دور التعليم في مواجهة الغلو والتطرف

15:38 05 ديسمبر 2016 الكاتب :   د. حازم علي ماهر

-       إشكاليات عديدة ثارت حول مضامين الغلو نظراً للتفاوت الشديد في فهم حد الاعتدال الذي يتعين عدم تجاوزه

-       الفكرة التي تمتلك المتطرف هي التي تبني له تصوره لنفسه وللواقع وللآخرين ومن ثم تحدد له منهج تعامله معهم جميعاً

-       غياب التفكير النقدي الذي يميز بين الأفكار المعتدلة وتلك المتطرفة مرض فكري وتربوي كذلك

-       نقطة الانطلاق في تفعيل دور التعليم في مواجهة الغلو والتطرف تبدأ من تبني مفهوم الوسطية والاعتدال هدفاً تربوياً

-       الذي ينشأ في طفولته في جو الحوار بالكلمة لن يسهل عليه في شبابه أن يستبدل بها سلاح القتل والتدمير

-       ينبغي توفير حياة كريمة للقائمين على العملية التعليمية من مدرسين وعلماء وغيرهم حتى لا يلجؤوا إلى وسائل أخرى

تأتي أهمية التركيز على دور التعليم في تعزيز الوسطية والاعتدال وتربية الأجيال بما يعصمها من الوقوع في التطرف، من كون التعليم هو الذي يمكنه أن يشكل ثقافة التلاميذ والطلاب وعقولهم على أسس وسطية رشيدة، تربيهم على قبول الاختلاف وإدارته، وترسِّخ فيهم ثقافة قبول الآخرين وحسن التعايش معهم، وتمكنهم من امتلاك الأدوات التي يستطيعون أن يواجهوا بها تحديات الحياة دون إفراط أو تفريط، وبغير أن يسقطوا في هاوية الغلو والتطرف؛ العنيف منه وغير العنيف.

بداية رغم وضوح مفهوم الغلو والتطرف – وهو "مجاوزة حدّ الاعتدال والتوسط"(1) - ثارت إشكاليات عديدة حول مضامينه، نظراً للتفاوت الشديد في فهم حد الاعتدال الذي يتعين عدم تجاوزه، غير أن فطرة الإنسان السوية تكفي لترجيح معنى هذا الحد الذي ينبغي العمل على مقاومة تجاوزه، لاسيما عبر استعمال العنف، فيما بات يسمى بـ "التطرف العنيف"، وهو المفهوم الذي كاد الإجماع أن ينعقد على اعتماده وضرورة مقاومته، نظرياً على الأقل، وبغض النظر عن الخلاف الواضح حول ما يعد تطرفاً وما لا يعد كذلك.

والواقع أن الأدبيات التي بحثت في قضية الغلو والتطرف رجح الكثير منها تعدد العوامل المنتجة للتطرف وتنوعها؛ فقد تكون عوامل ثقافية (فكرية ودينية)، أو اجتماعية، أو اقتصادية، أو سياسية، أو تربوية، أو نفسية، أو كل ذلك مجتمعاً، أو بعضه فقط.

وعلى الرغم من منطقية هذا التشخيص للعوامل الدافعة للغلو والتطرف وواقعيته؛ فإن العامل الأهم – من وجهة نظري - هو العامل الفكري؛ فالفكرة التي تمتلك المتطرف هي التي تبني له تصوره لنفسه، وللواقع، وللآخرين، ومن ثم تحدد له منهج تعامله معهم جميعاً، بحسب كونها فكرة متطرفة أم معتدلة، فالعامل الحاسم يتجسد في رؤيته هو تجاهها وتفسيره لها ولمقتضياتها.

عوامل الغلو والتطرف

والحقيقة أن الفكرة التي تتحكم في المتطرف لا تتحكم فيه إلا إذا صادفت لديه جهلاً أو عصبية أو وجدت عقله خاوياً من القدرة على التفكير النقدي السليم لتمييز الغث من الأفكار عن السمين.

أما الجهل فهو مرض فكري وديني وثقافي بصفة عامة، له مظاهره التي قد تعمُّ كلَّ حالات الغلو والتطرف تقريباً، فلا تكاد تخلو حالة منها من جهل متعلق بسوء فهم النصوص دون امتلاك الأدوات اللازمة للتمكن من ذلك، أو بخلل في تقدير الواقع، أو بالخلط والالتباس في فهم المصطلحات، أو بعدم القدرة على إدراك الأولويات والموازنات والسنن والتاريخ.. إلخ، فهو ظلمات بعضها فوق بعض.

