ناصر خسرو.. في الموصل!

15:06 11 يوليو 2015 الكاتب :   د. سنان أحمد

د. سنان أحمد

تتوارد الأخبار القادمة من مدينة الموصل المنكوبة في حضارتها واقتصادها وبنيتها الاجتماعية وتزاحم الغرباء عليها من كل حدب وصوب باسم الجهاد، وحلولهم محل أهلها الأصليين، بعد إصدار فتاوى الجور والظلم بمصادرة بيوت المغادرين بذرائع شتى، وهدم معظم جوامعها الأثرية، والاعتداء على كنائسها وآثارها التي عاشت لآلاف السنين، تتحدث هذه الأخبار عن قيام "داعش" بزراعة الأشجار داخل المدينة، وكلما ازداد التفنن بالقتل سواءً بإغراق الناس أو حرقهم أو تفجيرهم تظهر لنا صور باهتة ينشرها المتعاطفون والمتغافلون عن الإنجازات المصطنعة والتافهة لهذا التنظيم الغامض الذي يتستر بالدين، وزرع شجرة لا يعوض عن قتل مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله، واستباحة أمواله أو مصادرة ممتلكاته، وإن الأمر يصب في الوجه القبيح لهذا التنظيم الذي أساء للإسلام أكثر مما أساء لأي شيء آخر، والحقيقة المرة في تسجيل الأحداث التاريخية عندما يتم تناولها من جانب واحد يعطي بُعداً جمالياً تافهاً لعملية بمجملها محاطة بالقسوة والوحشية المفرطة، وهدم الحضارة والتستر بآراء دينية شاذة لم تجمع عليها الأمة، ناهيك عن البعد التآمري السري الذي يقف خلف هذه المنظمات المشبوهة، والتي يتم صناعتها في الدهاليز المظلمة لتشويه وهدم الدين باسم الدين.

في هذه العجالة لنا وقفة مع التاريخ الإسلامي في منظمة أو جماعة خدعت كثيراً من المسلمين بشعاراتها البراقة تحت راية العدل والتوحيد ومحاربة الشرك، ألا وهم "القرامطة" والذين لم يترددوا بإطلاق لقب "المؤمنون المنصورون بالله" على أنفسهم عام 317هـ، وقتلهم الحجيج وارتكابهم الموبقات داخل الحرم الشريف، ثم قاموا بكسر الحجر الأسود وسرقته إلى عاصمتهم "هجر" على ساحل الخليج العربي، ليبقى عندهم 22 عاماً، حتى أرجعوه بأمر الخليفة الإسماعيلي الباطني مؤسس الدولة الفاطمية، كما قاموا بخلع باب الكعبة وسلبوا كسوتها وشربوا الخمر ومارسوا الزنا داخل الحرم الشريف، وذلك بشهادة أشهر مستشرق المسمى ديه خويه، صورة القرامطة (داعش الباطنية) صورة قاتمة، فقد كانت إصبعاً قذراً من الأصابع التي أرادت هدم الدين باسم الدين.

ولكن ماذا كتب الرحالة الفارسي الشهير ناصر خسرو (395 - 481هـ/ 1004 - 1088م)، والذي اشتهر بكراهيته الشديدة للعرب وأهل السُّنة، وهو الإسماعيلي الباطني ذو الأصول الفارسية عندما أراد أن يبرر ما لا يمكن تبريره، فقد كان أباً روحياً للذين فرحوا بزراعة بعض الأِشجار بعدما هدموا أكثر من ثلاثين مسجداً وجامعاً في الموصل.

ففي كتابه "السفرنامة" والذي كتبه من رحلته في العالم الإسلامي لم يغفل عن شعوبيته وحقده على المسلمين، والذي تتغنى به الشعوب الفارسية على أنه واحد من أمهات الكتاب في ثقافتهم، في هذا الكتاب يسمي الخليفة العباسي بـ"الشيطان العباسي" ويسمي أهل السُّنة "الناسبيين السُّنة"، وهو يقصد "الناصبيين" لأن لسانه أعجمي لا يستطيع لفظ حرف الصاد، وكان يذم فقهاء المسلمين كأبي حنيفة، ومالك، والشافعي بمناسبة وبدون مناسبة.

وعندما مر بالجزيرة العربية لم يترك مثلبة واحدة إلا وألصقها بالعرب، أما عندما وصل إلى مناطق أبناء جلدته من القرامطة أشاد بنظامهم الاجتماعي الشيوعي القائم على أخذ الضرائب من الأتباع، وكانت تسمى بـ"الفطرة"، ومقدارها درهم واحد على الرجل والمرأة والصبي، وضريبة أخرى تسمى "الهجرة" حتى أصبحت هذه الضرائب أداة في حياتهم، وزعماؤهم يعيشون أفضل العيش، ومع ذلك يدعي كبراؤهم كأبي سعيد الجنابي في معرض رده على الخليفة العباسي بأنهم قوم مسلمون ويقاتلون من يتهمهم بغير الإسلام، ويشيد ناصر خسرو بكل هذه المثالب ويتغاضى عن ممارسات ليلة الألفة والمحبة التي يجتمع فيها الرجال والنساء ويمارسون الفساد على طريقة من عز بز، يتغافل ناصر خسرو عن هذه المخازي التي تمارس باسم الدين والإسلام، ويبدي إعجابه بطريقة بيع اللحوم من كافة الأنواع، وحتى لحوم القطط والكلاب والحمير، وكيف أن باعة اللحوم يضعون الرؤوس على الجثث المسلوخة، حتى يميز المشتري بين لحم القطط والكلاب والقرود، ويجعل ذلك في باب أمانتهم وصدقهم! هذا هو حال أصحاب ناصر خسرو من قرامطة القرن الحادي والعشرين، يخربون البلاد ويقطعون الرؤوس ويضعونها على الجثث دليلاً لأمانتهم في القتل والتعذيب، ثم ينشرون صوراً عن التشجير في مدينة الموصل! 

عدد المشاهدات 2523

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top