الحالة الدينية في تونس.. استعصاء على الذوبان

13:25 21 يونيو 2015 الكاتب :   تونس: عبدالباقي خليفة

 

بالشراكة بين منتدى العلوم الاجتماعية، والمعهد العربي لحقوق الإنسان، والمرصد الوطني للشباب، وبدعم من الصندوق العربي لحقوق الإنسان، تم عرض نتائج دراسة تم إنجازها خلال شهر مارس 2015م حول الحالة الدينية في تونس، وهو أول تقرير حول دراسة تتعلق بالشأن الديني يتم إذاعته، حيث كان النظام البائد يتحفظ على ذلك ولا تجرى الدراسات سوى لخدمة الأهداف الأمنية الخاصة بالنظام الاستبدادي البائد.  وتأتي هذه الدراسة في وقت يتم الحديث فيه عن إصلاح التعليم في تونس، وسن قوانين تهم الشؤون السياسية، والاقتصادية، والقضائية، والأمنية، وغيرها. وبداية من العام القادم، ستكون هناك منظومة جديدة للتعليم يرجى لها أن تكون ملائمة لسوق العمل، حيث يزيد عدد العاطلين من حملة الشهادات على 250 ألفاً، وسيكون الإصلاح وفق الدستور التونسي المعلن عنه في 28 يناير 2014م، فقد ثبت فشل منظومة التعليم السابقة بعد تهميش دور الدين في المناهج الدراسية، فارتفعت نسب تعاطي الخمور والمخدرات وكل أشكال الفساد، فضلاً عن ضعف مستوى الطالب التونسي في مراحل التعليم المختلفة الابتدائي والإعدادي والثانوي والجامعي، حتى إن دولة مثل الصومال كانت متقدمة في مسح دولي عن مستوى الجامعات في تونس، وهو ما يؤكد أن الخيارات التي فرضها الحداثيون (العلمانيون) على تونس على مدى يزيد على نصف قرن كانت كارثية وعلى كل المستويات، بما في ذلك المجال الديني، ولولا القوة الذاتية للإسلام، لأصبح التدين أثراً بعد عين.

نتائج لها دلالات

لقد دشن مسار الانتقال الديمقراطي مرحلة جديدة من الحريات العامة ولاسيما الحرية الدينية، والتي لا يزال البعض يخوض جدلاً بخصوصها قبل سن الدستور الجديد وأثناء النقاش الذي دار حوله، وبعده، إذ أشار الفصل الأول إلى أن دين الدولة هو الإسلام؛ وهو ما يعني وفق التقرير تحديد هوية المجتمع والدولة، إضافة إلى الفصل السادس المتعلق بالمقدسات وحرية الضمير.

وحاولت الدراسة معرفة توجهات الرأي العام بخصوص الشأن الديني بعد نحو ستة عقود من الحرص على محاصرة التدين أو محاولة إسقاط مفاهيم لائكية علمانية للدين على المجتمع باعتراف بعض المشاركين في الندوة التي عقدت لهذا الغرض.

وحسب الدراسة، فإن التونسيين يتمتعون بقدر كبير من التسامح حيال الأديان الأخرى، فهناك 39% ممن استطلعت آراؤهم (1200 شخص) أكدوا احترامهم لعقائد الآخرين، ومبدأ حرية الاعتقاد بنسبة 33% فقط، بينما لم يؤيد سوى 28% مسألة تغيير العقيدة.

لم يكن التقرير محايداً كما زعم معدوه، فهم لا يستنكفون من وصف أغلب من استطلعت آراؤهم بالتسامح كما سلف، أو بمحدودية التسامح لاسيما في المسألة الأخيرة، أو وصفهم لبعض مواقف التونسيين محل الدراسة بـ«تستيقظ الهويات الطائفية والنعرات القديمة وما يمكن أن يعد حرية شخصية يتحول إلى خطر على كيان الجماعة»، وهذا يجعل القائمين على الدراسة يوظفون المعطيات التي جمعوها لتوجيه الرأي العام في اتجاه معين أو التأثير على القارئ.

مقارنات خاطئة

الدراسة تسجل باستغراب كيف أن هناك 91% يؤيدون الدعوة الإسلامية في الغرب، ويرفضون بنفس النسبة الدعوة للنصرانية في البلاد الإسلامية، وهو خطأ منهجي يخلط بين المتخيل والموضوعي؛ إذ لا توجد دعوة إسلامية منظمة في الغرب، كما هي حال الإرساليات التبشيرية في بلاد المسلمين.. والأموال المرصودة في الغرب لهذا الغرض، لدعم الإرساليات التي تأخذ بعضها تمويلاً من الأمم المتحدة، لا يمكن مقارنتها ببعض النشاطات الفردية التي يقوم بها بعض المسلمين، والتي غالباً ما تكون عرضية وغير مركزة أو ممولة من جهات رسمية أو غير رسمية.

معطيات منقوصة

وتعلق الدراسة على نسبة الرافضين لتحول المسلم إلى النصرانية وهي 93% بأنها موقف تقليدي، لكنها تعتبر الباقي 9% وليس 7%، وتضع سؤالا آخر حول الموقف الذي يعده الفقه ردة، ومناضلو حقوق الإنسان ممارسة لحرية التعبير، والحقيقة أن الأمر لا يتعلق بالفقه الإسلامي، بل إن موضوع الردة موجود في جميع الأديان، بل المناهج الوضعية ولاسيما اليسارية التي تنعته بالتحريفية، ثم أصبح اليساريون العرب يستخدمون نفس المصطلح وهو الردة، ولاسيما الحديث عن العودة إلى الإسلام.

