كيف يوظِّف «الإعلام» الخرائط الإدراكية لنشر الطائفية والكراهية؟

14:59 09 أبريل 2016 الكاتب :   الجزائر: عبدالعالي زواغي

القول بأن الإعلام يمتلك من السطوة والسحر ما يجعله قادراً على قولبة السلوك وتعليب الوعي؛ قول صادق إلى حد بعيد، بفضل تقنيات التأثير التي يمتلكها ويوظفها لتحقيق أهدافه، والسياقات التي ينتهجها لصياغة اتجاهات محددة للرأي العام حول قضايا بذاتها. ولعل من أبرز مظاهر السطوة التي يمارسها الإعلام اليوم، خصوصا فيما يتعلق بالقضايا العربية والإسلامية، تجييشه لمشاعر الكراهية وإذكاؤه للنعرات الطائفية، التي ساهمت بشكل كبير في خلق كل هذه الفوضى والعبثية في إراقة الدماء، وتنامي نظرات العداء والكراهية التي يرمق بها الغرب كل ما هو إسلامي.

سنحاول في هذه المقالة التعرف على التوظيف الإعلامي للخريطة الإدراكية، ودورها في تجييش النعرات الطائفية ونشر الكراهية، خصوصاً في ظل توظيفهما الملحوظ من قبل بعض وسائل الإعلام المغرضة والطائفية، لسرعة مفعولها ونجاعتها في تحريك الجماهير المستهدفة.

الإدراك والسلوك

بداية يمكن القول: إن الخريطة الإدراكية تؤدي دوراً كبيراً في تشكيل الرأي العام وتحريك الجماهير، وخلق مشاعر العداء أو الحب لديهم، وتحويلها إلى سلوكيات ورد فعل، وقد يلجأ خبراء الإعلام إلى توظيفها في الأطر الإعلامية المختلفة، لتكون جزءاً منها وعاملاً من عوامل نجاحها، كما يمكن أن تكون الأطر الإعلامية وسيلة لبناء ورسم هذه الخريطة وتوظيفها لاحقاً في عمليات التأثير الممنهجة.

ترتبط الخريطة الإدراكية بعقل الإنسان وذاكرته؛ لأن هذا العقل ليس مجرد مخ مادي، أو صفحة بيضاء تتراكم عليها المعطيات المادية، وإنما هو عقل له مقدرة توليدية، كما أنه مستَقَر كثير من الخبرات والمنظومات الأخلاقية والرمزية، ومستودع كثير من الذكريات والصور المخزنة في الوعي واللاوعي(1)؛ لذلك فسلوك الإنسان وردود فعله للواقع المادي لا تكون بشكل مباشر وإنما من خلال إدراكه وما يسقطه على هذا الواقع من أفراح وأتراح، وأشواق ومعان، أو رموز وذكريات، وأطماع وأحقاد، ونوايا خيّرة وشريرة، ومن خلال مجموعة من المنظومات الأخلاقية والرمزية والأيديولوجية، التي تشكل جميعها ما يسمى الخريطة الإدراكية(2).

لذلك، فالخرائط الإدراكية، والأطر المرجعية والمخططات الذهنية أكثر الصور المجازية المهيمنة في تحديد الأنساق الأنطولوجية والمعرفية التي يستخدمها الإنسان في إدراك الظواهر والمشكلات المعقدة وفهمها وتشفيرها وفك شفراتها(3).

المتتبع لبعض وسائل الإعلام في العالم العربي والإسلامي، يلاحظ أنها تتقوى من خلال استنهاض المخزون الإدراكي لجمهورها، وتحفيزه على استخدام خارطته الإدراكية، التي رسمت بداخل عقله على مدى عقود، أو تم بناؤها من طرف هذه الوسائل وفق إستراتيجية مدروسة، إلى الحد الذي تجعله لا يستطيع الرؤية خارج المجال الذي تحدده هذه الخريطة، بل وتصبح مرجعاً لصاحبها يحكم بناء عليها على الوقائع والأحداث.