وأما العصبية – بمعنى التعصب لرابطة ما ونصرها، ولو بالعنف غير المشروع، ظالمة أو مظلومة - فهي أيضاً ناتجة عن فكر غالٍ في الأساس قبل أن تكون مرضاً أخلاقياً.

وأما عن غياب التفكير النقدي الذي يميز بين الأفكار المعتدلة وتلك المتطرفة، فهو مرض فكري وتربوي كذلك، إذ يتلقى المتطرف الفكر دون تمحيص، فيتبناه من زاوية أحادية بحتة لا تقبل التعدُّد، ولا تثير في ذهنه أسئلة من قبيل: لماذا؟ وكيف؟ بل يكون مهيئاً تماماً لتلقي ما يُملى عليه كما هو.

هذه العوامل الفكرية الأساسية هي المدخل الصحيح - في نظري - للنظر في دور التعليم في مواجهة الغلو والتطرف، لا كما يتصور البعض بأنه ينحصر في العمل على زيادة نسبة التعليم ومكافحة الأمية؛ إذ إن "بعض أسوأ الفظائع التي سُجِّلت في التاريخ البشري نظَّمها وارتكبها الأشرار المتعلمون جيدًا"(2)؛ أي الذين حصلوا على مؤهلات عليا كالهندسة والطب مثلاً.

نقطة الانطلاق

رغم دور التعليم وأهميته في تعزيز الوسطية والاعتدال ومحاربة الغلو والتطرف لدى الأجيال، كما أشرنا في المقدمة، يمكن للتعليم أيضاً أن يقدم عكس ذلك؛ فيقدم أجيالاً عقولها لا تحسن أن تقيم الوزن بالقسط فلا تخسر الميزان (ميزان الاعتدال في النظر إلى الآخرين، وفي مجابهة التحديات المختلفة التي تواجههم في الحياة، وما يقع عليهم فيها من ظلم واعتداءات)، فإذا بهم يغالون في ردِّ أفعالهم، فيردون على ظلمهم بظلم أبشع تجاه أبرياء لا ذنب لهم، قد يصل إلى حد تدميرهم، بل وتدمير أنفسهم معهم أحياناً!

والواقع أن نقطة الانطلاق في تفعيل دور التعليم في مواجهة الغلو والتطرف تبدأ من تبني مفهوم الوسطية والاعتدال هدفاً تربوياً تنبثق عنه أهداف تعليمية تعزز هذه المفهوم وتوضع له البرامج الكفيلة بتحقيقه في فكر الدارسين وسلوكياتهم.

والتعليم هو العامل الأساس في مقاومة العوامل الفكرية التي تمكن من شيوع الغلو والتطرف، مثل الجهل والعصبية وافتقاد القدرة على التفكير النقدي على النحو الذي سلفت الإشارة إليه.

فالجهل مثلاً يمكن تلخيص علاجه في كلمة واحدة؛ وهي "العلم"، على أن يكون علماً حقيقياً لا يكتفي بغرس المعلومات في عقول الناس فقط دون أن تساعدها على الوعي الصحيح بحقائق الأمور، وبأن الاختلاف بين البشر هو الأصل، وبأن إدارته تكون بالحكمة والموعظة الحسنة والاعتدال، لا باللجوء إلى الكراهية والتحقير واستخدام العنف ضد المخالفين.

وأما العصبية، فعلاجها ليس في العمل على الحطِّ من قدر الروابط الإنسانية المختلفة، ولكن من خلال تهذيبها ورسم حدودها، بألا تكون على حساب القيم والمبادئ الأخلاقية الأساسية، لاسيما تلك التي يؤمن بها البشر جميعاً، وهذا هو الميدان الذي يتعين أن يتحرك فيه التعليم فيغرس في المتعلمين مفاهيم كالتعددية والحرية الفكرية ويعلمهم فن إدارة الاختلاف بينهم وقبوله من قبل ذلك.