ووفقاً للدراسة يعتبر 73% من التونسيين متدينين، رغم أن 59% منهم تقريباً فقط يؤدون فريضة الصلاة بصفة يومية، و19% أقروا بضعف تدينهم، وكشفت الدراسة عن نسب متفاوتة في الثقافة الدينية لدى من تم استجوابهم، رغم أن 83% أجابوا بأن الإسلام يفرض زياً معيناً للمرأة، وفي غياب العلم الشرعي تكون في الغالب الأهواء والانطباعات والتصورات الشخصية هي الغالبة، فهناك 45% من المستجوبين يظنون أن الإسلام يفرض لباساً محتشماً على المرأة، و51% حسب التقرير يظنون أن المرأة يمكن أن تكون متدينة بدون حجاب.

جهل بأحكام الدين

من الأسئلة التي طرحت في الاستبيان علاقات الزواج بين المسلم وغير المسلمة، والمسلمة وغير المسلم، فالكثير من التونسيين يجهلون الحكم الشرعي، حتى إن بعضهم لم يسأل في حياته قط عن مسألة دينية، لذلك جاءت الإجابات انعكاساً للزاد المعرفي الشرعي الضحل الذي أكدته مواقفهم وإجاباتهم في التقرير المشار إليه، فهناك 40% يرفضون الزواج المختلط، و37% يقبلون بزواج المسلمة من غير المسلم، وقد اعتبر التقرير هذه النسب تغييراً في العقليات، حسب تعبير ناسخيه، بينما هو في الحقيقة جهل بأحكام الدين بعد حالة التصحر التي شهدتها تونس على مدى 6 عقود، وتزيد إذا كانت فترة الاحتلال غير المباشر (الاستقلال المغشوش) امتداداً للاحتلال المباشر، وما بقي في وعي الشعب من الدين إلا ما ظل راسخاً بفعل القوة الذاتية فـ66% يرفضون المساواة في الميراث، ولنفس العامل سجل التقرير نسبة تصل إلى 90% ترفض العلاقات الجنسية خارج إطار الزواج، وهناك 90% أيضاً يرغبون في أن تبقى المساجد تحت إشراف وزارة الشؤون الدينية.

حقائق لابد من تأكيدها

عاشت تونس فترات قاحلة من تاريخها من الاستبداد قبل الاحتلال، ثم الاستبداد أثناء الاحتلال، وثالثة الأثافي، الاستبداد بعد الاحتلال المباشر، والذي كان الأكثر تطرفاً وانغلاقاً وعداءً للإسلام في الكثير من قراراته وسلوكياته وتعاطيه مع الشأن الديني، وتحديداً الإسلامي، فقد تم التضييق على أنصار الهوية الإسلامية العربية لتونس، من خلال تمكين «المتفرنسين» من تولي المناصب المهمة في الدولة إبان الاحتلال الفرنسي، وتم تهميش خريجي المعاهد الدينية والجامعات الإسلامية كالزيتونة، ثم القضاء على ما تبقى منها بعد عام 1956م واستمرت الحرب ضد كل ما يمت بصلة للإسلام حتى بعد الثورة، فإذا كانت الحرب قبل الثورة ترتكز على مؤسسات الدولة ولاسيما المؤسسة التعليمية التي قال أحد مهندسيها الهالك محمد الشرفي: «إذا قلنا للطالب: إن الخمر حرام، وإن الزنا حرام، وإن الربا حرام في المناهج المدرسية، ثم يخرج من المدرسة والمعهد ليجد الخمارات ودور البغاء والبنوك الربوية؛ فإنه سيتطرف؛ لذلك يجب القضاء على هذه الثقافة»، وقد استخدم الاستبداد البوليسي والقضاء لخدمة تلك الإستراتيجية الشيطانية.

أما بعد الثورة، فإن وسائل الإعلام التي تمتلكها المنظومة السابقة، والجامعة التي تغلغلت فيها بعض العناصر المعادية للهوية والتي تعتز بهجانتها الفرنسية، حتى إنها لا تتكلم العربية في المنتديات وبعض الاتحادات النقابية، وسياسيين وفلول من الانسلاخيين تحاول المحافظة على الهيمنة السابقة على المجتمع، لدرجة تمتعض فيها من الثورة، وتسمي «الربيع العربي» بـ«الربيع الأسود»، وهناك صراع إرادات، ومحاولات لتواصل الاستبداد بمختلف تجلياته عبر الدفع بسن قوانين أكثر فظاعة حتى من عهد الاستبداد والدكتاتورية، ومحاصرة الدين والمتدينين مجدداً من خلال الاستثمار في الإرهاب، والتخويف من الإسلاميين، بل من أسلمة المجتمع المسلم ويا للمفارقة.

التقرير وإن كان يرصد الحالة الدينية في تونس، إلا أن التسمية ملتبسة، إذاً يجب القول: إن التقرير يرصد نظرة التونسيين ومفهومهم للتدين، والذي يبدو من خلال الكثير من هذه التصورات مخالفاً للدين وفق أسسه ومبادئه.

 ثانياً: هناك محاولات لفرض ما يوصف بالتدين الشعبي، أي نظرة الناس وكثير منهم جاهل بالدين، على المجتمع وجعل تلك النظرة وذلك الظن هو الدين.

ثالثاً: هناك تدخل في توجيه القارئ والمستمع والمشاهد من خلال مدح رأي ما ونقد رأي آخر؛ مما يخرج التقرير الذي يزعم الأكاديمية عن الحياد.

عدد المشاهدات 3522

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top