مشروعيّة القراءة الدينيّة للنصّ الأدبي وآلياتها

17:49 11 أغسطس 2016 الكاتب :   د. وجيه يعقوب السيد

الأدب الإسلامي ينشد الالتزام المنفتح لا الإلزام المقيِّد

الإنسان في نظر الإسلام إنسان لا هو بالملاك ولا بالحيوان، وهو بهذه الطبيعة المزدوجة يجمع بين النقيضين الارتفاع والهبوط

الواقعية بمفهومها الإسلامي تختلف عن الواقعية المادية التي تصور الانحراف وأنواع الشذوذ النفسي والفكري والاضطرابات العنيفة في القيم والمعايير

النقد الإسلامي يتحدث عن الالتزام النابع من قناعة الأديب وليس إلزاماً يفرض عليه فرضاً ويسلبه حريته

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

تعد الواقعية من أهم الأسس والمبادئ التي تقوم عليها نظرية النقد الإسلامي. والواقعية بمفهومها الإسلامي تختلف عن الواقعية المادية، التي تصور الانحراف وأنواع الشذوذ النفسي والفكري والاضطرابات العنيفة في القيم والمعايير؛ فهي ترفض ذلك حتى لو كان هذا هو الأمر الواقع أو هي حال البشر في حقبة زمنية معينة أو في جيل من الأجيال.

إن الواقعية الإسلامية تختلف عن الواقعية الأوربية في نقطتين أساسيتين:

أولاً: طبيعة تصورها للإنسان وموقفه من الله والكون والحياة وأخيه الإنسان.

ثانياً: طريقة تسجيلها للقطات البشرية التي تختارها للتعبير الفني.

فالإنسان في نظر الإسلام إنسان، لا هو بالملاك ولا هو بالحيوان، وهو بهذه الطبيعة المزدوجة يجمع بين النقيضين، يجمع بين الارتفاع والسمو وبين الهبوط والسفول، وذلك لأن الواقعية الإسلامية لا تحب أن ترسم صورة مزيفة للبشرية، لكنها حين تلتقط لحظات الهبوط، تلتقطها على أنها لحظات هبوط، لا على أنها لحظات بطولة تستحق التصفيق والإعجاب(1).

الالتزام وليس الإلزام

ومن أهم المعايير التي يحتكم إليها الناقد الإسلامي في تقييمه للأعمال الفنية، هي أن يكون الأدب ملتزماً وإيجابياً وهادفاً. وعلى الرغم من احتكام الأدب الاشتراكي لتلك المعايير هو الآخر، فإن النقد الإسلامي –في مستواه النظري– يتحدث عن الالتزام لا الإلزام؛ الالتزام النابع من قناعة الأديب الذي يتمتع بالحرية التامة في التعبير بالكيفية التي يريد، وليس إلزاما يفرض عليه فرضاً ويسلبه حريته، وإلا تحول الالتزام إلى قيد يغل العمل الأدبي، وجدار يقف بمواجهة الإبداع، وتيبس العمل الفني، وجنح باتجاه التقرير الفكري على حساب القدرة الإبداعية(2).

وهذا يتوقف على ممارسة الناقد، ومدى مرونته وفهمه الصحيح لهذه المفاهيم. فالالتزام في ظل الحرية التي يتمتع بها الأديب لن يكون عبئاً على الإبداع كما يرى نقاد هذا الاتجاه، بل إن الالتزام «في نطاق الحرية الإسلامية لا يضع قيداً على فكر، ولا يعطل مسيرة أي جهد علمي، ولا يصادر إبداعاً فنياً، إنه تحرير للطاقات الإنسانية كي تؤدي دورها، وتحقق ذاتها، ولا يحد من طبيعة التفاعل الإنساني الخلاق»(3).