وبالنسبة لغياب التفكير النقدي كمشكلة منتجة للغلو والتطرف، فمن البديهي أن يكون حلُّها في التربية عليه منذ الصغر؛ لاسيما في المؤسسات التعليمية المختلفة، التي تكمن رسالتها الأساسية في تنمية الوعي والفهم عند الدارسين، بحيث لا تربيهم على النظرة الأحادية للحقائق، فيلا يرون لها إلا سبيلاً واحداً فقط، هو السبيل الذي يعتقدونه، وهو أمر نجده في الغالب فيمن تلقوا تعليماً تقنياً فارغاً من الأمور النظرية، التي هي ميدان لتعدد الأسئلة والأجوبة، فيتلقى "العقائد" بمثل السهولة والعادة اللتين يتلقى بهما القوانين العلمية، أو تعليماً تلقينياً نظرياً بحتاً يقوم على تقديم المعرفة إلى الدارسين على صورة أساطير وتلقينات وحقائق جاهزة، وهما العقليتان اللتان يستوطنهما التطرف وأطروحاته في الغالب؛ فهي تستهوي العقلية الأولى لأنها وثوقية، أشبه بالقوانين العلمية، وتستهوي الثانية لأنها قابلة للتقمُّص، أشبه بالأساطير(3).

المؤسسات التعليمية

لذلك كله ينبغي غرس ثقافة الحوار وآدابه في الدارسين منذ الصغر، وهذا هو السبيل الصحيح لوقايتهم من الأساليب العنيفة في التواصل فيما بينهم وبين مجتمعاتهم فيما بعد، أو كما أوضح د. أحمد كمال أبو المجد من قبل: "إن الذي ينشأ في طفولته في جو الحوار بالكلمة لن يسهل عليه في شبابه أن يستبدل بها سلاح القتل والتدمير، والذي يجد له في صناعة قرارات المجتمع مكاناً ونصيباً منذ نشأته؛ يصعب عليه أن يفر في شبابه إلى اغتراب يفرضه على نفسه"(4).

وإذا كان مراعاة ما تقدم ضرورياً لتفعيل دور التعليم في مواجهة الغلو والتطرف؛ فإنه يتعلق في معظمه بالمناهج التعليمية وبتدريسها، وهو أمر غير كافٍ وحده لتفعيل هذا الدور، بل لا بد كذلك من إصلاح المؤسسات التعليمية ذاتها، وتطوير سياساتها التربوية والتعليمية كذلك، ومن ذلك:

1- تحقيق الاستقلالية الكاملة للعملية التعليمية، بعيداً عن السلطات السياسية التي تعمل في الغالب على التحكم في التعليم وتطويعه بما يخدم مصالحها السياسية الآنية، ويمكن أن يجري ذلك عبر إعطاء مجال أكبر لمؤسسات المجتمع المدني ولأنظمة تاريخية ثبتت فاعليتها في هذا الإطار مثل نظام الوقف الإسلامي مثلاً.

2- ينبغي توفير حياة كريمة للقائمين على العملية التعليمية من مدرسين وعلماء وغيرهم؛ حتى لا يلجؤوا إلى وسائل أخرى لتحسين مستوى معيشتهم من شأنها أن تفقدهم مهابتهم في نظر الدارسين، مما قد يؤدي إلى انهيار ثقتهم فيهم، وهو أمر خطير يعد قد يؤدي إلى لجوء الشباب إلى غيرهم من أئمة الغلو والتطرف.

3- إشاعة أجواء الحرية الفكرية في المؤسسات التعليمية؛ سواء لطلبة العلم أم لأساتذتهم من العلماء والمدرسين أم للنشاط التعليمي عموماً، وتوسيع مجال الحوار الفعال فيما بينهم، مما يساعد على غرس التفكير النقدي الحر في عقول الطلاب، لا يُمكِّن لأحد أن يزرع فيها فكراً متطرفاً بصيغة الإملاء أو خداعهم بالشعارات الرنانة مثل ما يحدث في الكثير من حالات الغلو والتطرف.

الهوامش

(1) انظر: المعجم الوسيط، مادة "طرف".

(2) المستقبل: ستة محركات للتغيير العالمي، آل جور، ترجمة د. عدنان جرجس، سلسلة عالم المعرفة (423)، عدد أبريل 2015م، الجزء الأول، ص 281.

(3) المسألة الثقافية، د. محمد عابد الجابري، مركز دراسات الوحدة العربية، بيروت، سلسلة الثقافة القومية (25)، ط1، نوفمبر، 1994م، ص 164 - 166 (بتصرف).

(4) حوار لا مواجهة، د. أحمد كمال أبو المجد، طبعة خاصة أصدرتها دار الشروق ضمن مشروع مكتبة الأسرة، مهرجان القراءة للجميع، 2002م. ص60 - 61.

عدد المشاهدات 2149

  • وعي حضاري
  • الأكثر قراءة
  • الأكثر تعليقا
Top