الأدب الإسلامي والمناهج الوافدة

13:13 19 يونيو 2016 الكاتب :   د. وجيه يعقوب السيد

الحديث عن موقف الأدب الإسلامي من المذاهب الأدبية والنقدية الوافدة حديث مهم للغاية. لأنه يعكس وجهة نظر الأديب الإسلامي بوضوح فيما يتعلق بالأدب من قضايا. كما يلقي الضوء علي مفهوم الأدب في نظرية النقد الإسلامي. فمن المعروف أن نشأة أي مذهب فكري أو أدبي ترتبط بالظروف الحضارية والفلسفية التي ينشأ في ظلالها.

وقد لاحظ كثير من الدارسين للأدب العربي علي اختلاف توجهاتهم أن تطور الحركة الأدبية والثقافية العالم العربي في القرن العشرين كانت عبارة عن وثبات من مدرسة إلي أخري دون تسلسل وتدرج منطقي وطبيعي. ولم تأخذ هذه المدارس في الحسبان التطورات الاجتماعية والفكرية والفلسفية التي تمر بها تلك المجتمعات ولم تنتبه إلي الفروق الطبيعية بين الثقافات المختلفة. ولا شك أن هذا كان له أثره السلبي علي الأدب العربي فقد أصيب بالتبعية والتقليد والجمود واختفت الخصوصية التي تميز روح وجوهر هذا الأدب. ولذا يري الناقد الإسلامي ضرورة مراعاة فروق الثقافة والبيئة. وينادي بضرورة وجود مناهج نقدية عربية لها خصائصها التي تتناسب مع بيئتنا وطبيعتنا. وبضرورة أن ينظر الأدباء والنقاد في المذاهب الوافدة نظرة متأنية. نتأمل في عوامل نشأتها وأسباب انتشارها وانحسارها والظواهر التي صاحبتها والقضايا الفكرية التي تدعو إليها والتصورات التي تقوم عليها. وارتباط ذلك كله بالعقيدة. ثم نحدد موقفنا من هذه المذاهب.

وعلى هذا فإن الأدب الإسلامي ينطلق من موقف واع. فيرفض ما يتعارض من هذه المذاهب مع طبيعة التصور الإسلامي. ويرفض النقل غير الواعي عن الآخرين. لأنه يدرك أن المذهب الأدبي لا يمكن نقله من تربة إلي تربة أخري.

لقد أخذ النقاد الإسلاميون علي بعض أدبائنا المعاصرين نقلهم غير المشروط من المناهج الغربية دون مراعاة للاختلافات الجوهرية في اللغة والدين والتقاليد وذلك بزعم عالمية الأدب وإمكانية تطبيق المعايير الفنية والأدبية علي كل آداب الدنيا. ولا شك أن هذا زعم باطل لأن لكل أمة ثقافتها الخاصة وذوقها الخاص فما يستحسنه هذا قد لا أستحسنه أنا. كما أن النقاد البارزين مجمعون علي أن العالمية لا تعني الذوبان وفقدان الهوية والتنازل عن ثوابتنا وشخصيتنا. ولكنها تعني الاهتمام بالمحلية وبالذات الشخصية للقطر والوطن والأمة مع الانفتاح الواعي علي التيارات والآداب الأخرى.

لقد كان تأثير المذاهب الوافدة علي الأدب العربي سلبيا في كثير من النواحي. إذ سار الأدب العربي في ركاب الآداب الأخرى وصور أدباؤنا أنماطاً شاذة ومنحرفة من البشر ليس لها وجود في عالمنا وذلك بسبب التأثير بهذه الأنماط الشاذة التي يمتلئ بها المجتمع الغربي والمألوفة لديهم.

وقد أشار كبار نقادنا إلي خطورة ذلك علي مجتمعاتنا وإبداعاتنا وحذروا من الاستمرار في التقليد والنقل غير الواعي. نذكر منهم الدكتور محمد مصطفي هدارة والدكتور شكري عياد والدكتور علي عشري زايد وغيرهم.

فالدكتور هدارة -يرحمه الله- يرى أن تأثير المذهب الرومانسي في الشعر العربي الحديث كان تأثيرا علي جانب كبير من الخطر. إذ كان مفهوم الحرية فيه إطلاق النفس لشهواتها ونوازعها في غيبة العقيدة الصحيحة والقيم الإسلامية الأصلية والتقاليد القويمة. كما كان مفهوم الذاتية إشاعة التشاؤم والحزن والانسحاب من المجتمع بكل قضاياه والهروب من المشكلات الواقعية وتفضيل العزلة. وكما تأثر الشعر العربي بتلك الحركات الوافدة فقد تأثرت الرواية بها فصورت المجتمع مثقلا بالشرور والآثام. تموج فيه نوازع الشر وتموت فيه نوازع الخير.

إن الأديب الإسلامي لا يرفض كل الآداب الوافدة ولا يقول بذلك. فهو ذو نظرة منفتحة وواعية لكنه يرفض ما يتعارض من هذه الآداب مع التصور الإسلامي الصحيح. وفي الوقت ذاته لا يجد بأسا من اقتباس ما يتلاءم من هذه الآداب مع طبيعة هذا التصور. فإذا كانت الواقعية تدعو إلي الاهتمام بالواقع وقضاياه. فلا بأس في ذلك فإن الإسلام في جوهره يدعو للاهتمام بقضايا الواقع والاندماج في المجتمع ومخالطة الناس بعضهم بعضا ومشاركتهم في أفراحهم وأتراحهم شريطة تجنب نظرة التشاؤم والإحباط التي يفيض بها هذا التيار.

ولا شك أن النظرة العميقة الواعية تؤكد أن الأدب الإسلامي ينطلق من رؤية واضحة ويقف علي أرض صلبة. فهو يؤمن بالوسطية ويرفض التبعية للمذاهب الغربية أو الشرقية لأن في هذه التبعية خنقا لأدبنا وخصوصيتنا وهويتنا.

المصدر: جريدة "عقيدتي".

عدد المشاهدات 3164

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top