا في ثمرنا، وبارك لنا في مدينتنا،  وبارك لنا في صاعنا، وبارك لنا في مدنا! اللهم! إن إبراهيم عبدك وخليلك ونبيك. وإني عبدك ونبيك. وإنه دعاك لمكة. وإني أدعوك للمدينة. بمثل ما دعاك لمكة. ومثله معه". قال: ثم يدعو أصغر وليد له فيعطيه ذلك الثمر." صحيح مسلم: 1373
  •  ظل التوجه إلى بيت المقدس قرابة سبعة عشر شهراً وبعدها أمر الله نبيه أن يتوجه في صلاته إلى الكعبة بيت الله الحرام.
  •  لكن هذا التحول لم يكن مجرد اتجاه للمكان، وإنما حمل في سياقه مجموعة من الحقائق كان لها تأثير بالغ  على المستويين الداخلي وفي الميط الخارجي.

فعلى المستوى الداخلي حمل لنا تحويل القبلة مجموعة من الأهداف كان أهمها:

  1. قطع كل الروابط في عقل المسلم وقلبه ووجدانه والإبقاء على رباط واحد هو مركزية الولاء لله وحده.
  2. تربية النخبة التي أحبها وأحبته وتصحيح خريطة الولاء لديهم، بحيث يتحررون من كل ارتباط ولو كان ببيت الله الحرام.
  3.  تحصين المتلقي ضد الحروب النفسية والفكرية والثقافية وضد كل ألوان الإشاعات السوداء والصفراء والرمادية والرد على شبهات الطوائف التي تشككك المسلمين في عقيدتهم. {سَيَقُولُ السُّفَهَاء مِنَ النَّاسِ مَا وَلاَّهُمْ عَن قِبْلَتِهِمُ الَّتِي كَانُواْ عَلَيْهَا قُل لِّلّهِ الْمَشْرِقُ وَالْمَغْرِبُ يَهْدِي مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ } البقرة142
  4.  .تنقية الصف من المترددين والمنهزمين. (وَمَا جَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ) .
  5. الرد على شبهة الفرضيات الجدلية التي طرحها البعض ببطلان صلاة من ماتوا من المسلمين قبل التوجه إلى الكعبة، حيث قالوا: “ إن كان توجه النبي وأتباعه إلى الكعبة صحيحاً فتوجهه من قبل إلى بيت المقدس كان باطلاً، وإن كان توجهه إلى بيت المقدس صحيحاً فتوجهه الآن إلى الكعبة باطلاً، وهذا التردد دليل على غياب اليقين، ودليل على أن ديننا هو الدين وقبلتنا هي القبلة، ثم ما مصير صلاة من ماتوا ولم يتوجهوا إلى الكعبة أصلاتهم صحيحة أم باطلة؟ فرد القرآن عليهم بقوله تعالى: (وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ) البقرة143.
  6. التأكيد على أن الكفر ورفض الحقائق الإسلامية ليس لغموض في البرهان، أو لنقص في الدليل والحجة،  وإنما هو نابع من الجحود والنكران والكراهية. {وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنفُسُهُمْ ظُلْماً وَعُلُوّاً فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ }النمل14، {الَّذِينَ آتَيْنَاهُمُ الْكِتَابَ يَعْرِفُونَهُ كَمَا يَعْرِفُونَ أَبْنَاءهُمْ وَإِنَّ فَرِيقاً مِّنْهُمْ لَيَكْتُمُونَ الْحَقَّ وَهُمْ يَعْلَمُونَ} البقرة146.
  7. (وَإِنَّ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ لَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبِّهِمْ وَمَا اللّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ) البقرة:144.
  8.   .التحذير من التبعية في كل شيء لمن ليسوا من دين الله على شيء. (وَلَئِنْ أَتَيْتَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ بِكُلِّ آيَةٍ مَّا تَبِعُواْ قِبْلَتَكَ وَمَا أَنتَ بِتَابِعٍ قِبْلَتَهُمْ وَمَا بَعْضُهُم بِتَابِعٍ قِبْلَةَ بَعْضٍ وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءهُم مِّن بَعْدِ مَا جَاءكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَاً لَّمِنَ الظَّالِمِينَ) البقرة: 145.
  9. . تشخيص هوية الأمة المسلمة وتحديد معالمها وخصائصها، وفي مقدمة ذلك:
  10. تأكيد وحدة الرسالات وتواصل حقائق الوحي الإلهي. {قُولُواْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ إِلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ وَالأسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَمَا أُوتِيَ النَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} البقرة: 136.
  • • أنها أمة وليست جنساً أو بقعة مكانية بعينها
  • • وأنها وسط ووسط الشيء أفضله وأعدله .
  • • وأن لها الشهود الحضاري في العقائد والقيم والمبادئ والأخلاق . {وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيداً} البقرة 143.
  • • أما على المستوى الخارجي والمحيط الدولي فقد تحققت الأهداف التالية .