وأبرز مثال على هذا التوظيف يظهر واضحاً في الكثير من الحالات والنماذج الإعلامية، مثلما هو الأمر مع بعض وسائل الإعلام الغربية في تعاطيها مع القضايا الإسلامية، أو الإعلام الصهيوني في تقديم الأحداث المتعلقة بالصراع العربي - «الإسرائيلي»، وأيضاً في حالة الإعلام الطائفي التابع لمرجعيات وأحزاب متطرفة في موضوع الصراع مع السُّنة، وكل هذه الوسائل الإعلامية بمختلف أيديولوجياتها تستعمل الخرائط الإدراكية للجمهور الذي تخاطبه للتأثير فيه، من خلال خطاب إعلامي محفز لرأسمال المعنى عند هذا الجمهور، والذي تتضمنه عمليات التأطير المكثفة للأخبار والصور والتقارير الصحفية، التي تحشر الأحداث في سياق الصراع مع الآخر، خصوصاً في أوقات الأزمات، أين يكتسب الخطاب الإعلامي أهمّيته من منطلق كونه لا يكتفي بتصوير الواقع ونقله، بل يسعى، أكثر من أي زمن آخر، إلى تهيئة الأرضية المعرفية والسياقية المناسبة للمتلقي لحمله على تبنّي مقاربة توافقية حول الأزمة.

الإعلام المذهبي وتجييش الطائفية

تبدو حالة الإعلام الطائفي اليوم الأقرب إلى فهم دور الخريطة الإدراكية في تشكيل الرأي العام وتحريك الجماهير، فعلى مدار عقود من الزمن تم تشكيل هذه الخريطة في أذهان المنتسبين للمذهب، بالتأكيد على أن الشيعة ظلموا من طرف السُّنة، وأن هؤلاء السُّنة هم الأعداء الحقيقيون المعادون لأهل البيت، وأنهم مصدر الظلم في العالم الإسلامي، وأتباع أبي العباس السفاح الذي شرد الشيعة ونكل بهم، وهم قتلة الحسين الذين يجب عدم الثقة فيهم بل مناصبتهم العداء وإبادتهم عن بكرة أبيهم.

لذلك فالفضائيات الطائفية الموالية لإيران تعمل على إبراز السُّنة وفق هذه التمثلات كلما تناولت حدثاً أو قضية صراع في المنطقة العربية، مثلما هي الحال مع ما يجري في اليمن والعراق وسورية، أين استدعى الإعلام الشيعي الطائفي الخريطة الإدراكية لجمهوره، وربط الأحداث التي تعرفها هذه البلدان بممارسة الأمويين والعباسيين وظلمهم - كما يزعمون - لآل البيت وشيعة علي بن أبي طالب، واستحضار صور اللطم وشق الصدور ومشاهد عن مقتل الحسين عليه السلام، من أجل جعل ذاكرة المعاناة حية في وجدان المشاهدين، وتحريضهم على قتال أهل السُّنة انتقاماً لمظلوميتهم المزعومة التي حفرت في إدراكهم، مثل شعار «يا لثارات الحسين»، أو إعطاء تسميات مذهبية للمليشيات مستمدة من الموروث الطائفي، مستندين في ذلك إلى توظيف حجة السلطة الدينية والعلمية لمراجعهم، لإضفاء الطابع الموضوعي، وتزكية السرديات المشكِّلة للهوية الطائفية.

فالخطاب الطائفي ما زال يصوِّر ما يجري في اليمن وسورية والعراق ولبنان على أنه حرب بين يزيد والحسين، كما أنه يُرجع الممارسات الإرهابية الحالية في سورية، مثلاً، إلى سلوك من تألَّبوا لانتزاع الحكم من آل البيت؛ لذا تعتقد القنوات الطائفية أن محاربة الحوثيين للجيش اليمني الشرعي وقوات التحالف الإسلامي فرض ديني مقدس، تماماً مثلما هي الحال في سورية والعراق(4)؛ ولذلك أيضاً كان سهلاً تجييش مشاعر الكراهية إزاء كل ما هو سُني وفق الخريطة الإدراكية للشيعة وأفراد المليشيات الطائفية، التي تلغي أي تقارب أو رؤية مخالفة لجوهر القضايا التي تؤمن بها، مما يسهل عملية التجنيد في الأحزاب والمليشيات الطائفية المقاتلة في اليمن والعراق وسورية؛ لأنه من الصعب إقناع أي إنسان بأن يتحول إلى مجرد أداة، إلا إذا تم تغيير خريطته الإدراكية أو حثها على العمل، حتى يمكنه أن يتحرك بحماس ويحمل السلاح دفاعاً عما يتصوره ومما استبطنه.

فالتشكيل النصي والدرامي لأحداث المنطقة العربية في وسائل الإعلام الطائفية، يركز على تفعيل الخريطة الإدراكية لجمهورها، مع الصياغة الرمزية لهذه الأحداث، وخلق أنماط لغوية وتمثيلات ذهنية واستدلالات معرفية تنسجم مع المحددات المعرفية والسياقية التي يتبناها الشيعة.

