التفكير بعقلية السائح

16:50 19 أبريل 2016 الكاتب :   د. محمد الشهري

من الأشياء التي أظن أنه ينبغي الحذر من الوقوع فيها هو الدخول في قالب "السائح"، والانسياق مع سياق "السياحة"؛ وذلك لأن السائح بمجرد ما يرتدي هذا الرداء يصبح عرضة للإثارة وقابلاً للانبهار بما يستحق وما لا يستحق.

وربما وجد الإنسان نفسه فجأة في مدينة تُعد مقصد السائحين وملاذ شركات السياحة، فلا ينتبه لكل هذا وربما مرت به أفواج هؤلاء وأزعجه وميض فلاشات الكاميرات في الأماكن الجاذبة فلا يمنحها من اهتمامه شيئاً، فإذا أصبح الصباح عليه وقد ارتدى لبوس السيّاح ودخل في السياق؛ أصبح يقف عند كل زاوية ويصور كل مدخل ومخرج وربما أخذت انتباهه ورقة ساقطة على الرصيف فيقضى دقائق يتأملها أو يتصنع ذلك حتى ينساق مع قواعد اللعبة.

ولأن أرباب المال يعرفون ذلك جيداً تراهم يصنعون كل يوم مناطق جاذبة attractions، ومتاحف يُوهم من يأيتها أنه سيعود للتاريخ ويقرأه من كل زواياه.

عقلية السائح تكون أشد خطورة عندما تكون مصاحبة للقارئ، وخصوصا للقارئ المستجد، فيقف عند كل فكرة جديدة عليه قديمة في المعرفة، فتبهره ويخلب عقله بريقُها، فيؤمن بها ليس لأنها فكرة تستحق، بل لأنها صادفت سائحاً بين الأفكار مستعداً للانبهار والانجذاب.

وكما يخرج السائح من المتحف يظن أنه قد أدرك تاريخ الأولين والآخرين برؤيته لبقايا بناية أو أثر لعظيم، يخرج القارئ السائح من الكتاب فيظن أنه سبق الأولين والآخرين، وأن الفكرة التي قرأها هي الفكرة التي تستحق التعظيم والاحتفاء ولو كان للفكرة جسم محسوس لالتقط صورة بجوارها وهو يبتسم أو وهو يحتسي كوباً من القهوة!

وربما بالغ أحدهم فتصنع أنه لا يدري بأن الكاميرا موجهة إليه، ورفع يديه كأنه يتحدث مع هذه الفكرة الجديدة.

وكما يستبد بالسائح الغرور فينظر عن ثقافات الشعوب والأمم لأجل أسبوع أو أسبوعين قضاها بين المقاهي والمنتزهات، يستبد بالقارئ السائح الغرور المعرفي، فيظن بنفسه أحسن الظن، ويبدأ في إطلاق الأحكام والتنظير في العظيم والحقير، وتطرأ في ذهنه تساؤلات يوقدها التطور المعرفي تساؤلات في العقيدة أو الفقه أو الفكر، ثم يتعجب كيف لم يجد أحداً تكلم فيها فيغتر بنفسه ويعجب من غفلة العلماء وغيابهم عن المسائل الدقيقة التي يطرقها ناسياً مقولة ابن تيمية العبقرية: "عدم العلم ليس علماً بالعدم".

فإن أدركه لطف الله وانكشف لنفسه، علم أي جهل كان يعيش وأي ظن سوء ظنه بالعلم والمعرفة، وإن كان غير ذلك اغتر وغر، وانخدع، وخدع من الناس من لا يميز بين الذهب والنحاس.

ولا يكشف الإنسان لنفسه شيء كالعلم والبحث، فإن طرأ في الذهن سؤال تظن أنك السابق إليه ولم يتفتق عقل قبل عقلك عن مثله؛ فأمامك مصادر العلم فاعرضه عليها، وسيرجع البصر خاسئاً وهو حسير!

 

المصدر: "نوافذ".

عدد المشاهدات 1907

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top