ويرى الناقد الإسلامي أن مجالات الأدب الملتزم بالتصور الإسلامي واسعة، ولا يمكن تقييدها بقيد، فلا يوجد موضوع محرم على الكاتب، بما في ذلك الجنس أو الصراع النفسي والاجتماعي والطبقي، لذلك فإن الالتزام بمفهومه الإسلامي لا يضيق رقعة الأدب ولا حدوده، وهو يوسع رقعة الحياة بوصل ما بين السماء والأرض، وما بين الدنيا والآخرة، وما بين الفرد والجماعة، وما بين الإنسان والكائنات الأخرى(4).

الإيجابية هي القدرة على الفعل

إن النقد الإسلامي حين ينشد الإيجابية وتحقيق الأهداف السامية في الأدب، ليس بدعاً في هذا الباب؛ فإن كثيراً من المذاهب الأدبية تدعو إلى تحقيق ذلك مثل الواقعية الاشتراكية. ولا تعني الإيجابية بحسب ما كتبه منظرو هذا الاتجاه خلو الأدب من النماذج السلبية والشاذة، أو وصف الشخصيات بصورة مثالية وكاملة وغير واقعية، لأن هذا يعد تزييفاً للواقع كما أشرنا، وإنما تعني –الإيجابية- القدرة على الفعل واتخاذ القرار الصحيح الذي يساعد الشخصية الروائية على تغيير الواقع والسمات الشخصية وفقاً لقناعتها.

إن الإيجابية تعني في منظور النقد الإسلامي قدرة الإنسان الهائلة على الفعل والتغيير، رغم ما قد يواجهه من صعوبات. والأدب المنبثق من التصور الإسلامي، يجب أن يكشف عن هذه القوة الكامنة وجوانبها المختلفة، ولا يتوقف عند تصوير لحظات الضعف التي يكون الإنسان عندها سلبياً وبعيداً عن طبيعته، التي تغرس فيه الشعور بالعجز واليأس.

إن الأدب في مفهوم النقد الإسلامي ليس عبثاً أو فوضى، كما أنه ليس مجرد شاهد صامت، يقف أمام الأحداث والمواقف عاجزاً، أو ينحصر دوره في مجرد جلب المتعة والتعبير عن أهداف مادية ودنيوية؛ «فالأدب من أكبر الوسائل إلى الأهداف النبيلة وللتأثير في النفس البشرية»5، كما أنه: «قوة فاعلة مغيرة إلى الأفضل، وإلا فماذا تكون وظيفته إذن؟»(6).

الانفتاح على آداب العالم

ومما يحسب للناقد الإسلامي عدم دعوته للتقوقع والانغلاق باسم المحافظة على الهوية والتقاليد؛ لأن الأدب نشاط إنساني ومن ثم يجب الانفتاح على آداب العالم، واقتباس ما يتلاءم منها مع التصور الإسلامي الصحيح، وتوظيفه ضمن سياق حضاري جديد يتفق مع ثوابتنا وطبيعة حضارتنا. ولعل هذا المعنى هو ما قصده د.عبد الحميد إبراهيم حين تحدث عن الوسطية الإسلامية بأنها تلك التي تجمع بين الشيئين، بمعنى أنها تجري وراء الحق عند أية طائفة حتى لو كانت معادية، فتضمه وتصبح الأنموذج الذي يجمع الفرقاء والشاهد الذي تلتمس عنده الحقيقة.

إنها تصدر من منطق القوي الذي لا يُغمض عينيه إزاء الحقيقة، ولا تدفعه العقد والأمراض النفسية إلى التميع أو الجبن أو النفاق.(7)لكنه يرفض فقط تلك التيارات والمذاهب الفكرية والفنية التي تتعارض مع قيم الإسلام. فحين يتحدث الأدباء عن إله وثني كآلهة اليونان أو عن أرباب متعددة، أو عن خطيئة آدم كما هي في المسيحية أو عن صلب المسيح، أو عن شخصيات القرآن الكريم وقصصه على أنها أساطير كإبراهيم وإسماعيل وطوفان نوح وابني آدم وبلقيس وغير ذلك مما قصه القرآن الكريم، فإن الناقد لا يتسامح معها ولا يقبلها مهما كانت دوافعها وأسبابها.(8)