الإعلام الغربي وفوبيا اللاجئين

كما يبدو توظيف الخريطة الإدراكية واضحاً جلياً في قضية اللاجئين إلى أوروبا خلال السنوات التي أعقبت الثورات العربية، وتفشيها عقب استفحال الحرب السورية ودخول عدة أطراف أجنبية في صناعة مشاهد القتل والدمار والتجويع والحصار المطبق؛ مما جعل ملايين من السوريين يلجؤون إلى عدة بلدان أوروبية، وهي الظاهرة التي لم يرحب بها الكثيرون في الضفة الأخرى، فتم توظيف وسائل الإعلام، خصوصاً تلك التابعة لليمين المتطرف، لتحفيز واستدعاء الخريطة الإدراكية للأوروبيين، التي صيغت من قبل وتصور اللاجئين على أنهم غزاة جدد جاؤوا فاتحين لاحتلال أوروبا ونشر الإسلام، وأنهم إرهابيون قد يقومون بتفجيرات وعمليات قتل، مثلما كان المسلمون دائماً تهديداً في أذهان وإدراك الأوروبيين.

وهي الصورة النمطية التي شكلتها آلاف الكتب والصور والمسلسلات والأفلام التي ألصقت كل الصفات الشنيعة بهذا العربي أو المسلم، وأغنت المخزون الإدراكي للشعوب الغربية، وهي نفسها يعاد استدعاؤها اليوم في قضية اللاجئين ضمن سياق الإسلاموفوبيا، فالكثير من وسائل الإعلام الغربية المتطرفة صورت القضية على أنها حالة حرب وتهديد لأوروبا المسيحية، فاتسمت التغطية الإعلامية لهذه الوسائل بتوظيفها للغة معادية وصورة مُشَيْطَنة للاجئين ليظهروا كأنهم «الغزاة»، «المُنحرفون»، «الطفيليون»، «المتطرفون»، «الجهلة»، «الإرهابيون»، «الدواعش»، وهذا ما جعل سلوك بعض الأوروبيين في كثير من الدول الأوربية؛ كالمجر وألمانيا وفرنسا، في الآونة الأخيرة، يأخذون منحى انتقامياً وعدائياً ضد اللاجئين، بفعل خريطتهم الإدراكية التي رسمتها وسائل الإعلام، التي جعلت مجال رؤيتهم محدداً فقط في كون اللاجئين المسلمين تهديداً حقيقياً لوجودهم، دون أن تتوسع هذه الرؤية للنظر إلى اللاجئين على أنهم فروا من ظروف حرب ضروس لا ترحم، ويعانون أوضاعاً إنسانية صعبة لا تطاق، تستوجب مساعدتهم وحمايتهم بدافع إنساني.

تبعاً لما سبق ذكره، فإن الخريطة الإدراكية مهمة جداً في عمليات التأثير التي تمارسها وسائل الإعلام، وهي أيضاً، من جهة أخرى، سلاح خطير يتم استعماله لنشر الكراهية وتغذية النعرات الطائفية، وحمل الناس على القيام بأعمال عدائية في حق «الآخر» المختلف مذهبياً وحضارياً، والإعلام والنخب العربية السُّنية اليوم مطالبون جميعاً بالسعي إلى تغيير الخريطة الإدراكية للكثير من الشعوب والمذاهب الأخرى التي تناصبهم العداء، وتكنّ لهم مشاعر الكراهية والمقت، بناء على ما تبثه وتتبناه المراجع الدينية ووسائل الإعلام المتطرفة، خصوصاً أن الدول العربية تمتلك من الإمكانيات البشرية والمادية ما تؤهلها لإرساء إعلام قوي قادر على النفاذ إلى عقل وإدراك جمهوره وإقناعه بالحجج والأدلة، وتقريب الحقائق إليه لإدراكها ورؤيتها بغير ما تم تعويده عليه.

الهوامش

(1) عبدالوهاب المسيري: الخريطة الإدراكية، مقال منشور بتاريخ 3/10/2004م، على موقع:

aljazeera.net/knowledgegate/opinion 

(2) مجموعة مؤلفين: ظاهرة ويكيليكس - جدل الإعلام والسياسة بين الافتراضي والواقعي، المركز العربي لأبحاث ودراسة السياسات، ط1، بيروت، لبنان، 2012، ص527.

(3) حجاج أبو جبر: سلطة الخريطة الإدراكية، مقال منشور بتاريخ 30/11/2014م على موقع:

fairforume.org

(4) نصرالدين لعياضي: الخطاب الطائفي في الفضائيات الدينية: كلفة الخلاف وتداعياته، دراسة منشورة على موقع الجزيرة بتاريخ 7/10/2015م.

عدد المشاهدات 2051

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top