 {قُلْ آمَنَّا بِاللّهِ وَمَا أُنزِلَ عَلَيْنَا وَمَا أُنزِلَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاق وَيَعْقُوب وَالأَسْبَاطِ وَمَا أُوتِيَ مُوسَى وَعِيسَى وَالنَّبِيُّونَ مِن رَّبِّهِمْ لاَ نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِّنْهُمْ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ} آل عمران:84.

  1.  كسر احتكار الهداية التي ادعاها أهل الكتاب. (وَقَالُواْ لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى تِلْكَ أَمَانِيُّهُمْ قُلْ هَاتُواْ بُرْهَانَكُمْ إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ) البقرة:111  (وَقَالُواْ كُونُواْ هُوداً أَوْ نَصَارَى تَهْتَدُواْ قُلْ بَلْ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفاً وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ )البقرة:135.
  2.  إعلان وراثة النبوات السابقة وانتقال القيادة الروحية من بنى إسرائيل إلى بني إسماعيل  (لّهُ مِيثَاقَ النَّبِيِّيْنَ لَمَا آتَيْتُكُم مِّن كِتَابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جَاءكُمْ رَسُولٌ مُّصَدِّقٌ لِّمَا مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنصُرُنَّهُ قَالَ أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي قَالُواْ أَقْرَرْنَا قَالَ فَاشْهَدُواْ وَأَنَاْ مَعَكُم مِّنَ الشَّاهِدِينَ) آل عمران:81
  3. . تأكيد الربط بين العاصمتين المقدستين مكة والقدس، وإعلان مسؤولية المسلمين في حماية المقدسات .
  4. . تحديد معيار الهداية بالدخول تحت الصبغة التي اصطبغ بها الأنبياء جميعاً واصطبغ بها الكون كله. {أَفَغَيْرَ دِينِ اللّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَن فِي السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ } آ ل عمران83  {صِبْغَةَ اللّهِ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللّهِ صِبْغَةً وَنَحْنُ لَهُ عَابِدونَ } البقرة1384.
  5. . انتقال القيادة  الروحية من بني إسرائيل إلى بني إسماعيل .

وبعد اكتمال العناصر الثلاثة في الزمن والأحداث والرجال تكون التاريخ وبدت قسمات بطولة الرجال الذين رباهم المنهج مضيئة مشرقة على أيامه ولياليه، ثم دار الزمن وتحول، وخلف من بعدهم خلف حولوا التاريخ بمكوناته ومقوماته وعناصره إلى مجرد قصص ميت يحكى بين المقهورين والمخدوعين في كلمات فقدت مضمونها وفحواها، وغفلت عن كل الدروس التي جاءت في سياق تحويل القبلة لتصنع معركة جدال كبير، وفى كل عام بين مؤيد ومعارض حول الدعاء والصلاة في تلك الليلة ومدى مشروعيته أو بدعيته .

أيها القارئ العزيز: إننا نعيش عصر الاستلاب والتراجع والوهن الحضاري؟

عدد المشاهدات 1042

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top