ولا شك أن هذا التعامل الواعي مع المذاهب الأدبية والفكرية –لو طبقت هذه المعايير بصورة صحيحة- لتجنبنا الكثير من الشطحات الفكرية والفنية التي يفتتن بها كثير من الأدباء والنقاد وينقلونها إلى بيئتنا دون النظر إذا ما كانت تناسبنا أم لا، وهو ما لاحظه أحد النقاد الغربيين حين أشار إلى أن تطور الحركة الأدبية والثقافية في العالم العربي في القرن العشرين عبارة عن وثبات من مدرسة إلى أخرى دون تسلسل منطقي وتدرج طبيعي، على العكس من حركة الأدب في أوربا التي حدثت نتيجة للتطورات الاجتماعية(9).>

الهوامش

(1) محمد قطب: منهج الفن الإسلامي: ص 50 – 54 (بتصرف) وفي هذا المعنى يرى سيد قطب في كتاب خصائص التصور الإسلامي -وقد لخصه د. صابر عبد الدايم في كتابه عن الأدب الإسلامي بين النظرية والتطبيق، وقد اعتمدنا عليه في هذا النقل- أن الأدب الإسلامي لا يحفل كثيراً بلحظات الضعف البشري ولا يتوسع في عرضها، وقد يلم الأديب بلحظات الضعف البشري، لكنه لا يقف عندها طويلاً، وهو لا يفعل ذلك متأثراً بالمعنى الضيق لمفهوم الأخلاق، وإنما يصنعه متأثراً بطبيعة التصور الإسلامي للحياة، وبطبيعة الإسلام ذاته في تطوير الحياة وترقيتها، وعدم الاكتفاء بواقعها في لحظة أو فترة. فالواقعية الإسلامية لا تقوم على أسس العقد النفسية ولا تقوم على محاربة القيم الروحية ورفض الغيبيات كما في الواقعيات الأخرى (انظر: خصائص التصور الإسلامي: ص 12، ص 20).

(2) د. عماد الدين خليل: مدخل إلى نظرية الأدب الإسلامي، مؤسسة الرسالة، بيروت، ط 1، 1978 م، ص 84.

(3) د. أحمد بسام ساعي: الواقعية في الأدب والنقد، دار المنارة، جدة، ط 1، 1985 م، ص 35.

(4) محمد قطب: منهج الفن الإسلامي، ص 130. يرى محمد قطب أن التعبير عن الوجدانات الإنسانية التي يتناولها الأدب يجب أن تشمل كل العواطف، لا أن تقتصر على جانب واحد، وهذا هو الذي يليق بالواقعية الحقة. لكنه يرى أن الإنتاج العالمي يدور أكثره حول عواطف الجنس، وعلى الرغم من أهمية الجنس لكنه ليس هو الدافع الأوحد المتفرد بالتأثير والتوجيه، فكل حقائق الحياة تشير إلى أن الجنس وسيلة لا غاية. (منهج الفن الإسلامي: ص 67 – 69، بتصرف).

(5) أبو الحسن الندوي: نظرات في الأدب، دار القلم، 1، 1988 م، ص 105.

(6) د. نجيب الكيلاني: مدخل إلى الأدب الإسلامي، كتاب الأمة، قطر، العدد 14، ط 1، 1987 م، ص 57.

(7) د. عبد الحميد إبراهيم: الوسطية العربية مذهب وتطبيق، دار المعارف، مصر، ط 3، 1990 م، ج 1، ص 18(بتصرف).

(8) د. عبده زايد: الأدب الإسلامي ضرورة، رابطة الجامعات الإسلامية، ط1، 1991 م، ص 73 (بتصرف).

(9) آلان روجر: جريدة الأهرام المصرية، العدد 40195، 24 / 12 / 1996م.

عدد المشاهدات 1478

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top